رِيشَة في الهَواء.. من رواية جديدة لـ عبدالنبي فرج
يقال – والعهدة على الراوي –: الديب، في عنفوان شبابه الطائش، ذهب قرب منتصف الليل لري غيط الذرة ببطن الجسر، ساعة مناسبة لسكون الهواء عند خروج السنبلة وفج الكوز من الجانب، لأن أثناء سريان الماء، الجسر يكون ضعيفًا وأي نسمة تطيح به ويصبح حصيرة. ولأن التعب أنهكه بعد الري، وأبو النوم بدأ يزوره، وضع الفأس على كتفه ساهياً، فمكانها الطبيعي في الخص، وصعد السلم الحجري للجسر عينيه نصف مغلقة. نبات الحلفى على جانبي الطريق يضفي على المكان وحشة وارتيابًا. مرَّ من على "الكوبري"، ثم انتبه إلى صوت حمار أبيض عليه برذعة حمراء من القطيفة يضرب الأرض بحوافره. اقترب منه متوجسًا، ثم التف حوله من بعيد خوفًا أن يجد نفسه مرميًا على الأرض من تسديد رفسه قوية من حمار مكَّار، حتى اقترب من رقبته وأمسك اللجام وقفز في رشاقة ليستقر على ظهره، وقال: «ربك لمَّا يريد!» وجده يرتفع حتى أصبح أطول من مئذنة الجامع الكبير، والبرذعة الطرية تحت مؤخرتها أصبحت كسن فأس مسحوبة من بين يد الحداد. صاح مفزوعًا: «يا لطيف، الطف بعبادك!»

زمجر الحمار، وكأنما أصابته صاعقة، وأخرج ما يشبه فحيح أفعى في يوم قائظ، وخرج منه صوت بشري: «لولا ذكرك، يا رحمن، سبق كلامك… لأكلت لحمك قبل عظامك!»
فعرف أنه عفريت من الجن، وقيل مارد أحمر لعين، وعندما لوى رقبته وأصبح في مواجهته، ازداد الرعب، وبلّ على نفسه، ولكن ربنا ألهمه أن يرمي الشال على عينيه؛ فنجا من مصير مظلم، لأن من سمات هذا الوحش أنه عندما ينظر بعينه المتعددة المطموسة بالسواد لإنسان أو حيوان، يسلبه عقله ويدفعه ليرمي نفسه في الهلاك؛ معوض السعداوي شرط بطنة بالشرشرة، وسعيد فرحات شرب سمًّا مخصصًا لحشرة الفحار، وثور الحاج علي أبو إسماعيل جن ولم يستطع أحد السيطرة عليه إلا بضربة بالرصاص في الرأس، وجاموسة أبو خريبة قتلت خضرة فهمي، وعشرات الحوادث.
الديب أخرج المطواة قرن الغزال التي اشتراها من مولد الست زاهية من شقيا خاسرًا، وغرسها في حردوبه فهبط وظل ينغزه حتى عاد لسيرته الأولى، وكلما حاول التحول، يغزه بقوة حتى وصل إلى البيت، حينها قال: «والله لأخلص الناس من شرورك.» وسحب الفأس وبعزم ما به ضرب بقوة عنقه، فوجد نفسه معلقًا في الهواء، ثم سقط على الأرض فاقدًا الوعي حتى صلاة الفجر، عندما رأه أبي وهو خارج للصلاة. ويا هول ما رأى؛ فقد كان يهذي محمومًا وتصدر منه أصوات لحيوانات وطيور وحشرات، وكلمات بلغات لا نعرفها، ويخرج من فمه رغاوي بيضاء. حملناه ودخلنا به إلى غرفة نوم أبي، والتففنا حوله منكسرين، وظلت أمي تبكي وتبل قطعة قماش وتضعها على جبهته. ظل أيامًا على تلك الحال حتى قام فجأة وقال: «لقد رأيت عوالم عجيبة وسمعت أخبارًا غريبة»، ثم أخذ يبكي، ولم يقل شيئًا.
