يوم عادي في حياة امرأة متزوجة
" القصة الأولى من مجموعة حب عنيف"
استيقظ الرجل في الليل جوعانًا، التفت بحركة خفيفة إلى المرأة الممددة بجواره وشعر برغبة في النوم معها، ربّت على كتفها مرات عديدة بعطف، حضنها واقترب بجزئه السفلي منها. شعرها مهوش، الزغب بدأ يستطيل تحت إبطيها، اقترب أكثر وشمّها، بدأت تتململ في السرير، فتحت عينيها للحظة ثم ابتعدت بنفسها، هزها مرة أخرى بيده دون اقتراب وقال: "جعان". تجاهلت ما سمعته وأغمضت عينيها بشدة، هزها بقوة أكبر وقال - بصوته الذي لم يحمل مطلقا طبقات النعاس - إنه جوعان.
تأففت، فهزها - هذه المرة بعنف - فالتفتت إليه وصفعته على خده، بَعدها لم تشعر بوجهها المليء بالضرب واللكمات، خلصت نفسها من تحته وجرت إلى الحمام باكيةً، غير مصدقة ما حدث.
كسرت زجاجة ماء الورد في البانيو، أخذت قطعة زجاج لتجز وريد يدها لكنها جبُنت، واكتفت بخدشٍ لا يميت.
دخل إلى الحمام، نظر إليها فرآها جالسة على البلاط الرطب وقطعة الزجاج في يدها المضمومة، فتح يدها المتخشبة وأخذها منها، ونظف البانيو من الكسرات ثم ملأه بالرغوة والصابون. سندها وخلع ملابسها وتركها تغطس في الماء.
بكلتا يديه أزاح الدموع من على خديها ولم يبك. جلس أمامها مُمسِّدًا شعرها الرطب، ونظر لجسدها الذي امتلكه لسنوات، لقد ذبل عن ذي قبل، لكنه متعلق بها ولا يعرف سببا لذلك.
بدأت في الاسترخاء، بعد تشنجات ودموع لا واعية، جفف جسمها بفوطة كبيرة، لفّها تحت الذراعين وسندها إلى غرفة النوم. ناما معا. اهتزا بعنف. صرخت وشتمته. حضنها بقوة وقبّل يدها ثم تركها تدير وجهها للناحية الأخرى.
قالت: "هاعمل أكل"، استندت إلى الحائط، والفوطة حول جسدها، جلست على الكرسي الخشبي في المطبخ، أخرجت البيض، كسرته في إناء عميق، واحدة تلو الأخرى، ضربته بالشوكة، وضعت عليه قطع من الجبن والطماطم، وضعت الزبدة في طاسة كبيرة على النار وصبت المخفوق، رأته وهو يصنع فقاعات سرعان ما تتهاوى للقاع وتستوي.
انتقت صحنا أحمر منقوشًا بزهور زرقاء، ووضعت عليه قرص البيض. أخرجت شوكة وسكينة لامعتين وكأسا ورديا شفافا، صبت داخله ما تبقى لديهم من النبيذ الأبيض. خرَّطت شرائح الجزر وعصرت عليها ليمونا كثيفا.
هو يستحم في الحمام بجوار المطبخ، تصل لأنفه رائحة الطعام؛ فيشعر بالجوع. مسَّد بطنه نازلا إلى عضوه في الأسفل، تذكر شكلها وهي تهتز تحته؛ فابتسم.
اختارت ارتداء جلابية زرقاء قصيرة، وجلست على الكرسي الخشبي في المطبخ تنتظره. جاء نظيفا مبتسما. باسَ خدها وجلس أمامها، ناظرا للمائدة الصغيرة برضا وسعادة. تجاهل الشوكة والسكينة وقسم قرص البيض إلى قسمين بالتساوي، وضع واحدا داخل رغيف وأكله، نظرت للنصف الثاني وقالت: "كُل"، اكتفت برشف كأس النبيذ مع الجزر بالليمون.
تقاسما الكأس معا، ثم خلدا للنوم.
