نَشِيدُ التِّيهِ الأَخِير
تَعتَادُهُ الأَيـَّامُ فِي صَولَاتِهْ // وَتُشِيحُ نَاظِرَهَا أَمَامَ رُفَاتِهْ
وَالنَّاسُ بَينَ عِتَابِهِ وَبـُكَائِهِ // هَل مَاتَ أَم يَغفُو عَلَى مِنسَاتِهْ؟
قَد كَانَ فِيمَا مَرَّ مِن أَيـَّامِهِ // مُتَشَبِّثًا بِالنُّورِ فِي مِرآتِهْ
مَهمَا خَبَت فَالكَونُ يَبقَى مُشرِقًا // بِأَشِعَّةِ الآمَالِ مِن مِشكَاتِهْ
إِن تَاهَ أَبصَرَ فِي نِهَايَةِ دَربِهِ // نَبضَ الحَيَاةِ يَدُقُّ مَعْ دَقَّاتِهْ
أَو يَقتَفِي آثَارَ حُلمِهِ فِي الدُّجَى // مُستَأنِسًا بِكَلَامِهِ وَسُكَاتِهْ
مُتَعَثِّرًا فِي الشَّوكِ يَنفُضُ ثَوبَهُ // مَا كَانَ لُبسُ الشَّوكِ مِن لَذَّاتِهْ
مَا هَمَّهُ يَومًا تَأَخُّرُ رَحلِهِ // أَو فَوتُ مَا قَد فَاتَ مِن غَايَاتِهْ
فَالمَاءُ أَسرَعُ مَا يَكُونُ تَحَدُّرًا // وَالبَدرُ لَا يَعلُو بِغَيرِ أَنــَاتِهْ
وَالعُمرُ مَهمَا طَالَ أَو قَصُرَ انقَضَى // فَعَلَامَ بَذلُ الدَّمعِ خَلفَ فُتَاتِهْ
مَا كَانَ يَخشَى أَن يَجِفَّ خَيَالُهُ // أَو أَن يَخُونَ السَّهمُ قَوسَ رُمَاتِهْ
وَلَطَالَمَا كَانَ اللِّوَاءُ لِحُلمِهِ // إِن جَا فَخُذهُ، أَو تَأَخَّرَ فَاتِهْ
وَالآنَ مَجهُولُ الهُوُيـَّةِ، تَائِهٌ // فِي الأَمسِ، مُنحَسِرٌ كَمَاءِ فُرَاتِهْ
مُتَفَرِّقٌ فِي الأَرضِ، مُغتَرِبٌ بِهَا // لَمَّا يَجِد فِيهَا القَرَارَ لِذَاتِهْ
كَانَت قَبِيلَتَهُ وَمَهدَ خَيَالِهِ // وَقَصِيدَةً مِن مَحضِ تَفعِيلَاتِهْ
حَتَّى إِذَا خَمَدَت مَشَاعِلُ حُلمِهِ // فِي الصُّبحِ قَد وَأَدَت جَمِيعَ بَنَاتِهْ
أَضحَى يُسَائِلُ: هَل أَضَاعَ طَرِيقَهُ؟ // أَم قَد تَخَلَّت عَنهُ عِندَ شَتَاتِهْ
شَقَّ السَّمَا هَرَبـًا أَوِ انشَقَّت لَهُ // كَي يَملَأَ الغَيمَاتِ مِن أَصوَاتِهْ
كَيمَا يُشَارِكَهَا بَقَايـَا لَحنِهِ // عَلَّ السُّكُونَ يَكُونُ فِي هَمسَاتِهْ
عِشرُونَ عَامًا ظَلَّ يَعزِفُ حُزنَهُ // لَم يَخلُ فِيهَا اللَّحنُ مِن آهَاتِهْ
يَحتَالُ كَي يَحظَى بِيَومٍ هَانِئٍ // كَيمَا يَفِيضَ الغَيمُ أُمنِيَّاتِهْ
ظَنًّا بِأَنَّ نَبَاتَهُ قَد يَرتَوِي // يَختَارُ أَمثَلَ مَورِدٍ لِنَبَاتِهْ
لَكِنـَّهُ صَحرَاءُ قَاحِلَةٌ فَهَل // سَتُخَفِّفُ الأَمطَارُ حَرَّ فَلَاتِهْ؟!
أَم أَنّــَّهَا قَفرٌ سَوَاءٌ أَمطَرَت // أَو أَقلَعَت فَالعَيبُ فِي جَنَّاتِهْ
مَا عَادَ يَفهَمُ مَا يُخَبِّئُ دَهرُهُ // أَم مَا يُفِيدُ الكَونَ مِن أَنــَّاتِهْ
أَم مَا يُحَارِبُ حِينَ يُصبِحُ دَائِمًا // وَهمَ القَدِيمِ أَمِ احتَشَادَ نُعَاتِهْ
لَا يَومَ إِلَّا وَهْوَ حَربٌ وَالدُّجَى // يَأتِي لِيُعلِنَ هُدنَةً بِمَمَاتِه