ثقافة الرقص فى رواية رقصة الهيكل العظمى
لا شك أن عبارة «أى تشابه بين هبة الكاشف وأى شخصية أخرى هو من قبيل المصادفة البحتة» تقدم علامة استفهام تحتاج إلى إجابة سردية، من تحليل وتفسير سواء كان سلبيًا أم إيجابيًا، ومدى تعالق تلك المستويات السردية مع صحة وجود هذه الشخصية الحقيقية من عدمه داخل النص الروائى، خاصة أنه فى الحالتين لا يؤثر على فضاء الرواية المتخيل، والسؤال المطروح: ما مدى ارتباط هذا المفتتح النصى بالنص الروائى الذى يمتلك عالمًا متكاملًا ولديه نوافذه التى تنطلق منها سلطة الحكى أى: بتأسيس الحكى بين قطبى السلطة واللذة، حيث يبقى القارئ داخل عالم السرد مأخوذًا بهذه السلطة وملتذًا بقوتها وصلابتها، لتصبح ثمة علاقة وطيدة بين الراوى العليم «السارد الضمنى» والمتلقى، خاصة المعنى بتأويل الأطروحات السردية بكل تفاصيلها، أمام إبداع عالم روائى نموذجى يحلق فى فضاء المتخيل، بالخروج عن المألوف والمعتاد، عن مجرد حدوتة لـ«هبة الكاشف»، التى نسمعها ونشاهدها فى واقع حياتنا اليومية مرارًا.
لكننا هنا مع البطلة نفترض «وحدة العمل، ووحدة المكان، ووحدة الزمن»، فى شكل هرمى يستند قاعدته إلى تمرير خبرة ثقافية عالية بلغة الرقص، وأنواعه، واختلافه فى ثقافات متعددة، ورؤية ثاقبة، وتأملات روحية وصوفية تطرح دلالات ذات مغزى، لتتحول من مجرد حكاية من الواقع إلى نص روائى يضعه فى مناحٍ أخرى بمضامين معرفية أوسع فى إدراك الحقائق، وتناول العمل الروائى ككل كما يرى السيمائيون أن «ليس النص هو الواقع، وإنما النص هو المادة التى ينبنى بها». وهكذا تتجلى العلاقة بين النص والواقع من المنظور المنطقى السيمائى، علاقة موضوع بمحمول، إذ يكون المتخيل هو الحامل للواقع والسند الذى من خلاله يتشكل هذا الواقع. إذ ربما تطرح هذه العبارة أن تلك الحكاية هى الواقع الفعلى أى الألفة لكن بمجرد أن تبنى الروائى داخل بنيان سردى تلك الألفة «الواقع»، تحولت إلى الغرابة «المتخيل»، وعلاقة المتخيل بالواقع، بالتالى تطرح سندًا تاليًا مهمًا: علاقة الدال بالمدلول، وذلك أن الدال هو المتخيل أى النص الأدبى، ويمثل الرمز اللغوى، وهذا منطقى لأن النص الأدبى يتكون من مجموعة من الرموز اللغوية التى تنتظم فى بنية فنية، قصد تبليغ معرفة أو بهدف التوصيل.
أما المدلول فهو الشىء الذى يحيل إليه هذا الرمز، وهو هنا الواقع الذى نتكلم عنه/ أو من النص الأدبى، وهو الحقيقة الموضوعية المادية التى يشير إليها الرمز اللغوى. لأنه إذا افترضنا من وجهة نظر المؤلف الضمنى أنه لولا وجود هبة الكاشف فى الواقع الفعلى، ما كان لهذا المتخيل أن يستحضر ذلك العمل الروائى، فهى وما زلت أصرح بأنه مجرد افتراض، أن تلك العلاقة من الممكن أن تكون علاقة وجودية، وتتمة لهذا الافتراض لا نغفل أيضًا أنه رغم تلك المادية الوجودية لهذه العلاقة، ومدى تعالقه مع الفن كحدث سيميولوجى، أن هذه «العلاقة بين التمخيل والواقع، بين الأدبى والأيديولوجى، ليست علاقة مباشرة، وإنما هى علاقة نوعية». وبالتالى تحكمه القوانين الداخلية للنص الأدبى بحيثيات المتخيل وفضائه، الذى يحتوى على قدر كبير من الغرابة، ولا يرتبط بشكل مباشر بقوانين الواقع المألوفة، المتمثل من بداية الرواية كما نجده فى عتبة النص بعنوان «رقصة الهيكل العظمى»، وحتى داخل النص السردى المفتتح بعتبات نصية فرعية لفصل روائى قصير. تطرح العديد من المعانى والإشارات المختلفة، كضرورات فنية لإتمام المنجز الروائى بشكل فنى إبداعى، ليس له صلة بمدى واقعية الحدث، بقدر ما له صلة قوية بمدى الصدق الفنى، لأن الأديب لا يطرح السؤال: ماذا أقول؟، ولكن يطرح السؤال التالى: كيف أقول؟ وهكذا يصبح همه الأساسى هو البناء وتشكيل قوله فى بنية فنية دالة.
