الجمعة 19 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

السعدنى.. أديب «الخيالات المُجنّحة»!

محمود السعدني
محمود السعدني

 

«مأساة» الكاتب الكبير الراحل محمود السعدنى، أو مأساة قرائه ومُعجبيه بالأحرى، أنه اختلق معظم ما جاء فى كتبه اختلاقًا، لقد صال الرجل وجال فى التشنيعات، ثم يبدو أنه صدّق هو نفسه فيما بعد تشنيعاته، فأورد ذلك فى كتبه «الخالدة» على أنه وقائع حقيقية! يقول السعدنى فى كتابه «الطريق إلى زمش»، أحد أشهر وأظرف كتبه، نصًا: «استقبلنى د. لويس عوض، فى سجن القلعة قائلًا (هاللو)، وكان يرتدى (روب دى شامبر) أحمر وشبشبًا سويسريًا ويشعل سيجارة، عندما سألته عن رأيه فى تلك المحنة التى نعيش فيها ومتى نخرج من هذا المكان. فأجاب د. لويس: ما تخافش لازم نخرج بكرة أو بعده. ولكى يطمئن قلبى سألته: يعنى أنت متأكد.. فقال الدكتور بثقة تامة: طبعًا هابيوس كوربوس»!

«همست لنفسى (يحكى السعدنى): لا بد أن له قريبًا ذا شأن فى المباحث اسمه هابيوس كوربوس.. ولا بد أن الرجل طمأنه، وأكد له موعد الإفراج.. وعدت أسأله: هوه اللى قالك بنفسه؟.. فارتسمت الدهشة على وجه الدكتور، وقال مستنكرًا: هو مين دا اللى قاللى؟».

«قلت: هابيوس كوربوس، مش هوه لوا فى المباحث قالك لازم نخرج بكرة أو بعده.. فقال د. لويس باشمئناط: هابيوس كوربوس دا يا جاهل قانون رومانى قديم»، فتساءلت: قانون رومانى.. طب مالنا إحنا ومال القانون الرومانى ده؟».

«قال د. لويس: القانون دا بيقول ما يمكنش حد يقبض على مواطن أكثر من ثلاثة أيام بعدها لازم يظهر المواطن إما أمام المحكمة وإما فى الشارع، قلت: وأنت مصدق الحكاية دى؟.. فأجاب الدكتور بثقة شديدة: طبعًا». 

«قلت: تصدق بالله لو هابيوس كوربوس جه هنا هيحبسوه معنا وهياكل ضرب ما كلوش حرامى فى مولد. هابيوس كوربوس مين يا عمنا؟ إن كان اعتمادك على هابيوس كوربوس دا يبقى مش هنخرج من هنا غير يوم القيامة!».

صدّق أو لا تصدق: الدكتور لويس عوض، أستاذ الجامعة الذى تعلم فى أوروبا، والمفكر الذى كان أيقونة عصره، بلغ من العبط والبلاهة ما جعله يطمئن السعدنى، الساقط ابتدائية، عن قرب الإفراج عنهم استنادًا إلى قانون «هابيوس كوربوس»!
والغريب إن مفيش حاجة أصلًا اسمها قانون «هابيوس كوربوس». ولكنك ستعرف الحقيقة، وسيأتيك بالأخبار عن مدى صحة هذه الحكاية، وغيرها من الحكايات، ما لم تُبلّغ! 


 

 

وفى الكتاب نفسه، «الطريق إلى زمش» يتحدث السعدنى عن الدكتور لويس عوض فى موضع آخر، فيقول نصًا: «حدث ذات يوم جمعة، وهو يوم أجازة فى المعتقل، أن اقتحم العنبر الذى يقيم فيه د. لويس أحد الحراس العواجيز. وبعد أن ألقى نظرة فاحصة على المعتقلين. قال: أنا عاوز واحد متعلّم ونبيه، رد الدكتور على الفور: أنا!».

«قال له الشاويش العجوز وهو يخرج من العنبر: تعالى ورايا.. وخرج الاثنان معًا، الشاويش فى المقدمة ولويس عوض يمشى وراءه. وتعلّق المعتقلون بنوافذ العنبر. توغل الشاويش فى حوش السجن ومن خلفه د. لويس، حتى وصلا إلى نهاية الحوش تقريبًا، وانحنى الشاويش على الأرض ونزع غطاء البكابورت (وهو لمن لا يعرفه غطاء تفتيش الصرف الصحى)، وكان طافحًا بشكل ظهر واضحًا للمعتقلين الذين كانوا يختلسون النظر عبر النوافذ.

