الأربعاء 14 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

مسافة تصلح للخيانة.. بيت الحكمة للثقافة

رجال فى ورطة

حرف

 

علا صوت المؤذن بـ«الله أكبر.. الله أكبر» مُعلنًا الصلاة. توافد المصلون من الحوارى القريبة، منهم من يلج دورة المياه ليتوضأ، ومنهم من يهرول للصف الأمامى ليحجز مكانه خلف الشيخ مباشرةً. وبعد أن أُقيمَت الصلاة، جلس الشيخ طاويًا ساقيه تحته ومواجهًا الناس؛ ثمة من خرجوا بعد الصلاة لشئون دنياهم، واعتدل البقية فى مواضعهم استعدادًا لسماع الدرس الأسبوعى عقب صلاة المغرب. أما درس اليوم، فكان عن الأمر بالمعروف والنهى عن المُنكر. راح الشيخ يقرأ من ورقة فى يده بعض التعاليم، مدعَّمة بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، كلها تعزز وتؤكد ضرورة الأمر بالمعروف، وأن من رأى منكرًا ولم يغيِّره متخاذل؛ فلا يحق له بعد ذلك التطيُّر إذا انقلبت حياته الدنيا إلى جحيم. ولم يؤثر ذلك الكلام فى صدور المستمعين مثلما أثر فيهم أول مرة؛ فقد حفظوه عن ظهر قلب، باتوا يسمعونه كما يسمعون صفير الريح فى عز الصمت، لا يجذب النظر ولا يدعو للدهشة ولا ينتبه له الشاردون. 
جلس الرجال متململين، أجساد متراصة وأعين ترى وآذان تسمع، لكن كلًا منهم عقله شارد فى شئون بيته ومشاكله التى يعايشها. وجميعهم يتحينون الفرصة لينتهى الشيخ من إلقاء درسه وتبدأ فقرة الأسئلة التى تسرِّى عن قلوبهم، وليلقى كل رجل سؤاله ويستقبل الإجابة الشافية الوافية، التى ستحل مشكلاته بإذن الله.
ولما حانت اللحظة المرجوة، وسمح لهم الشيخ بإلقاء الأسئلة، سارع عم محمد البوسطجى بالسؤال أولًا: «يا سيدنا الشيخ، تراودنى أفكار سيئة فى رأسى، لو قلتها بصوت عالٍ ستُكَفِّرنى. كيف أطردها من عقلي؟ وما سببها؟». تجهَّم وجه الشيخ وشحب، ضيَّق عينيه متفحصًا صاحب السؤال، صاحَب الازدراء والاستنكار نظراته. اعتدل فى جلسته وتنحنح قبل أن ينصح الرجل بالاستغفار ألف مرة كل يوم لعله يكون من المهتدين؛ فتبتعد عن رأسه الوساوس الشيطانية التى ستتسبب حتمًا فى غضب الله عليه. وقال إن سبب هذه الأفكار ابتعاده عن الله، ولا بد أن يتقرب ممن خلقه بدلًا من أن يفكر فى أشياء لا تصح ولا يمكن أن تُسمى- لو أردنا أن نسميها- إلا بالكُفر.
أَذَنَ الشيخ لآخر أن يسأل، رغم عدم تمكنه من إخفاء استيائه من سؤال البوسطجى، حتى أنه قرر ألا يتعامل معه بعد اليوم، إلا إذا رأى منه عودًا حميدًا إلى رحاب الدين وأمارات شفاء العقل من الوساوس الخبيثة.
وسأل مرزوق- العريس الجديد- الشيخ: «ما حكم الزوجة التى تهجر زوجها فى الفراش ليلة عرسهما، لى صديق عنده هذه المشكلة وهو متأزم؟».