وحيث يقارب لوسيان غولدمان هذه العلاقة بين الواقع والمتخيل، أو بين الإبداع الذهنى والواقع، عن طريق مصطلحين تداولهما النقاد من بعده كثيرًا الوعى القائم والوعى الممكن لصياغة رؤية العالم، نجد هنا أن الوعى القائم والفعلى هو وعى هبة الكاشف الحقيقى، بينما الوعى الممكن لصياغة رؤية العالم هو الذى قام بتمرير أفكاره، وثقافته، وخبرته اللغوية، وتلك الحيل الفنية والسردية الخاصة به فقط بالتحديد من خلال الراوى العليم «السارد الضمنى» المسيطر على شد وجذب تقنيات الزمن والمكان، باستخدام الفلاش باك. فالسرد يبدأ من نقطة النهاية الحاضرة والحالية الآن واقعيًا. أن البطلة أصبحت عاجزة عن الحركة، والعودة إلى الماضى وتفاصيله الشائكة دون ترتيب الزمن أو الأحداث، إلا داخل رؤية فنية، أو معرفة معلوماتية، لتسير فى نظام الثنائيات بين البطل الأول المتمثل فى هبة الكاشف، والبطل المضاد المتمثل فيما يخفيه القدر من مجهول مأساوى، بين «قبل الحادث» و«بعد الحادث»، بين الرقص والشلل، بين النزق والتهور والطيش، والصفاء الروحى والسلام النفسى، بين الحياة والموت. إذ يحاول كل واحد منهما إلغاء الآخر والقضاء عليه لتأكيد حضوره وبسط شرعيته، ليصبح وجود الشىء ونقيضه كنظام ثنائى يمارس سيمائية الخطاب الروائى، لخلق تلك النصوص الروائية، وهذه السيمائية توضح بالقدر الكافى العلاقة التى تربط المتخيل والواقع، وهى علاقة بنيوية مركبة.
كل هذا يدور فى وعى مقصود، لصياغة رؤية وفضاء متخيل ينتقل بسلاسة ورشاقة سردية، وثقافة ومعرفة ليست مفروضة، وإنما تُبتكر من وعى قادر على صياغة عالية الرؤية بتمكن، كمثال ما أتى على لسان البطلة:
«خاصمتها نعمة النسيان، مشهد اللحظات الأخيرة قبل الحادثة، محفور على جدار الذاكرة، فى أبعد نقطة من الحُصِين». وتفسير الحُصِين الذى يُسمى أيضًا قرن آمون وهو منطقة فى المخ تلعب أدوارًا مهمة فى دمج المعلومات من الذاكرة قصيرة المدى مع الذاكرة طويلة الأمد، وكذلك فى الذاكرة المكانية التى تمكن الشخص من التجوال». نجد هذه الحيلة تُمارس بوعى وتعمد بتواتر الأحداث دون ترتيب زمنى، أو مكانى داخل الرواية، بفصول روائية قصيرة كل واحد بعنوان مختلف يسرد جزءًا من حياة البطلة منذ كانت طفلة إلى اللحظة الحاضرة، سواء فى الذاكرة التاريخية أو المكانية فى داخل البلد أو خارجها، من خلال عملها كمضيفة طيران تجوب العالم، ليخرج النص بذكاء فنى من عباءة الحكى التقليدى.
