الإثنين 15 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

بيت البحر.. القارب

بورسعيد
بورسعيد

القارب الذى اشتراه جدى منذ زمن بعيد، رفض أن يبيعه بعد أن كبرت سنه، وأضناه طول التعب وخوض غمار البحيرة.. 

كل الذين عرفوه.. أشاروا عليه بضرورة التقاعد واعتزال العمل.. فالبحيرة أضحى ماؤها ملوثًا بعد أن صبت فيها المحافظات المجاورة مياه الصرف الصحى والزراعى ومخلفات المصانع؛ «هكذا أكد أبى الذى يحمل شهادة عالية ويعمل موظفًا فى الحجر الصحى». 

جدى أصر على أن يستمر فى العمل.. وتجاهل رأى الجميع.. دعا الله ألا يميته إلا وهو يعمل، قال قولة شهيرة ظلت تطن فى أذنى لفترة: «أنا ولدت على شاطئ البحيرة، وأتمنى أن أموت بها».. 

قال الذين عارضوه: «ولكنك فى سن تحتاج إلى الراحة». 

فرد ذراعيه ولم يتثاءب، بل أعلن: «لا راحة فى الدنيا، أنا أكثركم شبابًا وحيوية».. ونفخ فى قبضتيه كبطل يستعد للمنازلة. 

أرى جدى فى القارب- عند طرف البحيرة الملاصق لجنوبى المدينة- يعتنى به؛ يدهنه، يرمم أخشابه، «يقفلط» بينها، يمسح على جوانبه بحنو بالغ كصديق يلاطفه، يعيد بعض رسوم محتها المياه.. 

حين «يقلع» به مغادرًا، يشمر عن ساعديه ويدعونى لصحبته.. يوافق أبى على مضض. يغرينى بمزيد من النقود تساعدنى على شراء تذكرة «بلكون» فى سينما الأهلى بدلًا من مقاعد «الترسو».. يغمز بطرف عينه.. أثِبُ مثل أرنب.. أرفع يدى مودعًا.. وهم جميعًا على الشاطئ يغادرونه عائدين إلى البيت.. 

يخلع جدى جلبابه ويلفه بهدوء ويدسه بين الأخشاب.. ثم يفك إسار قماش الصارى فيملؤه الريح الناعم.. ينطلق بعدها القارب يشق وجه الماء دون توقف.. يجذب طرف الحبل ويضم إلى صدره ذراع الدفة فى حنو بالغ.. 

رغيف الخبز بالحلاوة الطحينية.. «حالة من الشبع المؤقت» يؤكد ذلك ويشير إلى وابور الجاز.. ومع أول رزق يسوقه الله إلى الشباك «ينشل» الأسماك من الماء.. يقوم بتنظيفها وغسل الأرز ووضع «الإدام» وخرط البصل ودعكه بيد واحدة بالفلفل والكمون، بعدها يتنهد ويرسل نظرة جهة طيور الخضيرى والشرشير والغُر والحمراوى، يتمنى صيدها.. أردد أمامه إن أبى سيشترى لى بندقية.. يقول فى سخرية: منين يا ولداه؟ العبد وسيده على المحطة! 

أحاول الفهم.. لكنه يتصنع الصمم ويشير إلى قرص الشمس.. ويطلب منى أن أعد السحب فى السماء الصافية.. أدرك ساعتها تمام سخريته.. 

لا أحد فى البحيرة يعرف أسرارها ومخابئ السمك فيها مثل جدى «العباسى».. يشير للجميع إلى مواضعه.. يقول فى ثقة: ارموا الشباك. 

يتكالب من بعده عشرات الصيادين الذين استغرقوا وقتًا فى البحث عن مواقع الأسماك، يفعلون ما أشار عليهم به، يفوزون بالرزق الوفير. بعدها تلهج الصدور بالدعاء له ويثنون عليه. 

جدى لا يستخدم المجداف أو «المدراة» إلا لمامًا.. ويعرف مواقع النجوم وزمن هبوب الرياح ومواعيد النوات، ويعرف الساعة دون أن تكون فى معصمه، ويردد على الدوام مواقيت الصلاة؛ وينطلق صوت المؤذن.. 

شراع المركب من القماش الأبيض السميك.. كتب فى أعلاه لفظ الجلالة بخط يده.. يفخر بأنه تعلمها وحده من دون أن يرسله أبوه إلى شيخ «الكتاب» الموكول إليه أمر تحفيظ القرآن ومبادئ الحساب.. أشير عليه بأن يشترى موتورا لقاربه.. ينظر إلى متعجبًا.. يفحص ذراعيه مليًا.. يرفعهما معًا ليوازيا كتفيه مزهوًا: عندك عضلات زى دى؟ 

ويقهقه فيملأ فضاء الكون من حولنا.. ويكمل: الموتور للناس الثانية.

مات جدى على ظهر قاربه مثلما تمنى.. 

القارب وصل إلى طرف البحيرة وحده.. 

كان حبل الدفة مربوطًا بيمينه.. 

وكانت طيور البحيرة كلها تحوم حول القارب.. تودع صاحبه وتحرسه؛ مرشدة إياه إلى طرف البحيرة دون أن يرتطم بالجزيرة أو يسحبه تيار الماء إلى المجرى الملاحى، أو يعيقه ورد النيل أو البشنين والهالوك أو أعواد الغاب.. 

كان منكفئًا على الدفة كأنما يعض عليها بالنواجذ، ولم يتحرك بعد ليربط قاربه فى العمود الذى غرزه فى الماء، ولم يهتز مع اصطفاق الموج فى جنبات القارب.