في الصباح راودتها أفكار انتحارية. نظرت من النافذة إلى الشارع الهادئ بالأسفل، وسألت نفسها عن شعور الثواني القصيرة التي تسبق الارتطام بالأسفل. فضلَّت الصمت، لكن الضغط الذي أحسّت به كان لا يُحتمل. أسقطت النبتة التي كانت تزرعها في أصيص أسود كبير إلى الشارع. رمتها بعنف، لو سقطت على رأس أحدهم لقتلته.
عندما استيقظ الولد الصغير(1)، نظر إليها باستغراب، ثم اعتلى الكرسي الخشبي ليرى الشارع، قال: "ماما الزرع وقع"؛ فهزت رأسها مرات عديدة. تركها وذهب ليتبول، صاحت عليه ليغسل وجهه وأسنانه أيضا.
استيقظ الزوج متململا في السرير، فكر في أنه يريد الاستيقاظ قبل موعد عمله بساعة واحدة فقط، لكنها لا تعطيه فرصة.
عندما تحرك في طرقة البيت كانت هي تُحضِّر ساندويتشات للصغير ليأخذها معه إلى المدرسة٠عندما كان يرتدي ملابسه كانت هي من تُلبس الولد جوربيه. ودعتهما بحضن عميق للصغير الذي ابتسم وشعر بأهميته.
ذهبت مرة أخرى للنافذة، طوّحت يدها، ثم طوّحت بقية الزرع من على الإفريز، استطاعت رؤية الطين الجاف مُلقى على الرصيف، وصل الزوج إلى الشارع ورأى الأصيص المكسور، نظر إلى الأعلى، فانسحبت هي إلى الداخل.
ودع الزوج الولد على باب مدرسته وركب أتوبيسا يوصله لمكتبه. تدلت حمالات بلاستيكية من سقف الأتوبيس لتحمل الأيادي وسط الزحام، كان محظوظا بأن تمسّك بواحدة. من النافذة المقابلة دخل هواء الخريف المنعش ولفح وجهه.
فكر فيها، وقال لنفسه: "ليس الطلاق هو الاختيار الصعب لكنه الزواج". كان يحمل لها في قلبه ذكريات لا تنسى.
فجأة شعر أن الهواء البارد قد دخل لقلبه وفرغه من كل شيء. إنه الأسى، لكنه لم يعرف ماذا سيفعل.
قررت هي الاستحمام، ملأت البانيو، دعكت جسمها بالصابون جيدا. دعكت كل مكان لمسه فيها، وضعت الملابس المتسخة في الغسالة، ملأت الزجاجات الفارغة بالمياه ووضعتها في الفريزر.
فتحت اللابتوب، فكرت أنها تريد الكتابة، تذكرت ما قاله لها أحد أصدقائها إنها ستصير كاتبة كبيرة، حاولت كتابة مشاعرها لكنها لم تستطع.
كانت هي من النوع الذي يمتلك خيالا لا بأس به، لكنها لا تمتلك اللغة. تحب تزيين بيتها بلوحات مقلدة لأي فنان تعرف اسمه عن طريق الإنترنت. تشتري كتبا رائجة، تحاول استخدام مصطلح ما قرأته في مكان مجهول؛ لتبدو ككاتبة حقيقية، لكن عندما تجلس مع نفسها وتحاول الكتابة تشعر بالتعثر، كأن خيالها مركب ورقي سرعان ما يبوش في بحر من الكلمات تعمى عن رؤيتها بالكامل.
كتبت مرة قصيدة جيدة على فيسبوك: "أحتاج إلى أب أو بالأحرى لأنفٍ جديد، صغير ومدبب..."، كانت تلعب بالمفارقة كما يلعبون، لكنها للصدفة جاءت جيدة. كتبت إحدى المشهورات تعليقا: "عليكِ التجهيز لديوانك القادم". كان تعليقًا مبالغًا فيه جعل الدماء تتدفق إلى وجهها. صدقت نفسها، لكن لا قصائد جاءت مرة أخرى.
تحججت لنفسها بأنها تريد إلهاما. فتحت اليوتيوب لتشغيل موسيقى، اقترح عليها الموقع فيديوهات للعناية بالبشرة والشعر، شغلتها واحدا تلو الآخر. ضاع الوقت.