هذه الرؤية المغايرة داخل النص الروائى تحلق فى فضاء مختلف، مصدره واقع قاسى الوطأة على البطلة، داخل وعى قائم بالفعل فى الواقع الوجودى والمادى. البطل الأول المتجسد فى هبة الكاشف المفعمة بالحيوية، والمغامرة، والطموح، والنشاط الزائد، أمام مصير معتم لما يخفيه لها البطل المضاد من عجز وقهر، وهلاك نفسى، وجسدى وعاهة مستديمة، وكل بطل سواء الأول، أو المضاد، لديه برنامج سردى يتكون من مجموعة من التحولات السردية، والتحولات السردية فى تعريفها البسيط: «هو انتقال الفعل من حالة إلى حالة أخرى- سلبًا وإيجابًا- من حالة امتلاك البطل للشىء أو حالة انفصال عنه».
كما حدث لهبة الكاشف التى خسرت كل شىء بعد تعرضها لهذا الحادث المأساوى، من خلال البرنامج السردى للبطل المضاد، عن طريق حادث اصطدام سيارتها المرسيدس موديل 84، وتتجلى أطراف المعادلة من خلال نص الرواية فى مضمونه ذاته الذى يتماشى مع مقضيات الحتمية السردية، إذ إن البطلة تمتلك كل شىء فى بداية حياتها من الرفاهية، والحب، والحنان، والعمل، والزواج، ثم فجأة تخسر كل شىء بسبب هذا الحادث الأليم، بين صراع المفارقة أى «علاقة القبل/ البعد كما تعكس تحول المضمون المقلوب إلى حالة المضمون الموضوع».
تناولت الرواية الرقص كمحور ثقافى أساسى ورئيس من البداية، تحت مسمى العنوان «رقصة الهيكل العظمى»، وصولًا إلى نهاية الرواية «رقصة صوفية/ يا روح». ما يمكن أن نلاحظه فى تلك الرواية هو طغيان بعض الأشياء بصورة مكثفة تجعل منها رموزًا حقيقية لها دلالات معينة، هذه الأشياء قد تبدو من خلال القراءة الأولى مجرد «أدوات»، لكن عند تواترها تتحول إلى ذوات فاعلة، تكتسب قيمة دلالية معينة.
إن أهم محور من هذه الأشياء التى تأتى بصورة مكثفة هو الرقص، وتوابعه الذى تكرر السرد عنه فى عدة فصول روائية قصيرة نحو عشرة فصول، لتوضيح مدى قيمته ومدى تعلق ومهارة البطلة فيه منذ كانت طفلة، ليتمثل الرقص كأيقونة مشتعلة كما أشعلت البطلة جمهور الشارع بجمالها وحضورها الطاغى، ورقصها المتفرد كلما مرت منه، كأن النور والبهجة والفتنة ترتبط بمرورها فى أى شارع. حيث إنها دائمًا «تتخيل أنها راقصة باليه، تتوسط خشبة المسرح الكبير فى دار الأوبرا المفتتحة حديثًا، تستعرض على نغمات موسيقا تشايكوفسكى بحيرة البجع رشاقة ومرونة جسدها أمام جمهور»، ليتحول الرقص كمرادف لكينونة البطلة، لأنها تعشقه منذ الطفولة، وبقوة كامنة كالنداهة تدفعها لفتنة الرقص والرقص، والسعى إلى اتقانه أكثر، وأكثر.
هذا النظام الثنائى نصادفه على مدار الرواية، حيث لا يكتسب هذا الشىء دلالته إلا من خلال اقترانه بالشىء الآخر، الذى يكون معه وحدة ثنائية فى مرحلة أولى، ثم ارتباطه بباقى الأشياء الأخرى داخل النسق الروائى فى مرحلة ثانية.
