الجمعة 30 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

حافلتان

حرف

صباحُ الصهدِ،

و الطرقاتُ تفرشها سجاجيدٌ من اللَّحمِ المُعَشَّقِ فِي صفِيح الحَافلاتِ

تَنَاسَلت من مِغزَلٍ ضجرٍ كبَالِ موظفٍ مستغرقٍ في تَلَّتَين من الدفاترِ

واثقٍ كيديه تمشي وحدها لمُربعِ التوقيعِ في ذيلِ الوثيقةِ

و القُماشُ -لألفِ عامٍ- باهتٌ و مكررٌ كمواضع الأختام من جسم الصحائفِ

و الشوارع قد نَضَت فستانَ سهرتِها و راحت ترتدي عفريتةً نُسِجَت بخيطٍ مبرمٍ من كل ألوان المراكبِ

يغزِلونَ نُقوشَهَا بخيوطِ باصَاتِ المدارسِ

و العيالُ تنطُ من فوقِ المقاعدِ للنوافذ كالفشارِ

مُحدِّقِين بعالمِ الأسمنت من خلفِ الزجاجِ

يقارنونَ سوادَهُ ببياضِ ما وُعِدوه لو حفظوا ترانيم المعلم في الكتاب المدرسيِّ

و ينظرونَ رفاقَهم في كِسوةِ الأسفلت

أو أسلافَهم في فَتلَةِ البَاص القديمةِ

أو خيالاً شاحباً لذواتهم من بعد إدناء الفساتين احتواءً لاحتجاجات الثمار الناضجات الثائرات على استقامات الغصون

و بعدما انتحرَ المراهقُ مُلقياً فُرشاتَه و مُداعباً مُوسَ الحلاقةِ

شَارعاً في رسم لوحته الجديدة،

واضعاً خط الحدود، و فاصلاً بين الجموح بحصة الألعاب،

غفوته بحضن ملابس العيد الجديدة، 

واستباق الريح للجدات حين يُكشِّر الآباءُ عن خرزانة التأديب،

جريتِه لباب الدارِ حين تُخَشخِشُ الأكياسُ مُفشيةً بسر أبيه،

دمعتِه إذا اقتضت الأمومةُ أن تُخَبَّأَ لعبةٌ ريثَ انقضاء الواجبات ،

و بين غُرزةِ فتلةٍ ترميه في الباصِ المجاورِ،

واقفاً بالجَنبِ –يذكرُ ضيقَهُ بجلوسِه في مقعد الباص القديمِ–

مُعبئاً رئتِيه دخانَ الخيوطِ الكاسياتِ طريقَهُ

و مُراقباً كُتَلَ الشحومِ مُكَدَّساتٍ تأخذُ الشكلَ المناسبَ لالتواءاتِ الحديدِ

مُعَلِّمٌ يا مِغزلَ الطرقات في خلقِ التناقض

بارعٌ في فَرش بَسطَتِك القديمةِ كلَّ صُبحٍ دونَما أدنى اعتراضٍ للأزقة و الدروبِ

مُراهنٌ دوماً على شغفِ الصِغارِ بما يدور إذا انطفا النورُ الشفيفُ و أكملت عين الظلامِ رواية الفصلِ الذي ارتجلوهُ في أحلامهم

و لرُبما انسلَّ الكبارُ لخيط باصهمُ القديمِ محذرين رفاقهم -عمَّا قريبٍ- أن يظلُّوا ها هنا، 

لكنهم -من فرطِ ما شُغِفوا بِهِ- لا يسمعون.

و أنت - مُذ بدءِ الخليقةِ - قابضٌ في إبرتيك

مُزَيِّتٌ صَدَأَ الخيوطِ بدَفْقةِ العَرَقِ المُنَزَّى من شحوم الرَاكبينَ

و كلما انطفأَ السراج و أشعل الطفلُ الفضولَ تُكررُ النقشات ثم تُغير اللَّحمَ  المعَفَّنِ

بالجديد