ظهرت سردية ضد هذا الحدث الأسطوري، ولكن ظل مهملًا، لأن الذي نسجها شخص أهطل لم يعرف أن يصوغ روايته بطريقة ذكية فنال الكثير من الأذى. يبدو أن الجمهور كان لديه رغبة في التصديق، أو خفة دم الديب وطريقته الفريدة في الحكي جعلتهم يبترون أي رواية نقيض، خاصة أنه كل مرة يطلب منه حكيها يقولها بطريقة مختلفة، يضيف ويحذف. توقف الرجل عن سرد روايته غير الشيقة، وكلما تم استعادة أسطورة المارد أمامه، تغير لون وجهه وحزن حزنًا شديدًا وشعر بالغربة في المكان، فكان يضع همه في تدخين سيجارة من أخرى. ثم في يوم كنت أجلس معه بالصدفة، وجاءت سيرة الديب والمارد، فرمي الطاقية من على رأسه غاضبًا وأخز يبرطم، وتتناثر من فمه رذاذ على وجهي، وهو في مواجهتي. قام على ركبتاه وقبض على أكتافي وثبتني بيد قوية، وكلما تزحزحت وجدته يتبعني، وجهه أصبح دمويًا وعروق رقبته نافرة، حتى خفت منه وتصورت أنه كائن غير بشري وسينقض على ويفتك. قلت: «أيه الواقعة المهببة بنيلة دي؟» ثم فجأة هدأ تمامًا واسترخى وأخذ يعيد الحكاية مرة ثانية كلمة كلمة، وكأنه يريد أن يصبها داخلي الكلام. حتى فهمت ما قاله، وعلمتني هذه الواقعة أن التكرار يؤدي إلى الفهم أيضًا.
الديب انتهى من ري حقل الذرة، ثم جلس على حافة المسقى وأشعل سيجارة، متعبًا ولا قدرة لديه للعودة إلى البيت سيرًا على الأقدام. ثم هداه تفكيره أن يأخذ جحش جارهم الرجل الطيب أبو سعيد، قام وجر رجله إلى أن وصل للعشة التي يبيت فيها، فوجده نائمًا ويشخر بصوت فظيع، ثم أخذ يخرج ريحًا متقطعًا، فضحك وانتعش قليلًا. ذهب إلى المِرْبَد، وحل الجحش وسحبه، لكنه حرن ورفض الاستجابة. الديب يجر فيه بلا فائدة، فخلع القيد ولجمه وجره حتى أخرجه، وسار به قليلًا، ولكنه كان يرفص ويدور دورات مفاجئة حتى يسقطه من عليه، ولكن الديب يلف رجليه عليه فلم يقع. ثم بعد أن مر من على الجسر، نزل من عليه وقطع فرع شجر من التوتة وأخذ يضرب فيه بعنف ويلوي رقبته حتى أسقطه على الأرض، وهو يشد اللجام حتى سال الدم من شدقيه وخضع. قام قفز عليه فانطلق كالرهوان يجري حتى اقترب من البيت ويبدو أنه رأى شيئًا غريبًا، توقف مرة واحدة فسقط الديب على ظهره، لم يستطع أن يقوم من على الأرض وشعر أن رأسه انفجرت وأضلعتُه تكسرت. ظل مرميًا، والجحش أخذ يأكل من الحشيش النابت على حافة الخزان، ثم بقدرة قادر حزق وضرب شريطًا من مؤخرته تناثر على الديب، وظل حتى الصباح نائمًا. وعندما لم يجد أبو سعيد الجحش، أخذ يبحث عنه في المنطقة، لم يجده، فنزل يبحث حتى وجده مازال واقفًا كما كان. نظر أبو سعيد إلى الديب: «ربنا هيعمل فيك أكثر من كده، أيه؟» ثم ركب الجحش وصار حتى وصل إلى بيتنا ودق الباب، وعندما خرجت أمي قال لها بدون سلام: «الديب مرمي على السكة عند المدرسة الإعدادية، حاولت أفوقه لكن ولا حس ولا خبر.» صرخت أمي وجرت لما وصلت له وأخذت تهزه، فأخرج أنينًا ضعيفًا وقال: «أبو سعيد، أبنك عامل ميت يا سعيدة… ورحمة أبي لو لا ما يقولوا حرام»، ثم تركها وسار. ظل الديب بعد أن نقلناه إلى البيت أيامًا غير قادر على الحركة.