«نظر الشاويش للدكتور لويس عوض باعتباره شخصًا نبيهًا ومتعلمًا.. وطلب منه تسليك البكابورت الطافح! وبالفعل شمّر د. لويس عن سواعده وقام بتسليك البكابورت على أكمل وجه». «ولكن المسألة التى لفتت نظر العبدلله هى التصدى للمهمة عندما طلب الشاويش واحدًا متعلمًا ونبيهًا. هل خطر فى ذهن لويس عوض أنهم كانوا يبحثون عن واحد متعلم ونبيه لتسليك البكابورت؟ أم أنه تصوّر عندما سمع الشروط المطلوبة (متعلم ونبيه) أنهم يريدونه لمشكلة عويصة فى الجامعة العربية، لدراسة مشروع جديد فى وزارة الثقافة؟ إنها إهانة لا تُغتفر لمثقف مصرى عظيم فى حجم لويس عوض».

«ولكن المضحك فى الموضوع أنها لم تكن مقصودة، فلم تتعمد الحكومة اختيار لويس عوض، لهذه المهمة، ولم يكن اختياره نتيجة تدبير من مأمور السجن أو أحد ضباطه، حتى الشاويش كان بريئًا من مؤامرة التدبير، لقد سأل الشاويش سؤالًا لم يوجهه إلى أحد بالذات، وتطوّع لويس عوض بترشيح نفسه للمهمة، باعتباره متعلمًا ونبيهًا، فمن نلوم على موقف مثل هذا قام فيه لويس عوض أحد كبار المثقفين فى عصرنا بتسليك البكابورت باعتباره متعلمًا ونبيهًا! إنها مسألة تجعلنا نتساءل عن العلاقة بين البكابورتات والتعليم».

طبعًا قصة غريبة سوف تندهش حتمًا من غرابة تفاصيلها الدقيقة، وتندهش - أكثر- من إقدام «مثقف مصرى عظيم فى حجم لويس عوض» على التطوّع بإهانة نفسه، لكى نصل فى النهاية إلى السؤال المصيرى، على طريقة هاملت «أكون أو لا أكون»: ما هى بالضبط طبيعة العلاقة بين البكابورتات والتعليم؟!

هذا هو محمود السعدنى، بالضبط، الساخر البارع الذى يقفز بك من نتيجة إلى نتيجة بحرفية معلّم، ومن إفيّه منظوم بعناية إلى إفيّه آخر مجاور له، فتصبح كتاباته محض «إفيهات متجاورة»، لكنك لن تخرج منها فى النهاية بأى نتيجة منطقية، باستثناء السؤال الهاملتّى عن العلاقة بين التعليم والبكابورتات.

والأدهى من ذلك، والأمر، خُد عندك بقى القنبلة دى: أن هذه القصص الطويلة من أولها إلى آخرها، واتهام لويس عوض أحد كبار مثقفى العصر بأنه تطوّع من تلقاء نفسه وبـ«إرادته الفلسفية الحرة»، لتسليك البكابورت، لا لشىء سوى كونه «متعلمًا ونبيهًا»، وموضوع هابيوس كوربوس.. كل هذه التفاصيل والتنهدات والحسرات، ما هى إلا أكاذيب لم تحدث من الأساس!

أمّا كيف اكتشفت ذلك: فقد كنت ذات يوم أعمل فى إعداد البرامج لإحدى الفضائيات، ومعى المذيع محمد الغيطى. وسجّلنا حلقة مع المرحوم الدكتور فخرى لبيب حنا «١٩٢٨ - ٢٠١٦»، المناضل اليسارى الكبير، وأحد أكثر الرجال نبلًا وتعففًا فى تاريخ الحركة الشيوعية. دردشت مع الدكتور فخرى قليلًا قبل التسجيل، كما أفعل دائمًا مع الضيف، لأنى كنت من فرط كسلى أكتب الإسكربت ورقة بورقة، أثناء التصوير. وسألت الضيف بالصدفة عن واقعة البكابورت هذه، باعتباره شاهد عيان عليها، لأنه كان مسجونًا مع السعدنى ولويس عوض فى نفس العنبر، فأجاب الرجل بمنتهى الهدوء والرصانة: هذا الأمر لم يحدث مطلقًا، وكنت أنام وأقوم مع د. لويس على بُرش واحد طول فترة السجن، ولم أشاهد أو أسمع عن شىء كهذا، بل هى تشنيعة من تشنيعات السعدنى التى تُشبه خيالات جبران خليل جبران «المُجنّحة»!

ولم أسأل د. فخرى طبعًا عن «هابيوس كوربوس»، لأننى متأكد أنه تشنيع، لكننى سألته: هل كان د. لويس يرتدى «روب دى شامبر» و«شبشبًا سويسريًا» فى المعتقل حقًا؟، فأجاب: كنا نلبس هدوم خاصة بالسجن يتم انتقاؤها عمدًا، بحيث لا تكون على مقاس السجين، لتنغيص عيشته، ولم يكن هناك أرواب، ولا شباشب سوى «القبقاب»!