الإثنين 15 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

الجسر

لوحة لأحمد فريد
لوحة لأحمد فريد

هل تودون سماع ما حدث هناك؟

ضعوا أصواتكم هنا. صحوت فى أحد الأيام لأجد نفسى طريد القرية كلها، دعونا نعود للبداية، لا أحد يريد أن يكون وحيدًا، فى قريتى النائية.

أمى ربة منزل، تجيد صناعة الأشياء على عجل، خاطت سروالى الممزق وناولتنى كيسًا به كسرة خبز، ثم صاحت وضربات قلبها تدق بسرعة: ساعد أخاك فى ارتداء حذائه.

لا أحد يهتم لأمرنا، ربما أتيت فى توقيت سيئ، لكن تذكر: أنت كل ما لديه. أهرب بعيدًا، من ذئاب البرارى وغفر العمدة وبطش الإنجليز، أذهب الآن وهى تدفعنى للأمام، تابع السير ولا تنظر وراءك، لا تقلق بشأنى، ليس لديك كثير من الفرص و...

نظرت للمرة الأخيرة وهى تحضننا، وتدفعنا خارج الدار، هامسة بدموعها: إذا استطعت أن تنجو، أمك التى تحبك...

يا الله، كم أنا ممتن على هذا الوقت الذى قضيته مع هذا المخلوق الوفى، الظلام فى كل شىء، ليس هناك شعاع للشمس، لحظة ألم واحدة تساوى حياة.

أشتم رائحة الزروع وأشجار الجازورين الملتفة وروث الحظائر، ليس هناك طريق سوى الجسر، هل تسمع همس البحيرة ونقيق الضفادع وصوت البط والمستكاوى، هل تتذكر يا محمد حديث أمك عن الجنيات ذات الشعر الحريرى، وكيف يأتين للبر كل ليلة، أوه يا محمد، يجب أن نتسلق الأشجار ولكن الجسر يجبرنا على النزول، لا تخف، سأبقى دائمًا بجوارك. 

عندما تخرج من البلدة أو خارج الديار تشعر بأن الأرض تخرج عن محورها، لوقت طويل كنت أحلم بعبور البحيرة، لكن الظرف مختلف، لم أسمع أو أشاهد قبل هذا العام ١٩٢٥ طفلًا يحمل على الأكتاف، متسللًا، إننى هنا أحدثكم عن فرع من شجرة العائلة، أبى ألا يكون مختلفًا، ألهمنى الطريق يا رب، ولكن تذكر أن الغد سيأتى فى وقته، وفى حينه، فلنذهب فى هذا الاتجاه.