المجموعة القصصية فئران أليفة
غرف فارغة
لم تغادر منزلها منذ أيام، تحديدًا منذ اليوم الذى تعثرت قدمها أثناء البحث عن حذائها أسفل الأريكة بكتلة ضئيلة ناعمة، أزاحتها بقدمها إلى الخارج ودققت النظر بعينين ناعستين؛ فاكتشفت أنها بقايا جسد صغير متيبس، نصف قط أو قطة.
جلست جواره تبكى، متأملة قطتها الكبيرة الأم وهى تلعق جسدها وتنظف وجهها بيدها المبتلة بريقها، مثلما تفعل دائمًا بعد تناول وجبة مشبعة. كانت وجبتها هذه المرة مختلفة.. صغيرها الذى جعله حظه السيئ يُولد لأم لا تشبع أبدًا.
حاولت البحث عن سبب سلوك القطة العنيف، فأكدت نتائج البحث الأولى احتمالية إصابة الأم بمرض ينتج عنه صغار مرضى أو موتى؛ فتلجأ الأم لأكل الصغير المريض كوسيلة للحد من معاناته وانتظاره الموت.. تنهش قلبه الصغير، وتطحن بأسنانها الحادة عظام جمجمته اللينة من أجل خلاصه.
حين قرأت هذا تبدل شعورها من الشفقة إلى الغيرة، قالت: «ليت أمى كانت بهذا النضج، ليتها أكلتنى فور ولادتى»، ثم كافأت القطة، وقدمت لها كبد الدجاج المسلوق بالطريقة التى يُقدم بها درع الأم المثالية.
بعد خبر انفصالها الذى تحدثت عنه وسائل الإعلام العربية والغربية والكثير من مشاهير السوشيال ميديا، انتقلت للعيش وحدها فى هذه المدينة البعيدة بدعم من النشطاء وحماية من الحكومة وهوية جديدة. ساعدها راتبها الكبير ومصروفاتها الشخصية المحدودة للغاية أن تؤجر بيتًا واسعًا، قسمت غرف الطابق الأعلى بألواح الجبس إلى سبع غرف صغيرة، وتركتها جميعها بلا أثاث، هكذا أصبح لكل يوم من أيام الأسبوع غرفته الخاصة التى تدخلها فى الليل؛ لتتعرف على نفسها من جديد.
الغرفة الأولى - يوم الثلاثاء
دخلت الغرفة بعد اكتشافها الجثة فى ضوء النهار لأول مرة، ورغم أنها لا تحب الضوء، شعرت بالسكينة.
كان الوقت لا يمر، فكرت أن تستمع إلى أغنية، شيئًا فشيئًا أدركت أنها ترقص. أغلقت أزرار بيجامتها القطنية وتلفتت حولها بخجل، ما زالت ضعيفة أمام أغنية «فى يوم وليلة»، تذكرها بدفء العناق الأول وسعادة القبلة الأولى.
رأت صرصورًا أعمى على الحائط يركض بسرعة تجاه زاوية السقف ناحية شباك العنكبوت، أفزعها موته المحتمل، لم تستوعب فكرة أن تتقاسم السكن مع جثتين؛ فحاولت إنقاذه. وقفت على أطراف أصابع قدميها، ورفعت ذراعها إلى الأعلى محاولة أن تلتقطه بأصبعيها، لاعنة قصر قامتها، لكنه شعر بحرارة جسدها، وهرب خائفًا إلى الشباك/ الفخ. سقطت على الأرض منهارة تصرخ بفاجعة من فقد كل أحبته فى حادث.
كان الضوء قويًا وكاشفًا لدرجة جعلتها ترى هواجسها كلها مجسدة، ربما الصرصور الأعمى مجرد هاجس، لن تعرف أبدًا.
تجنبت فى سنوات طفولتها الأولى جميع الأفعال الجيدة والسيئة؛ حتى لا تدخل غرفة التأديب الفارغة فى بيت جدها، لكن فور دخولها، شعرت بهدوء وسكينة جعلاها تفعل أى شىء لتبقى هناك لوقت أطول. لقد شعرت أنها تمتلك عالمًا سريًّا صغيرًا تتحدث فيه مع نفسها بصوتٍ عالٍ، وأحيانًا تلعب مع ظلها، أو تتسلى بنزع أرجل العناكب الهشة بأظافرها.
