الأربعاء 14 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

المجموعة القصصية للموت طرقات ثلاث

حزن ساق

حرف

أصاب ساقى اليسرى خلل غريب بعدما بترت اليمنى عن طريق الخطأ.
كنت قد حجزت بالمشفى لإجراء عملية جراحية بساقى اليمنى، كسر مضاعف احتاج إلى شرائح ومسامير، هكذا أخبرنى الطبيب. لن أنكر أننى منذ أن عرفت، ومنذ رأيت الغراب الصغير يقف على سور شرفتى، وقد ملأنى التشاؤم، فأنا رجل يسلم نفسه للعلامات، ويجد فى كل لفتة وحركة وكلمة إشارة، لا يمكن أن تكون كل تلك الأشياء عبثية، وهو أمر ضد طبيعة الكون.
خرج الطبيب من غرفتى، فأخبرت زوجتى بنبرة حاولت أن تكون هادئة، أننى لن أجرى تلك الجراحة.
كان اعتراضًا طفوليًا ساذجًا، أو رفضًا لشخص كبير يعكر مزاج من حوله، احتـدت زوجتى، ذكرتنى فى تعب أنها ساقى ما نتحدث عنها، ليست ذراعًا نستطيع التعايش دونها، إن كنت لن أمسك قلمًا فذلك أمر محتمل، ولكن كيف لا أسير!
أردت أن أخبرها بأن الأمرين بالنسبة لى سيان، أننى أسير بساقى لأبحث عن الحكاية فى وجوه الناس، وأدونها بيدى التى تجد المتعة فى النميمة عنهم مع الورق، لكننى لم أقل شيئًا بعدما لاحظت الدوائر السوداء التى ارتسمت أسفل عينيها. أتكون قد تكونت بفعل الحزن أم تأنيب الضمير؟ ألم تكن هى السبب الأول فى وصولى إلى المشفى؛ لأنها أرادت تعليق زينة رمضان بالشرفة حيث رأيت الغراب المشئوم؟
آثرت الصمت، ليس خوفًا من نوباتها العصبية، ولكن لأن ساقى الأخرى بدأت فى حركات غريبة منذ أن كسرت أختها، كنت أتعرق فيها بشدة، عرقًا مستفيضًا يهيئ للرائى أن ماء قد سكب فوقها، إلى جانب الوخز المؤلم، وردات فعل عصبية مفاجئة تركل فيها الهواء دون قدرة تحكم منى.
أوعزت الأمر فى البداية إلى عقلى، ربما يتعلق الأمر ببعض النهايات العصبية، ربما هى طريقة العقل لحمايتى من شىء ما، لا أعلم، فالعقل وحده كمتاهة يصعب السير داخلها.
حُدّد موعد العملية، الواحدة ظهرًا من صباح الإثنين الموافق الثامن من يناير، شهر أكرهه، وبرودة لا أحبها، وإشارات مفرطة فى العتمة والقلق. أردت تغيير الموعد، أخبرت طبيبى برغبتى:
- أريد تأجيل موعد العملية.
- لماذا؟
- لا أحب الشهر، ولا الفصل.
رمقنى بنظرة طويلة ميتة، واستدار إلى الممرضة كى تبدأ فى تجهيزى، كما لو أننى موسيقى مزعجة لا يفهمها، أو فيلم صامت لم يرقه.
غرفة العمليات بلا رائحة، عكس كل الغرف الأخرى التى سمعت عنها من أصدقائى، أو دلفت إليها بعمليات صغيرة كعملية اللوز، أو المرارة، أو عملية زراعة الشعر الأخيرة.
لا أثر لرائحة التعقيم، ولا الرائحة التى يصيغها العقل للبنج، لم أر إلا وجوهًا مقنّعة بأقنعة ذكرتنى بكابوس الكورونا، وطاولة صغيرة قد وضعت فوقها مشارط طبية وشاش، ومنشار طبى مرعب لم أفهم وظيفته فى عمليتى، وأشياء أخرى لم أنتبه إليها.
خدرنى الطبيب بسرعة، كان ماهرًا للحقيقة، سألنى عن اسمى كاملًا، وعندما طلب معرفة عمرى أطبق الظلام على عقلى، فقيّد لسانى.
آخر ما أذكره ساعة حائط رمادية معلقة أمامى بغرفة العمليات، أشارت عقاربها إلى الواحدة، لأستيقظ بغرفتى حيث لم أعرف الوقت إلا من غياب الشمس، ووجه زوجتى المظلم الغارق فى الدموع.