في طريقها للمدرسة، دخلت إلى السوق. نظرت للأسماك الملقاة بعناية وسط الثلوج. حياها البائع الذي يعرفها؛ فشعرت بالحرج واشترت كيلو من السمك، ثم اشترت اللحم المفروم اللازم لعمل الكفتة التي يحبها الصغير. فكرت في المال الذي قارب على النفاد في منتصف الشهر. تركت نفسها لزحام الآباء أمام البوابة الحديدية الضخمة، انتظرت خروج الولد، الذي جاء واضعا ذراعه حول كتف صديقه، كانا يضحكان ويتهامسان، ثم افترقا كلٌ ناحية أمه.
أمسكت يده بطريقة آلية. عملا مناورة معتادة ليعبرا إلى الجهة الأخرى من الشارع، وعندما صارا في شارع جانبي هادئ، ترك يدها وبدأ بالركض أمامها. يركض بعيدًا ثم يركض عائدًا إليها، وهكذا عدة مرات، ثم تعلق بيدها وقال: "ماما إزاي الإنسان بيتحلل بعد الموت؟". صدمها السؤال، وتخيلت الدود الذي يسرح في جسد ميت، حاولت الانشغال بالتفكير في شيء آخر لتتجاهل الرد عليه، لكنه ألح. قالت مرتبكة: "بيتحول لكائنات تانية"، أصر: "أيوه يعني إزاي". تجهمت وردت أنها لا تعرف.
تركها وبدأ بالركض بعيدا ثم ركض ناحيتها وهكذا.
وضعت الولد في كرسي أمامها في المطبخ. أمرته بتحسين خطّه والكتابة على السطر. كانت تقلي السمك وتصنع الكفتة وتنظر من حين لآخر إلى الولد.
اتصل الزوج سائلا: "هل تريدون شيئا؟"، وعندما صعد كان يحمل معه شوكولاتة مفضلة للأم وللطفل معا. أكلوا جميعا. دخل الرجل لحجرة مكتبه ليعمل على بعض التقارير التي يعدها لعمل آخر يمارسه من البيت.
قالت الأم للطفل إنه لا بد أن ينام الآن؛ فدخلا معا إلى حجرة النوم الرئيسية، وطلب منها أن تحكي له حكاية حتى ينام.
كانت تحب ارتجال الحكايات، وهو يحب سماعها بلغة فصحى ذات سجع، حتى يغلبه النعاس.
حكت:
(كان يا ما كان، كان هناك رجل فقير اسمه سعفان الغلبان. كان سعفان يعمل حارسا لدير يعيش فيه رهبان وراهبات، يعتني بحديقة الدير، يزرع فيها الطماطم والبطاطس والباذنجان، وفي الفناء بجوار غرفته يربي الكتاكيت - يضحك الصغير عندما يسمع كلمة الكتاكيت - التي سرعان ما تكبر وتصير دجاجات يأكل منها أيام الآحاد، وكان للراهبات روتين يومي، يستيقظن عند الفجر، يصلين، ويأخذن من سعفان الخضراوات ويطبخن شوربة العدس، في الثامنة صباحا يكون كل شيء جاهزا. يساعدهم الرهبان في وضع الكراسي والطاولات جوار بعضها بعضا في الفناء، يرصّ سعفان أطباق العدس والخبز، ويفتح باب الدير في انتظار الفقراء لإطعامهم.
وهكذا كان يحدث كل يوم، وفي يوم من الأيام قال سعفان لصاحب الدير إنه يريد الزواج ليخلف البنين والبنات، ويعيش في تبات ونبات، فقال له الأب إن هذا ممنوع وإنهم هنا كلهم رهبان وراهبات، قال سعفان: "يا أبي لست راهبا، والزواج شرع الله"، فاجتمع الأب بالرهبان والراهبات، الذين غاروا من سعفان، وقالت واحدة منهم أنهم لن يقبلوا بذلك، فقال لها الأب إن سعفان ليس براهب والزواج شرع الله، وهو ابننا لا نتخلى عنه، واتفقوا أن يصنعوا مائدة كبيرة لبنات القرية في سن الزواج من السادسة عشرة حتى الثلاثين، وراح رسول لأهل القرية وقال إن الراهبات يدعين البنات لدرس علم وغداء في الثانية ظهرا، وبالفعل طبخت الراهبات شوربة العدس ولأجل خاطر سعفان زدن عليها أطباق الرمان.