بلوم بررت لنفسها أن بتر أرجل العناكب لا يقل وحشية عن أكل نصف قطة، ثم تصالحت مع عنفها القديم تجاه الكائنات الأضعف، وعدلت الجملة فى عقلها؛ فبدلت كلمة «وحشية» بكلمة «رحمة».
الغرفة الثانية - يوم الأربعاء
أخذت الجثة الملفوفة بطبقات من ورق مناديل المطبخ، ودخلت الغرفة ذات الشرفة الصغيرة. كان هناك أصيص زرع قديم ممتلئ بالطين الجاف، نبشته بأصابعها النحيلة، ووارت بقايا القطة بداخله، ثم أغرقته بالماء، تساءلت.. ماذا لو طرحت النبتة قططًا؟!
ظلت طوال اليوم تتخيل الإجابة المعجزة، وهى تتأمل خاتم زواجها الملوث بالطين.
تسقط فى ثقب أسود حين تفكر فى زواجها، لم تنم ولا تتذكر كيف مر الوقت سريعًا، لكنها تفاجأت بنهار جديد، فتساءلت: لماذا لا ينتهى العالم؟
الغرفة الثالثة - يوم الخميس
اتخذت قرارًا مهمًا، ستستقيل وتنتظر حتى تموت من الوحدة أو الجوع.
انتظار الموت يضاعف من قدرة العقل على التذكر، فتذكرت كل ما حدث بدقة مؤلمة.
لم تكن الفتنة التى أحدثها هروبها من أجل دين كما كُتب فى المقالات السطحية، كانت لكونها امرأة، وامرأة فى القاموس الشعبى لمدينتها كلمة تعنى العار.
لم يتصور العقل الجمعى لذكور أسرتها أن تهرب واحدة من بناتهم مع رجل كافر بدينهم كما قالوا فى الجلسات العرفية.. أن تتزوجه زواجًا مدنيًا، وتتعرى أمامه، وتضحك على نكاته البذيئة. قال أحد أعمام والدها فى مجلس عائلى كبير: «الفاجرة هربت مع غريب، لا من دينها ولا ملتها؛ عشان يركبها»، كانت هذه الجملة بالتحديد سبب الفتنة غير المعلن.
الغرفة الرابعة - يوم الجمعة
لم تكره يومًا كيوم الجمعة.
فجأة سمعت بقوة الصخب القديم، وحكايات النميمة المغلفة بنرجسية، لم تجد لها مبررًا غير الثروة. امتلأ أنفها برائحة طبخ منفرة، عبارة عن مزيج من روائح سلق الضأن وتقلية الملوخية والطماطم المسبكة للمحاشى التى تُطهى فى أوانٍ نحاسية عملاقة صُنعت خصيصًا للعائلة.
تذكرت كيف كانت تُجبر نفسها على التقيؤ مساءً، وتذكرت أيضًا كيف تمكنت من الهرب لاحقًا بروحها وخيالها عبر رسائل قصيرة لحبيبها تحكى له فيها عن مشاهد مستقبلية ستجمعهما بلا خوف.
لم يطلب أحد منهما أبدًا أن يترك الآخر دينه من أجله، كان منذ اللحظة الأولى صادقًا جدًا فى حبها، أما هى فأرادت أن تسبب أزمة عنيفة حتى لو انتهت بقتلها. أحبت خيالاتها الدموية حول مقتلها وهزيمتهم أكثر مما أحبته، وودت لو سُجنت العائلة كلها إلى الأبد.
الغرفة الخامسة - يوم السبت
نشب حريق جديد فى عينيها، لم تبكِ، أغمضت طويلًا لتتخذ الدموع مسارًا آخر. شاهدت فى سواد الإغماض جدتها تجذبها من يدها، وتملأ جفنيها بالكحل الأسود الحارق احتفالًا بسبت النور، ففتحت عينيها فورًا. هذا الطقس أصابها برهاب من الكحل، لم تتزين به أبدًا كالفتيات.
كم مرة قُيدت وأرغمت على شىء لم ترده؟ كم مرة مارسن ساديتهن على جسدها الضعيف المرتجف؛ ليحولنها إلى انعكاس لهن؟ كم مرة ضحكن على آلامها ورعبها؟ أين كانت أمها؟ كانت تضحك معهن!
شعرت برغبة الانتقام المشينة فى حق إنسانيتها وقلبها اللين فى يوم حار من طفولتها الحزينة، حين سيقت مع قريناتها إلى منزل الجد المستقر وسط أشجار الفاكهة، وأقامت الأمهات حفلًا دمويًّا على شرف الصغيرات فى غرفة فارغة؛ كى لا تتسخ المراتب القطنية والملاءات.