الرقص يرتبط بالموسيقى والغناء، وداخل مشاعر البطلة بالحركة والحيوية والمغامرة، والحب، والتحرر الجسدى والمعنوى، ما هو أشبه بـ«فلسفة الرقص». يتوافق سير حياتها مع مفهوم الرقص ذاته داخل وعيها القائم على التجارب المثيرة، التى تدفعها فى بعض الأحيان للطيش والتهور، وإفراز سلوكيات شائنة، ومضرة لها. مثلما كانت تفعل مع طبيب المستوصف الذى بجانب منزلها، بعد الحادث، وقد تعرفت عليه من قبل، فبات ملجأها الوحيد بعد العزلة والوحدة التى فرضتها على نفسها. وقد تركت العمل الذى تمنته وحققته بعد جهد. كمضيفة طيران «لميلها إلى السفر والسياحة فى بلاد الله وزيارة معالمها، والتعرف إلى الناس من كل جنس ولون، يتكلمون عشرات اللغات، لا يجمعهم فقط غير لغة موحدة، الموسيقى والرقص»، وهجرت أصدقاءها فى العمل، وطُلقت من زوجها الذى أحبته، وشعرت معه بالأمان والسلام «وقد لجم جموح نزواتها وعوضها سنوات الحزن والقلق والحرمان»، بعد وفاة والدتها شمس عبدالرحمن، وهى طفلة فى العاشرة، ثم جدتها لأمها، ثم والدها زهران الكاشف بسرطان الكبد وورم فى رئتيه. فى أقل من سبع سنوات. تخسر الاثنان معًا الجدة والأب، وهى تردد بصوت متحشرج ومخنوق، يشوبه اليأس «اليوم فقط اكتمل يُتْمُك». ليس معها غير جليسة تساعدها فى أبسط حقوقها فى الحياة، بالذهاب إلى الحمام، والنظافة اليومية، وجلب الطعام والشراب. ثم تضع الهاتف الأرضى فى حجرها، وتقوم بالاتصال بالطبيب كل ليلة وقد «اعتادت ألا تنام قبل مكالمته، واسترجاع لمساته لها». ليصبح الهاتف «سلوتها الوحيدة ووسيلتها الأولى والأخيرة للتواصل مع العالم الخارجى». تهاتفه فى مكالمات طويلة مشينة يمارسان فيها الجنس، وإيحاءاته حتى يصلا معًا إلى الذروة، لشعورها باليأس والسواد القاتم بعد أن أصبحت قعيدة على كرسى متحرك يعمل بالبطارية، ولن تستطيع إطلاقًا أن ترقص، وتنجو من الحسرة والموت البطىء. وتتساءل بحيرة وحسرة لا مثيل لهما «ماذا يعنى لها البكاء؟ دموع مسكوبة فى الفراغ، تفريغ شحنة من الوجع الجسدى والنفسى»، ليتحول الرقص فى حياتها إلى لغة الفرح، والانبساط والنشوة الجنسية العالية، كما كانت تفعل مع حبيبها الأول. أن لا بد أن ترقص رقصة طويلة على موسيقى تحبها، قبل ممارسة الحب معه فى بيت جدتها المتوفاه، وفى المقابل الرقص أيضًا بالنسبة لها تستطيع به أن تفرغ شحنات الغضب، والكبت والحزن، حتى تعود سالمة نفسيًا، وقد أنهكت جسدها وهو يستسلم لقانون الرقص القوى والفعال فى علاجها بـ«الرقص والموسيقى».
وهكذا ندرك أن هذا النظام قد جاء من طبيعة الرواية لأنها تصور صراعًا بين شيئين، تعرضها الرواية فى شكل سلاسل من الثنائيات الوظيفية، حيث إن هذه الثنائيات تمثل النظام الذى يحكم هذه الرواية ويضبط المسافة بين البطل- والبطل المضاد، فنجد التالى فى نظام الأشياء التى ترتكز عليها سيمائية النص الروائى فى تفعيل حركية السرد وتحولاته بوعى وثقافة وخبرة.
الرقص والموسيقى والغناء والجنس والتواصل، علاقة القبل/ البعد «الحادث نقطة التحول فى حياة البطلة».
نلاحظ أن الفصل الروائى بعنوان «رقصة سخية» بداية الحكى عن عشق البطلة للرقص، وتلك البداية الحقيقية لإبراز موهبتها الفطرية بعد أن أصبحت فتاة، وقد جاءها «خراط البنات» فى بيت جدتها. التى عاشت معها بعد وفاة أمها، فكانت «تفتح شباك غرفتها الذى تواجهه مبانى المدينة الجامعية للطلاب فى البعيد، وتصعد فوق سريرها لتبدأ ترقص أمام الطلبة الواقفين فى شرفة المبنى البعيد المواجه لها». ثم تتخيل نفسها وهى فى «ساحة العجائب» الساحة التى هربت إليها أزميرالدا مع بقية الغجر فى فيلم ديزنى أحدب نوتردام وأقتحمها القاضى الظالم كلود فرولو»، عام 1996م أمام سينما مترو وهى تحضر هذا الفيلم مع عشيقها فى اللوج.