وجاءت فتيات القرية في الميعاد، وكان سعفان يتفرّج ويقول في باله: "لن أختار صاحبة الثلاثين فهي عجوز، سأختار البيضاء الصغيرة ذات الجدائل الطويلة". وجلست كل راهبة مع مجموعة من الفتيات، لتعرف أيهن الأجمل والأهدأ والأكثر صبرا وطاعة. وبعد انتهاء الحفل قالت كل راهبة للأب اختيارها، وكانت هناك السمراء والبيضاء صاحبة الثلاثين والبيضاء ذات العشرين والبيضاء ذات التاسعة عشر عاما، واعتبر سعفان ترشيح السمراء وذات الثلاثين إهانة له، وقرر المفاضلة بين الاثنتين الأخريين، واختار الأصغر، التي كانت تساعد أباها في الحقل وأمها في البيت، واطمئن أن هناك من ستربي كتاكيته وتعتني بحديقته وتطبخ له؛ فنام مرتاحا وهانئ البال).
حركت الأم الولد لتتأكد أنه نام، وفكرت في الحكاية وشعرت بالغبطة من نفسها. قالت إنها إذا كتبتها ستتلقى الإعجاب من الآخرين، ثم فتحت اللابتوب وحاولت الكتابة، لكنها لم تستطع كتابتها كما حكتها.
كتبت: "كان هناك حارس لدير اسمه سعفان الغلبان، وكان يريد الزواج وطلب من الرهبان مساعدته؛ فأقاموا له حفلة واختار عروسا بيضاء صغيرة"، ثم نظرت للصفحة المكتوبة أمامها وشعرت بالإحباط، وقررت أن تسجّل ما تحكيه للولد بالصوت في المرات القادمة.
شغلت فيديو لمسلسل كوميدي ووضعت اللابتوب أمام السرير لتنام، بكت، ليس بكاء حارا، فقط خرجت دمعة من عينيها إلى المخدة.
عندما نامت حلمت أنها وحيدة، تعبر مع وحيدِين أتوا من عوالمهم في عمق الليل ناحية البحر. كانوا يتحركون في الممشى الترابي الصغير إلى المركب المكشوف، هناك إضاءة برتقالية - لا هي من المركب ولا من الجسر القريب - تنير نصف المركب، والنصف الآخر غارق في الظلام، قالت لنفسها لا بد أن هناك فنارا - لا تعرف مكانه - يقف بعيدا ويمد نوره إلى الأفق، فالضوء يأتي من الخلف إلى الواقفين وإلى البحر، انتظرت دورها للعبور، كانت القاعدة هنا أن يذهب كل شخصين معا. جاء في بالها أنها في الحرب، أو في ثكنة عسكرية، كانت وحيدة، وانتظرت أن يأتي شخص ما يبحث عن رفيق فيجدها، لكن لم يأت أحد، واضطرت للركوب.
جلست على مقعد بارد وظهرها للبحر، شعرت بالهواء يضرب جسدها. فجأة ومض إحساس داخلها أنها في الحلم وأنها ارتدت بيجامة خفيفة قبل أن تنام. بحثت عن شخص ما تلومه على هذا البرد؛ فلامت زوجها، ثم نست ذلك تماما. سألت المرأة التي تجلس جوارها: "أين سنذهب؟"، لم ترد المرأة، وفجأة شعرت أن هذه المرأة ما هي إلا نفسها، أو صورة منها، لكنها صورة قاسية.
قالت لنفسها: "قد تكون مثلي تشعر بالغرابة من وجودها في نفس المكان، لكنها على الأقل وحيدة مثلي عكس كل الأشخاص الذين وجدوا رفقة مع بعضهم بعضا".
فكرت أنهما قد ينضمان لبعضهما ويُكونان ثنائيا مثل الآخرين، فنظرت للمرأة التي بالكاد تظهر ملامحها بسبب الضوء الشاحب، رأتها مغمضة العينين ومستسلمة للبرودة، فهمت ذلك من ضمة يدها وكمشها للجاكيت الطويل عند موضع الركبة، وارتعاشها الناعم.