يومها اخترقت ضحكات النساء ونكات الرجال القذرة أذنيها كأسياخ ساخنة، وأفقدها الألم الوعى. كان أيضًا يوم سبت، لن تنسى أبدًا.
فى الليل، بعد انتهاء الاحتفال بوأد رغبة يخشونها والاطمئنان على عفتها الوهمية، فكت عقدة المنديل القماشى الملفوف حول ذراعها، تأملت الجزء المبتور الذى يحمل رائحة الغدر. تساءلت عن مصيره، تخيلتهم يطعمونه للكلاب؛ لأنه نجس كما قالت الغجرية. لم تتردد حين وضعته فى فمها، وابتلعته دون مضغ كما تبلع أقراص المسكنات. شعرت أنها قد أعادته إلى جسدها، وسينمو مرة أخرى بشكل ما، ثم أعادت ربط المنديل الفارغ. ليلتها ألفت الفراغ، ونامت مبتسمة.
الغرفة السادسة - يوم الأحد
غرفة حبيسة، لا يوجد بها شرفة أو نافذة. رسمت نافذة على الهواء كما كان يفعل حبيبها مبتسمًا، حين ترفض الجلوس على مقعد فى الأتوبيس؛ لعدم وجود نافذة جواره.
شعرت بعناقه العميق وهى تحكى له عن انتهاكاتها العديدة باسم العرف والعادات. فى كل مرة كان يصر على السفر، وترفض.
كانت تحب بلدها رغم كل شىء، وتشعر بمسئولية محو أمية الكثيرات.. لم تكن الأمية التى تعنيها خاصة بالقراءة والكتابة، كانت خاصة بلغة أخرى غير منطوقة، لغة الحب والتعاطف والرحمة.
مع الوقت وافقت مضطرة حين تأكدت من صدق مشاعرها تجاهه، كان حبًّا حقيقيًّا لا رغبة ساذجة فى الانتقام. أحبته، فقد كان أرق إنسان قابلته فى حياتها التعيسة المغلقة. أقنعها أن القساة يحولون الأوطان لجحيم.
غادرا، لكنه لم يتوقف عن متابعة الأخبار حول الشجارات بين العائلتين والاتصال بأقاربه، لم يرَ من أهله سوءًا، عكسها. لم تشعر بالذنب أبدًا، لكنه خانها وشعر!
بعد أشهر طلب الانفصال وتصوير فيديو مشترك يؤكد طلاقهما، وإضافة كذبة أنه لم يمسها، وأنها من أصرت على السفر معه. غادر ثانية، لكن بمفرده باكيًا بعجز.
الغرفة السابعة - يوم الإثنين
اختفت القطة الأم فجأة كما ظهرت فجأة.
لم تحب القطط أبدًا، لكن هذه القطة فرضت نفسها على المنزل منذ يومها الأول، لم تستطع منعها من الدخول، كانت دائمًا ما تجد طريقة، حتى اعتادت وجودها ومنحتها اسمها الحقيقى. الاسم الوحيد الذى لا ينطقه الإنسان كثيرًا هو اسمه، ولأنها توقفت عن سماعه منذ سنوات، فكرت أن تمنحه لها، وكأن القطة تعلم أنها تنادى نفسها لا تناديها هى، فلم تلتفت أبدًا.
حين غادرت القطة غير الأليفة، ارتكبت أحمق أفعالها، استقالت، لكنها لن تموت، ستعود إلى بلدها.
لم ترَ نفسها بطلة أو محاربة كما تصفها المدافعات عن حقوق الإنسان والمرأة، لقد رغبت فى تقاسم الحياة مع الرجل الذى أحبته، فقط. أمر عادى وطبيعى، يحدث فى كل مكان فى العالم دون أزمة، لكنهما تورطا فى الجزء الذى يمتلك فيه الآباء أبناءهم وميولهم ورغباتهم ومشاعرهم وأجسادهم ومستقبلهم.
تغادر الآن بحقيبة قماشية صغيرة وأصيص زرع.
حين ستُسأل فى المستقبل القريب عن سبب عودتها لن تقول الحقيقة، ستقول بثبات وصوت واضح: «لا انتصار فى الاختباء» وسيهمس حبيبها وهو يشاهدها من قارة أخرى: «ولا هزيمة»!