وفى الجامعة مع الشلة فى عطلة نهاية الأسبوع تخوض تجربة الدخول إلى إحدى صالات الديسكو، وهى تعزف أغنية «ملكة الرقص»، وهى أغنية للفريق السويدى «أبا» صدرت لأول مرة فى عام 1976م. حيث يمكنك الرقص، يمكنك «الجيف» وهى رقصة لاتينية نشأت فى الولايات المتحدة الأمريكية وانتقلت لأوروبا، وتعد واحدة من خمس رقصات يؤديها راقصو الصالات، وتتميز بحركات وقفزات ولفات سريعة وديناميكية، ليواصلوا بعدها الرقص على تغير الموسيقى وتنوعها ما بين الروك آند رول، والسلسا والسامبا، وعلى نغمات أغنية مايكل جاكسون بيلى جين يحاول البعض تقليد «رقصة القمر» «وهى حركة مميزة قام بها مايكل جاكسون فى أغنية بيلى جين عام 1983م، وأصبحت فيما بعد علامة مميزة له، يعتمد على إيهام المشاهد بأن الراقص يتحرك للأمام بينما هو فى الحقيقة ينزلق إلى الخلف».
هبة الكاشف ذات التاريخ الطويل من التهور والطيش والنزق، وحب المغامرة، والمولعة بالرقص بكل أشكاله الجامحة تتخيل نفسها أيضًا «وهى ترتدى فستان الفرح، والطرحة التل المشبوكة بتاج من الألماس فوق رأسها»، وتتساءل مدهوشة أين عريسها المنتظر؟، ومن حولها يرقصون رقصة الدبكة الشهيرة، «وهى رقصة تراثية شعبية منتشرة فى بلاد الشام تمثل تراثها الشعبى، تمارس فى المهرجانات والاحتفالات والأعراس، تتكون من مجموعة تزيد عادة عن عشرة أشخاص يدعون دبيكة، بالإضافة إلى عازف الأرغول أوالشبابة والطبل»، وتتصاعد وتيرة الموسيقى ما هو أشبه بحمى الرقص بل ويصل إلى «طاعون الرقص» كما حدث فى سابق الأزل، «وهى حالة من الهيستيريا الجماعية وقعت فى يوليو عام 1518 فى مدينة ستراسبورغ فى إقليم الألزاس بفرنسا، أصابت نحو 400 شخص، دفعتهم إلى الرقص لعدة أيام دون راحة، ووصل الأمر إلى استمرار البعض فى الرقص لمدة تقارب الشهر مما أدى إلى وفاة بعضهم من الإصابة بالنوبات القلبية والسكتة الدماغية أو الإرهاق».