تنحنح الشيخ وتململ فى جلسته متجهمًا وقال: «فُجْرٌ بعيد عنا وعن السامعين. لو لم تخضع باللين فلتضربها.. أقصد فليضربها صديقك ضربًا خفيفًا». فامتقع وجه مرزوق لما ظنَّ الشيخ فيه الظنون، وندم على السؤال وأخذ دمه يغلى ويفور طوال الجلسة. لم يستطع أن يسمع بقية الأسئلة كأنه مغيب عن الوعى، وطفق يفكر كيف يمكن أن يقع فى هذا الخطأ وهو الذكى الناصح؟ فلا يوجد فى القرية سوى عريس واحد، وهذا العريس هو نفسه، بالطبع فهم الجميع فضيحته، وعرفوا أن امرأته لم تسمح له بلمسها. اللعنة على موقفه المُحرج! يود لو ابتلعته الأرض أو انتشلته يد من وسط المسجد وأخفته فى الظلام.
وسأل رجل فى آخر الصف: «يا شيخنا، هل كان الرسول عليه الصلاة والسلام يتوضأ بمياه ساخنة أم باردة؟». عصر الشيخ مخه مسترجعًا كل الأحاديث التى حفظها، والآيات التى أخذ يتلوها أكثر من عشرين عامًا، لعله يستطيع الإجابة على سؤال الرجل. انهماكه فى التفكير أربك المصلين، تعالت الهمهمات، وأخذ الشيخ يعبث بشعر ذقنه، قاطبًا حاجبيه، حتى أُلهِمَ بالإجابة التى ستُخلصه من هذا الفخ اللعين فقال: «فى عصر الرسول عليه الصلاة والسلام لم تكن هناك صنابير مزودة بمقبضين؛ أحدهما للماء البارد والآخر للساخن مثل التى فى بيوتكم الآن. والجو كان حارًّا أغلب السنة، ولا يوجد ثلاجة ولا موقد؛ فالمياه إذًا فاترة». 
فانتهز جعفر الجزار الفرصة ليسأل الشيخ فى شىء له علاقة بهذا الموضوع وقال: «آخر سؤال يا مولانا: هل أدخل الحمام بقدمى اليمنى أم اليسرى؟ لأن هذا الموضوع يحيرنى وأخشى أن يكون الإهمال فى ذلك ذنبًا من الذنوب». 
التقط الشيخ أنفاسه وارتاح لسهولة السؤال وأجاب على الفور: «اتفق الفقهاء على استحباب دخول الخلاء بالقدم اليسرى يا سى جعفر.. والخروج باليمنى». فصُعِق الجزار عندما سمع هذا الكلام وقال: «كنت أتعمد الدخول باليمنى طوال السنوات الماضية ظنًّا منى أن هذا هو الحكم الصحيح. يا ويلى!». فرماه الشيخ بنظرة لم يستطع جعفر تفسيرها وأخذ يستغفر فى سره ويحمد الله أن ألهمه السؤال، وإلا لظل يدخل الحمام بقدمه اليمنى طوال عمره.
خرج الرجال من الجامع وانتشروا فى الحارات. كلٌّ منصرف إلى شأنه الخاص. كان الجو شديد الحرارة رغم غياب الشمس، كأنها تركت لهيبها المستعر خلفها ومضت. 
أما عم محمد البوسطجى؛ فأخذ يستغفر طوال طريقه إلى القهوة ولما وصل سحب كرسيًّا وجلس؛ فجاء الصبى وسأله:
- تشرب إيه يا عم محمد؟ 
وارتاب لرؤية وجه البوسطجى وقد ضربته حُمرة غريبة وبزغت من عينيه علامات القلق والريبة، تحركت شفتاه بهمهمة غير مسموعة.
* يا عم محمد، تشرب إيه؟ 
ولم يرد عم محمد، ظل يحدج الصبى بنظرات ينبعث منها الشرر، وشرع يتمتم ويغمغم وبإبهامه ينقر ثلاث نقرات على كل إصبع.
* أنت كويس يا عم محمد؟ بسألك تشرب إيه ومش بترد! 
كظم البوسطجى غيظه واستمر فى الغمغمة وقد شعر بالدماء تتصعد إلى نافوخه.
* يا عم محمد!
نفد صبره وتعاظم غضبه ونهر الصبى قائلًا:
* يا أخى يلعن أبو اللى خلفك لا تقاطعنى وأنا بستغفر. مضطر أعيد من الأول بعد ما كنت قربت أوصل للألف!
وترك البوسطجى القهوة لاعنًا الساعة التى جاء فيها، وراح يهرول إلى بيته عاقدًا حاجبيه وأمارات الغضب مرتسمة على وجهه المكفهر، وبدأ العدَّ من البداية.
أما مرزوق العريس فعاد إلى بيته مغتمًّا، ولما دخل الغرفة وجد زوجته متسطحة على الفراش تتحسس بطنها. استفزَّه البرود فى عينيها وتكاسلها عن القيام فنهرها:
* فزِّى يا ولية قومى لما راجلك يدخل عليكِ.
قامت المرأة من فراشها ببطء مستفهمة عما أغضبه. جلست ممسكة ببطنها متعرقة وقد تشاءمت من صوته الغاضب الذى رجَّ جدران الغرفة. سألته إذا كان بخير وإذا حدثت كارثة لا سمح الله. فاقترب منها وهو فائر ناقم، غرس أصابعه فى ذراعها وقرب شفتيه الغليظتين من رقبتها فتأوهت ممتعضة وصدَّته. فار الدم فى عروقه وبكفه العريض هوى على وجهها تاركًا علامات أصابعه مطبوعة بالأحمر على وجنتها. 
* ده اسمه فجور، ليه بتتمنّعى؟
أجابته المرأة المصدومة من بين دموعها:
* لأن عندى ظروف يا سى مرزوق. والكف اللى نزل على خدى مش هانساه. ولا بد أهلى يعرفوا باللى عملته فيا.
ومن يومها لم يَصْفَ له قلبها، تدخل الأهل وتفاقمت المشكلة، تبادل رواد المقاهى سيرة العريس الذى ضرب عروسه بعدما تزوجها وتمنعت عنه، جالبين الخزى والعار لأهلها. شعر مرزوق بتغيُّر زوجته معه حتى ظن أنها لن تسامحه على ما فعل مهما طال الزمن، وفكر أن يسأل الشيخ بعد صلاة المغرب عن الحل، لكن خاف أن ينفضح أمره بين رجال الحارة مرة أخرى؛ فكتم فى نفسه وسكت، آملًا أن تُحل المشكلة من تلقاء نفسها.
أما جعفر الجزار فضبطته زوجه وهو يخرج ويدخل الحمام كبندول الساعة؛ فارتابت فى أمره، وأخذت تراقبه من بعيد؛ فوجدت أنه كلما دخل الحمام، هرع خارجًا، ثم يعود ويدخل وهو مطأطئ رأسه. ولما زاد الأمر عن حده تجرأت وسألته: 
* ما لك رايح جاى على عتبة باب الحمام يا مرزوق؟ 
ورفض مرزوق أن يجيب، وانزعج لأن سؤالها أنساه إذا كان قد دخل بالقدم اليمنى أم اليسرى، فاضطر أن يخرج مرة ثالثة، ويصب تركيزه هذه المرة على أن يمد ساقه اليسرى أولًا؛ فضربت الزوجة كفًّا على كف، وظنت أن جِنًا تلبَّس زوجها، هرعت لتصبّ على البلاط ماءً بملح، أحضرت صُررًا قماشية صغيرة، ووضعت فى كل صُرَّة قِرشًا، ووزعتها فى زوايا البيت وأركانه كما نصحتها جارتها المعروفة بترددها على العرَّافة، ولم تنسَ أن تشعل المبخرة وتوزع بخارها فى الدار. ولما جلس زوجها مستكينًا فى المساء، أخذت ترقيه وتمسد على رأسه وتقرأ ما تيسَّر من سورة البقرة، حتى ضاق صدره ونهرها على تصرفاتها المزعجة وقام ليغسل وجهه، لكنه نسى إذا كان قد دخل الحمام بالقدم اليمنى أم اليسرى، فهرول خارجًا، وأعاد الكرَّة وهو يصب تركيزه هذه المرة بأى قدم سيدخل.