نظرت للمركب وهو يبتعد عن الشاطئ، فازداد إحساسها بالبُعد عن العالم الذي كانت منه، حاولت الكلام حتى تنحى إحساسها بالعزلة جانبا، لكنها لم تفعل. فجأة تعمَّق داخلها إحساس بالغرابة كأنه نفق عميق حُفِر داخلها بطريقة سرية واكتشفته فجأة؛ فوقعت فيه ساهمة.
تحرك الضوء ببطء من نصف المركب الآخر ناحيتها، وهذا أكد لها أن فنارا في مكان قريب. أغرقها الضوء هي والمرأة التي فتحت عينيها فظهرتا واسعتين ومخيفتين، قامت تلقائيا لتبحث عن مكان آخر تجلس فيه في الظلام، تحركت المركب في نفس اللحظة بهدوء فاستطاعت أن تسمع أمواجا رائقة، أشعرتها أنها تتحرك داخل نهر صغير.
جلست على حافة أحد المقاعد، تاركة الآخرين غرقى في أحاديث لا تفهمها. شعرت بخوف شديد، أقسى نوع منه، حيث الاستسلام التام للقدر وعدم وجود طاقة للصراع للدفاع عن حياتها.
ثم قالت: "لا بد أن يكون هذا هو الموت الصغير الذي سمعت عنه"؛ ففردت جسمها على المقعد الطويل المحيط بالمركب، وأغمضت عينيها بشدة في انتظار المحتوم.
انتقل شعورها إلى موضع آخر، وتبدل الخوف إلى البرودة. سخن وجهها من شدة البرد، وعندما فتحت عينيها أدركت الظلام الدامس وبُعدَهم عن الشاطئ، وجاءها خاطر بأنها لا بد أن تحصل على رفيق لرحلتها قبل أن يكتشفوا - القوى المجهولة المسيطرة على هذا العالم - وحدتها؛ فيرمونها إلى البحر لتغرق.
ثم فكرت في صورتها القاسية التي تجلس بعيدا، قالت: "لا بد أن أقنعها لتكوّن ثنائيا معي"، تحركت إليها ببطء، ثم وقفت فجأة لتلمس الماء، وضعت حواف أصابعها في البحر ثم غطست ذراعها، لم تشعر بيدها، وجدتها فجأة تنفصل عنها في ظلام الماء. عندما رفعت ذراعها وجدت مكانه كلبا صغيرا ومبلولا، حاولت تجفيفه ببلوزتها لكن لا فائدة، فوضعته تحت ملابسها وشعرت بفروته تجف وتدفئ بطنها.
ذهبت إلى صورتها القاسية، جلست جوارها والتصقت بها؛ ففتحت المرأة عينيها على آخرهما، ومدت هي يدها غير الموجودة إليها وقالت: "انظري"، ثم رفعت بلوزتها لتريها الكلب، ندَّت عن الصورة القاسية نظرات تعجب، فقالت المرأة: "عندي رفيق". ضحكت الصورة وقالت: "مينفعش، كان هذا الكلب إنسانا، ولأنه لم يجد رفيقا رموه في البحر؛ فصار حيوانا".
قالت المرأة: "طيب، تعالي لنصير رفيقتين، صديقتين، حبيبتين، أي شيء"، فقالت الصورة القاسية: "حليّ عني، أنا جئت هنا للموت"، وأشاحت بوجهها للناحية الأخرى؛ فشعرت المرأة أن لا خلاص من هذا المصير. في عز هذا التيه، شعرت بالجوع، بعضعضة في بطنها، تذكرت الكلب الذي أخرجته بسرعة من تحت ملابسها ووجدته قد تحول لطفلٍ صغير.
