الجمعة 30 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

نَشِيدُ التِّيهِ الأَخِير

حرف

تَعتَادُهُ الأَيـَّامُ فِي صَولَاتِهْ // وَتُشِيحُ نَاظِرَهَا أَمَامَ رُفَاتِهْ

وَالنَّاسُ بَينَ عِتَابِهِ وَبـُكَائِهِ // هَل مَاتَ أَم يَغفُو عَلَى مِنسَاتِهْ؟

قَد كَانَ فِيمَا مَرَّ مِن أَيـَّامِهِ // مُتَشَبِّثًا بِالنُّورِ فِي مِرآتِهْ

مَهمَا خَبَت فَالكَونُ يَبقَى مُشرِقًا // بِأَشِعَّةِ الآمَالِ مِن مِشكَاتِهْ

إِن تَاهَ أَبصَرَ فِي نِهَايَةِ دَربِهِ // نَبضَ الحَيَاةِ يَدُقُّ مَعْ دَقَّاتِهْ

أَو يَقتَفِي آثَارَ حُلمِهِ فِي الدُّجَى // مُستَأنِسًا بِكَلَامِهِ وَسُكَاتِهْ

مُتَعَثِّرًا فِي الشَّوكِ يَنفُضُ ثَوبَهُ // مَا كَانَ لُبسُ الشَّوكِ مِن لَذَّاتِهْ

مَا هَمَّهُ يَومًا تَأَخُّرُ رَحلِهِ // أَو فَوتُ مَا قَد فَاتَ مِن غَايَاتِهْ

فَالمَاءُ أَسرَعُ مَا يَكُونُ تَحَدُّرًا // وَالبَدرُ لَا يَعلُو بِغَيرِ أَنــَاتِهْ

وَالعُمرُ مَهمَا طَالَ أَو قَصُرَ انقَضَى // فَعَلَامَ بَذلُ الدَّمعِ خَلفَ فُتَاتِهْ

مَا كَانَ يَخشَى أَن يَجِفَّ خَيَالُهُ // أَو أَن يَخُونَ السَّهمُ قَوسَ رُمَاتِهْ

وَلَطَالَمَا كَانَ اللِّوَاءُ لِحُلمِهِ // إِن جَا فَخُذهُ، أَو تَأَخَّرَ فَاتِهْ

وَالآنَ مَجهُولُ الهُوُيـَّةِ، تَائِهٌ // فِي الأَمسِ، مُنحَسِرٌ كَمَاءِ فُرَاتِهْ

مُتَفَرِّقٌ فِي الأَرضِ، مُغتَرِبٌ بِهَا // لَمَّا يَجِد فِيهَا القَرَارَ لِذَاتِهْ

كَانَت قَبِيلَتَهُ وَمَهدَ خَيَالِهِ // وَقَصِيدَةً مِن مَحضِ تَفعِيلَاتِهْ

حَتَّى إِذَا خَمَدَت مَشَاعِلُ حُلمِهِ // فِي الصُّبحِ قَد وَأَدَت جَمِيعَ بَنَاتِهْ

أَضحَى يُسَائِلُ: هَل أَضَاعَ طَرِيقَهُ؟ // أَم قَد تَخَلَّت عَنهُ عِندَ شَتَاتِهْ

شَقَّ السَّمَا هَرَبـًا أَوِ انشَقَّت لَهُ // كَي يَملَأَ الغَيمَاتِ مِن أَصوَاتِهْ

كَيمَا يُشَارِكَهَا بَقَايـَا لَحنِهِ // عَلَّ السُّكُونَ يَكُونُ فِي هَمسَاتِهْ

عِشرُونَ عَامًا ظَلَّ يَعزِفُ حُزنَهُ // لَم يَخلُ فِيهَا اللَّحنُ مِن آهَاتِهْ

يَحتَالُ كَي يَحظَى بِيَومٍ هَانِئٍ // كَيمَا يَفِيضَ الغَيمُ أُمنِيَّاتِهْ

ظَنًّا بِأَنَّ نَبَاتَهُ قَد يَرتَوِي // يَختَارُ أَمثَلَ مَورِدٍ لِنَبَاتِهْ

لَكِنـَّهُ صَحرَاءُ قَاحِلَةٌ فَهَل // سَتُخَفِّفُ الأَمطَارُ حَرَّ فَلَاتِهْ؟!

أَم أَنّــَّهَا قَفرٌ سَوَاءٌ أَمطَرَت // أَو أَقلَعَت فَالعَيبُ فِي جَنَّاتِهْ

مَا عَادَ يَفهَمُ مَا يُخَبِّئُ دَهرُهُ // أَم مَا يُفِيدُ الكَونَ مِن أَنــَّاتِهْ

أَم مَا يُحَارِبُ حِينَ يُصبِحُ دَائِمًا // وَهمَ القَدِيمِ أَمِ احتَشَادَ نُعَاتِهْ

لَا يَومَ إِلَّا وَهْوَ حَربٌ وَالدُّجَى // يَأتِي لِيُعلِنَ هُدنَةً بِمَمَاتِه