فجأة ينقلب النسيج الروائى إلى شطرين بعد الحادث، وقد تحول الرقص إلى معنى منافٍ تمامًا، بعد أن أصيبت البطلة بشلل نصفى سفلى كعاهة مستديمة صاحبتها دون أمل فى الشفاء «وحيدة تجلس مكانها المعهود، فوق كرسيها المتحرك، اعتادت التعايش معه، لا تملك من الدنيا غير الخيال، ومداعبة الأوهام واستدعاء الأحزان». لتفقد «رياضة روحها وجسدها المفضلة، تطرح السؤال مرارًا على نفسها، ما العمل الذى يمكن أن تمارسه امرأة قعيدة كل ما تملكه روح محطمة؟»، ومن ثم يتشكل الرقص فى خيالها ما هو أشبه برقصة الهيكل العظمى «أهكينى»، والعنوان منقسم إلى جزأين مكملين لفكرة واحدة. تعبر عن حالة البطلة وعلاقتها بالرقص بعد تعرضها لهذا الحادث الماساوى. ليمثلا ثنائيًا وظيفيًا يخدم بنية السرد وتصاعده ماديًا ونفسيًا وواقعيًا بعد الحادث، وآثاره المدمرة على كل المستويات الوظيفية. حيث نجد أن تفسير رقصة الهيكل العظمى أو رقصة الجيك «أنها رقصة رسوم متحركة أمريكية أنتجت من قبل شركة والت ديزنى عام 1929م. صممها الرسام الأمريكى أب أبودكس»، ليشكل هذا الفصل الروائى مفصلًا وظيفيًا هامًا، لتوصيف مشاعر البطلة العاشقة للرقص بعد أن باتت قعيدة لأن تفسير «أهكينى» «هو اسم فى فولكلور الإسكيمو يطلق على شبح هيكل عظمى، عندما كان حيًا كان دائم الرقص، وعندما مات صار شبح هيكله العظمى يرقص رقصة الجيك فيهز الأرض ويقلب القوارب فى النهر. كان يؤلف موسيقاه الخاصة، مستخدمًا عظم ذراعه كمقرعة طبل ومشط كتفه كطبل»، ليقابل هذا الوصف سيميائية مقاربة مع وضع البطلة الحالى، وقد صارت مثل هذا الشبح الذى كان عاشقًا للرقص وهو حى ودائم الرقص. مثل هبة الكاشف قبل الحادث وبعد الحادث، فبعد موته ظل شبح هيكله العظمى يرقص رقصة الجيك مثلها، وقد ماتت بشكل أو بآخر أيضًا، وأصبح شبحها يتخيل الرقص بالذكريات والخيالات الماضية.
أخيرًا يأتى الحل برقصة صوفية/ يا روح، «لتكون المخرج والملاذ الذى تتحرر منه البطلة من كل نزواتها، وتضع قدمها المشلولة على أول طريق النجاة والمواجهة، وتعترف بأخطائها وتتبين الخيط الأبيض من الأسود، وقد تطهرت روحها، وفاقت من تلك الحلول السهلة لتشبع رغبات جسدها، سحبت مكبس الهاتف، وأقلعت عن إدمان مكالماتها التليفونية الجنسية، وقطعت عهدًا ألا تعود إليها»، تحاول أن تصالح هبة مع هبة من محنة التقاعد، وتسمو بروحها المعذبة الباحثة عن الاستقرار النفسى بممارسة تمارين اليوجا والقراءة من مكتبة أبيها وتلتقط كتاب «المواقف والمخاطبات للنفرى»، تعيد القراءة وتغوص مع نصوصه «ياعبدُ الجأ إلىّ فى كل حال أكن لك فى كل حال» وتشعر بالصفاء الروحى وراحة النفس وتنتقل إلى عالم من نور، بينما لا يزال خيالها «يرقص بعباءة حريرية بيضاء وتلك الكائنات الملائكية يدورون حولها، كواكب حول شمس، وتدور هى معهم حول نفسها، وتكاد تعانق السماء وتناجى فى صمت الخالق القادر أن يمنحها السلام وراحة البال والإيمان بالله والقدر، وقد انسلخت روحها من الدنيا وشهواتها الزائلة، وتجردت من الذنوب والمعاصى». وروحها هائمة خفيفة منفكة من إسار الجسد وأثقاله وسلطانه المادى. وتلك الجوقة من الراقصين يواصلون الدوران حولها مرددين «الله .. الله .. الله .. الله»، وتدور وسطهم وتدورحتى تمتزج الموسيقى بصوت ملائكى، ينشد بخشوع ووقار قصيدة الشاعر الصوفى جلال الدين الرومى عن لقائه مع شمس الدين التبريزى:
يا روح فلتسافرى
إلىّ ولتهاجرى
من داخلى لداخلى
ولتصفحى عن قاتلى.... إلخ..
وهكذا نجد أن هذه الثنائيات الوظيفية تطرح خطابًا سيميائيًا للرواية يعتمد على ثقافة نظام الأشياء مع عدم فصل المستويات بعضها عن بعض حفاظًا على تماسك الرواية، فثقافة الرقص كانت واضحة وكاشفة من بداية الرواية إلى آخرها، وارتباط تلك الثقافة بأشياء أخرى مع السرد تتحول إلى ذوات فاعلة ومؤثرة على بنية السرد، لتؤدى دور حيوى وتتمم ضرورة إبداعية خالصة المغزى وعالية القيمة.