هامش: (1)
جلس الولد جوار أمه، ناظرا إلى النافذة المغلقة. رفع رأسه ناحية المرأة لينبهها لفتح النافذة، لكنه شعر أنّها على وشك البكاء مرة أخرى فوضع يده الصغيرة على كتفها مربتا، قال: "متزعليش يا ماما"، فابتسمت، فتحت النافذة؛ فوضع رأسه على صدرها واتجهت أنظارهما إلى الامتداد الجميل الذي ألهى قلبيهما لوهلة. شق القطار طريقه بين الأراضي الزراعية محدثا ضجيجا محببا للنفس، محفزا جميلا لذكريات الطفولة وأمنيات السفر إلى الريف، حيث الأرض الخضراء ليست لها نهاية، وصديقات ينقبن عن الدود في الأرض لصنع طُعم لأسماك النهر الصغير، تتذكر المرأة أن واحدة منهن لعبت معها لعبة التنويم المغناطيسي، قالت لها: "ما تُفتَح عليه عيناكِ هو قدرك". ولما صحت بعد غفوة قصيرة سمعت زقزقة العصافير ولامس وجهها النسيم العليل؛ فابتسمت، ثم فجأة حلت الغيوم منذرة بعاصفة قوية حملتهما على الهرب إلى البيت. منذ ذلك اليوم تشعر أن حياتها مثل مركب تبعثره الرياح في عمق البحر.
ما الذي يفكر فيه الطفل الصغير الآن؟ هل يسرح هو الآخر في ذكرياته، كان سعيدًا آخر مرة سافرا فيها إلى أقاربهما وعندما طلبت منه المعلمة كتابة قصة عن رحلته مع العائلة، كتب: "زُرنا الحقل ورأينا جُحر الثعبان الضخم الذي يسكن تكعيبة العنب، مررنا جواره بسلام، أكلنا من العنب وشربنا من مجراية ماء الري، جمعنا بعض البامية والملوخية ورأينا ألوانا خضراء وبرتقالية وزهرية، كل شيء كان في قلبي، لعبت مع الأولاد، التقطنا صورة للذكرى وفرحنا جميعا". قالت له المعلمة إن هذه ليست قصة وإنها مجرد خواطر ليست بها أحداث وأنها تريده أن يكتب كيف خرج مع أبيه وأمه وذهبوا إلى حديقة الحيوانات أو إلى الأهرامات كما كتب كل الأولاد. شعر بالأسى لرفضها ولشعوره العميق بالغياب، كيف كان سيقول لها: "كل شيء في روحي مجرد، كل شيء يحمل معنى أكبر عن الحياة، أن أمه وأبيه مجرد معانٍ في قلبه الصغير"، لا يمكن أن يقول لها ذلك لأنه لم يفهم بعد ولأن هذه المعلمة ليست لديها من الحياة ما يؤهلها لفهمه، ولأنه لا يمتلك لغته بعد؛ فبكى.
في ذلك اليوم عندما عاد إلى البيت لم يستطع الأكل، نظر إلى أمه لكنّها لم تسأله عن أحزانه، كان يتخيّل أنه إذا وضع يده في يدها ستشعر بكل العاطفة في قلبه. لقد عرف منها مسبقا أن رباطا بينهما، وأن سُرّته في بطنه هي دليل جازم أنهما كانا متصلين يوما ما، لكنها لم تشعر بحزنه، ثم تذكر ما رآه في فيلم كارتون عندما وضع طفل يده على قلب صديقه الميت؛ فاستيقظ من موته وعاشا سعيدين للأبد. فاقترب منها وهي جالسة على الكنبة وجلس فوق حجرها وهمّ بوضع يده موضع قلبها، فنهرته، وأمرته أن ينزل ويجلس كالكبار.
في هذا اليوم كان حزينا جدا، وعندما نام رأى في أحلامه أنه يدور بين ثلاثة كواكب كبيرة خضراء وبرتقالية وزهرية في سماء زرقاء قاتمة. كانت أمه في مرمى بصره تجلس على صخرة وتبكي، مشى إليها وكلما مشى ابتعدت المسافة بينهما أكثر، ظل يمشي ويمشي ولم يصل. فجأة قال لنفسه إنه في الفراغ، وفي الفراغ لا تستطيع الرِجل المشي، لا بد أن يسبح، ففرد نفسه ومد يديه للأمام، وكلما شعر بجسده يقاوم التيار، تأتي موجة من الهواء المثلج فتجرفه مرة أخرى للخلف، وعندما يئس من الوصول إليها بكى وصرخ: "ماما"، واستيقظ مفزوعا؛ فاحتضنته أمه وقبلته؛ فهدأ وعاد لنومه القلق.