ابتسمت بتعب، تخيلتها لقطة رومانسية من أحد أفلام الغرب، حيث تكتشف الزوجة قدر محبتها لزوجها فى موقف عصيب كهذا، لم يكن عصيبًا لتلك الدرجة- من وجهة نظرى- فما هى إلا عملية بسيطة حدثت من قبل لابن صديقة، وتعافى منها، بل تحول لعفريت صغير لا يتوقف عن الركض.
مددت يدى إليها استكمالًا للمشهد الرومانسى، إلا أنها ازدادت نحيبًا، وقد خرجت الكلمات متقطعة من فمها بنبرة اتهام واضحة أننى نحست نفسى.
لم أفهم الجملة، ربما هو البنج الذى لم يزُل أثره تمامًا بعد، هززت رأسى بعدم فهم، فأشارت إلى ساقى قبل أن تهرع إلى الخارج.
ما معنى أن تجد الحيز الذى امتلأ بك فجأة مفرغًا منك؟ لا أعرف، حتى وأنا أحاول استيعاب ما أرى لم أستطع الإجابة، حاولت الحديث، الصراخ، طلب أحدهم، لكن كل شىء امتزج داخلى، كنت أشير إلى الفراغ، وأنظر حولى كما لو أن الجدران الرمادية الصماء ستعطينى الإجابة، شدت أعصابى كوتر، وشعرت بعروقى تنفر، وتنفسى المعتدل منذ لحظات يصبح ثقيلًا كما لو أن الصدمة تحولت إلى مقطورة كبيرة تدهسنى.
منغمسًا بحالتى، اقتحم أحد الأطباء الغرفة فجأة، لم يكن الطبيب الذى وكل بعمليتى، فهو فى تلك اللحظة- كما قيل- قيد التحقيق، حاول الطبيب مواساتى، وإخبارى عن تعداد الأخطاء الطبية الوارد حدوثها، وأن تبدل البيانات مع حالة أخرى أمر يحدث كل يوم، وذكرنى بحالة عرضت على التليفزيون منذ أسابيع لأحد المرضى الذى دخل لاستئصال المرارة، فاستؤصلت معدته.
لم أكن أنصت، كنت أراقب ساقى الأخرى التى انحنت دون إرادة منى، أصابعى الطويلة تتحرك نحو فراغ أختها، وكأنها تتلمس وجودها بدموعها التى لا تجف ككلب يحرك أنفه يتشمم صاحبه الغائب:
- ساقى تبكى.
نطقتها مقاطعًا إسهاب الطبيب فى الشرح، فصدم من التعقيب، صمت لثوانٍ، قبل أن يتبرع بالكشف على ساقى الباكية، فحص أصابعى، سار بأصابعه على أعصابى وعضلاتى النافرة، تأكد من سلامة عظامى، لون الجلد، حرك ساقى لعدة مرات ليطمئن على خلوها من الكسور أو الكدمات، ثم أعلن بغباء:
جسدك الحار يتعرق بغزارة.
عله لم ينتبه إلى انتفاضى من البرودة، أو أنه لا يعلم أننى أكره شهر يناير؛ لأنه ابن الشتاء.
حقنتنى الممرضة التى ظهرت فجأة بمهدئ قوى، فارتخت أعصابى، وارتخى وجه الطبيب المتوتر قبل أن أسقط فى النوم.
استيقظت منتصف الليل، لم أجد زوجتى، لكننى وجدت ورقة منها تبلغنى فيها أن عليها العودة إلى الأولاد، وأنها ستعود فى الصباح، كانت كذبتها واضحة من خطها فوق الورق، عندما تكون صادقة تزيل الورقة بثلاثة أقواس متشابكة على شكل شفاه، وعندما تكذب تغفلها، ربما لأنها تخجل من مزج الحب الجيد بفعل سيئ كالكذب.
وضعت الورقة إلى جوارى، وأنا أنظر إلى موضع ساقى المفقودة أُمنى نفسى بطفولية أنها فى أثناء نومى قد نبتت، ولم يحدث. لم أجد إلا احتضان ساقى الحاضرة إلى فخذى اليمنى اليتيمة، وكأن عقلى ما زال مخدرًا، كلما حاولت فصلهما، أبت ساقى اليسرى.
بعد أيام من عدم التصديق، تقبلت الحقيقة وأنا أستند إلى عكاز فى طريقى للخروج من المشفى، بعدما توعدتهم بغلقه، وأن القضاء لن يضيع حقى، رغم اعتذار الطبيب الذى أجرى العملية، ولكن أى اعتذار بإمكانه تصحيح خطأ جسيم ستتغير حياتى كلها بسببه! عدت إلى بيتى، رتبت لى زوجتى سريرًا منفردًا، فهمت أنها لا تتقبل نقصانى، إنها بطريقة أو بأخرى تعاقب نفسها بهجرى لإصرارها على العملية التى تحولت إلى مصيبة. لم تنظر نحوى مرة واحدة منذ أن عدت إلى البيت، لم تلمس موضع البتر رغم توليها مهمة تغيير الضمادات، لم تربت على رأسى فى مواساة مزيفة أو حتى شفقة، ولم أهتم، كل ما كنت أريده فى تلك اللحظة، حزمة من الأوراق، والأقلام أنثرها فوق سريرى كما اعتدت وأنام، لأستيقظ وأجد الحكاية حاضرة برأسى، فأسكبها سريعًا فوق الورق الأبيض قبل أن تخوننى وتهرب.
تناولت المنوم، استلقيت على جانبى الأيسر، بعدما فقدت قدرتى على النوم على جانبى المعتاد، اضطررت إلى وضع وسادة أمامى، أسند فوقها فخذى اليتيمة حتى أصل إلى توازن يتيح لى نومًا هادئًا. بعد خمس دقائق سقطت فى أحلام متداخلة، كور صوفية هشة، تتحول إلى كور عملاقة أحملها بين يدى، أشعر بثقلها وخفتها فى اللحظة ذاتها، سيقان تتطاير حولى، تلتف حولها كور الصوف، تصنع حلقات لتصل بينها، فتتحول بعد جمعها كلها إلى ساق واحدة، ساقى المبتورة التى أركض بها.
استيقظت على رجرجة حادة، كأننى أركض بالفعل، اعتقدت أن زلزالًا ضرب المدينة، فأصبحنا جميعًا كراقصين فى ديسكو، لكن ثبات الجدران والإطارات والمصابيح، بدد بدايات الرعب، لأجد وأنا أنظر بعفوية إلى ساقى اليمنى التى رافقتنى فى كابوسى، أن ساقى اليسرى قد علقت بين إصبعيها السبابة والإبهام قلمًا، وانغمست فى الكتابة!
إذن أنا فى حلم داخل حلم، هذا ما اعتقدته، حاولت إيقاف ما يحدث بدعك عينى، بقرص يدى، ولكننى فشلت، حاولت مجددًا السيطرة على ساقى الغريبة بقدرة عقلى على قيادة جسدى ولم يحدث.
ساقى اليسرى الآن منفلتة، ذاتية الإرادة، مستقلة عنى، كما لو أنها كائن آخر تملك جزءًا من جسدى.
استرخيت قدر استطاعتى، رغم أن جسدى غير متشنج، حاولت السيطرة على رعبى حتى أصل إلى النهاية، فمن غير المعقول أن تدون ساقى للأبد، فيدى مثلًا كانت تكل، تتعب وتعلن عصيانها، ورفضها الإمساك بالقلم، وسترفض ساقى فى لحظة ما أن تكمل للسبب ذاته.
ساعة، ساعتان، ثلاثة، الفجر يشق العتمة ببطء، وساقى تكتب بطريقة محمومة، ورغم التشنج الذى يقتلنى ألمًا لا تتوقف.
فى لحظة قررت أن أتناول حبة منوم أخرى، الحل الوحيد لفصلى عنها وعما يحدث حولى من غرابة، فتوقف الركض فجأة، لفظت ساقى القلم، واستسلمت لحركتى كما لو أنها تعيد إلىّ قيادة جسدى.
التقطت الورق بهدوء، خشيت أن أوقظ الروح المجنونة التى تلبست ساقى. كان الخط قريبًا من خط يدى، فشعرت بمجمل الغرابة، أن يدى ربما تكون بشكل ما متواطئة، ربما قدمت قدرتها لساقى المجنونة كنوع من المواساة.. لا أعرف. تجاهلت الفكرة، ابتلعت ريقى وأنا أحاول كبت رغبتى فى الصراخ باسم زوجتى، أخذت نفسًا عميقًا أرخى أعصابى، صببت تركيزى على الجمل المكتوبة، لأجد مرثية طويلة من الساق اليسرى إلى أختها المفقودة، مرثية لم تخلُ من توبيخى، والشفقة علىّ، شفقة على حد تعبيرها لم تمنحها لى زوجتى.
كنت قد قررت تركها إلى جوارى لتلتقطها زوجتى وترانا فيها فتشعر بالخجل، لكننى تراجعت، فالورقة، والحكاية، والكلمات نفسها بلا قيمة ما دام الفقد المادى الواضح لم يستجلب أى شكل من أشكال العاطفة. فتحتُ الدرج الجانبى وأخفيتها على طريقة أن أتجاهل الأمر ليتجاهلنى، بمجرد أن أغلقت الدرج واعتدلت، بكت ساقى من جديد، وتلك المرة شاركتها البكاء.