إنه يحب أمه بشدة. يرى أنها بطلة حياته، لكن وبسبب غرابتها عن كل الأمهات اللواتي يراهن مع أصدقائه كان يشعر أنها قد تتركه في أي لحظة. في نوبة من نوباتها العنيفة ستخرج من البيت ولن تعود، كان هذا الشعور يجعله حزينا ومتطلّعا إليها طوال الوقت. صنع لنفسه عالما آخر حيث نسخ كثيرة من نفسه يتحدث إليها؛ فتعطيه نصائح تساعده على البهجة، هناك النسخة الطيبة والنسخة الشريرة والنسخة الخارقة والنسخة المبدعة. كلهم يتطلعون إلى ابتسامة ماما وحضنها الرحب.
كانا يحبان قضاء أيام الجُمع معا في نزهات طويلة في الحدائق القريبة. تضع يدها حول كتفه ويحيط خصرها بيده، حينها ينساب لسانه بحديث لا ينقطع عن أفكاره وأحلامه. فوجئت مرة بحديثه عن الكون، قال: "تعرفي ياماما أنا بسأل نفسي أوقات أسئلة غريبة"؛ فابتسمت وسألته: "زي إيه؟"، فقال: "أسئلة زي إيه وليه وفين، عن الكون، أنا عارف إنها أسئلة كبيرة بس بتدور في دماغي".
دُهشت الأم ولم تستطع الرد، وقفت ونظرت له بفخر قائلة: "إن هذه الأسئلة كبيرة على كل الإنسانية، حتى على أكبر الكبار". حين أكملا سيرهما في ذلك اليوم وصلا إلى السوق واشتريا الخضار والفاكهة، ثم سحب يدها نحو بائع يعرض لوحات مقلدة في إطارات ذهبية، مثل زهور برتقالية وآيات قرآنية، لكنهما التفتا معا إلى لوحة صغيرة بدا عليها القدم الشديد لأم مغمضة العينين تسدل شعرها الذهبي على كتفيها وتميل برأسها على رأس ابنها النائم، وهو يضع يده على صدرها.
عندما رأى الولد هذه الصورة تمنى لو اشترتها أمه لأنه لا يستطيع أن يطلب منها ذلك صراحةً بسبب قلة المال لديهما، نظر إليها نظرة رجاء، وهي ما فعلته دون تردد أن أخرجت المال المتبقي من حقيبتها واشترتها، عندما عادا للبيت علقاها فوق سريرهما. وقبل أن ينام تمنى أن يحلم مرة أخرى بالكواكب حتى يستطيع الوصول لأمه، لكنه حلم بأنه يطير في السماء ويسبح بسعادة طاغية.
في الليل سمع أصواتا صارخة من الصالة؛ فانكمش على نفسه، مد يده ليحتضن أمه فلم يجدها، فعاد لنومه هاربا من هذه الأصوات، في الصباح الباكر جدا، رأى أمه ترتدي ثيابها وهي تبكي بهدوء، ثم قبلته وقالت له: "سنرحل، سنذهب في نزهة طويلة". ألبسته ثيابه وجمعت بعض الملابس القليلة في حقيبة صغيرة، وأخذت صورة الأم وطفلها الناعسين معها وركبا القطار المتجه نحو بلد لا يعرفه.
عندما توقف القطار أخيرا كان الغروب قد حل، أشارت الأم لتاكسي وقالت له: "إلى البحر"، وعندما توقفا كان البشر يعودون أدراجهم إلى بيوتهم، خاصة في هذا الجو البارد، شدت شالها حول رقبتها، أغلقت سحابة جاكيت الصغير بإحكام، جلسا فوق صخرة قريبة تطل على الشاطئ، كانا صامتين، يراقبان غروب الشمس. عندما انسلخ الليل من النهار وذاب القرص البرتقالي في الغيوم ظهر قمر مكتمل خلف السحب، لمحا مركبا صغيرا عائدا من رحلته في عمق البحر المترامي، شعر الولد أنه الآن في الأبدية، اقترب من أمه واضعا يده على قلبها، فلفّته بيدها وأمالت رأسها على رأسه، قال لها: "ماما ألفت قصيدة دلوقت"؛ فندت عنها همسة رقيقة فاسترسل:
إنها الحياة،
مليئة بالمفاجآت
خطوة تلو الأخرى
ندخل أحلامنا.