الإثنين 15 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

المولد

لوحة لطه قرني
لوحة لطه قرني

وقف متذبذبًا، روحه تتأرجح مع جسده فى كل هزة يهزها لهيكله الهزيل يمينًا ويسارًا، عقله يموج فى الفضاء الفسيح، عيناه شاخصتان لأعلى، تطالع النجوم، يراها تتراقص وهى تتلألأ، جميع من حوله يفعل فعلته، حشود كثيفة، تهتف بكلمة «حى» بصوت جهورى. 

فى وسط الدراويش يدور عبدالمعز أو كما يلقبونه بفتى التنورة، يصنع عرضًا خلابًا فى جو بديع من الروحانيات، تخلل عزيز الحشود فى أثناء استراحة الفتى التى تقع بعد كل خمس عشرة دقيقة من العرض، صمم على التجربة، التنورة تحتاج رجلًا فارع الطول.. وعزيز طوله يقاس بالشبر، حاول الفتى تنحيته عن الأمر، دار جدال، رفض عزيز الإصغاء وارتداها متحديًا، دار بها بسرعة الريح، شدّ ظهره، ارتفعت الطبقات عاليًا، لف معها، فتح ذراعيه، حمل قماشها الثقيل، رفعه بعناء، استسلمت روحه وحلقت، زاد السرعة، الأرض تفر من تحت قدميه، دقات قلبه تتسارع، أنفاسه تتلاحق، صدره اشتعل نشاطًا، الدم يتدفق لدماغه بسرعة خارقة، أغمض عينيه، وفى لمح البصر سقط أرضًا.

غادر الواقع للحظات، رأى فيها رجلين عظيمى الهيئة يحملانه، أحدهما نظر له بوجه بشوش، أمسك بخاتم به فص من الزمرد، مد يده، ألبسه إياه، همس بجوار أذنه:

- عزيز، لا تخف.

الآخر أكمل: 

- أنتَ على الطريق، لا تلتفت.

تنقل ببصره بينهما، حاول الرد، شفتاه كانتا ملتصقتين ببعضهما البعض، قال فى قرارة نفسه:

- أى طريق؟!

أردف متعجبًا وهو ينظر لأصبعه:

- ما هذا الخاتم؟!

انتفض بعد أن سُكِب على وجهه كوب من الماء البارد، قال الفتى صارخًا:

- كفى، كل يوم يسقط أحدكم، أنت لست مؤهلًا لهذا اللف.

أخرج منديله القطنى من جلبابه الأبيض، قبل أن يرفع يده ليجفف وجهه من آثار المياه، وجد الخاتم فى أصبعه، تعجب للحظة، عاد للف بقوة عجيبة، رايات خضراء ترتفع أمامه، عيون تبحلق، راهن المتابعون على انكبابه على وجهه، زاد سرعته أكثر، ألوان تضوى، دفوف تدق، ملأت وجهه ابتسامة مريحة، ربما رأى ملاكًا يلوح له فى الأفق البعيد، ذهول عانق الوجوه، كيف له أن يفعل ذلك؟!

نصف ساعة متواصلة بلا انقطاع، تجمع حوله المئات، من ذلك القصير الذى يعانق التنورة بتلك البراعة فى لحظات، أهى كرامات سيدى الدسوقى حفت بأرجاء المكان وشملته من بين الحاضرين؟! من غيره فى نظرهم. يفعل ذلك؟!

انتزعته من بين الحشود يد فوز زوجته وهى تجره من تلابيبه، صرخت ليسمعها:

- المقام بقى زحمة يلا بينا.

وقفت أمام المقام فى خشوع، الضوء الأخضر له يبعث الطمأنينة فى روحها، أمسكت بالقضبان الذهبية، لم تنطق، فقط قطرات من الدموع انسابت على وجنتيها، أما عزيز فقد جُن، أمسك بالقضبان قال بصوت مدوٍ لفت انتباه كل من حوله: 

- ولد سليم يا رب.

على يساره يقف عم سرور، أحد الطيبين الذين بلغوا من العمر أرذله، ما زال يكافح ليؤمن لقيمات يومه، هو أحد الباعة الجائلين يبيع الحمص وحَب العزيز، يتسلل للمقام، تاركًا فرشته بلا حارس، يغدق عليه زوار المقام بالعطايا، تلك المرة لم يعره أحد انتباهًا، إنه البؤس وأفاعيله المنكرة ببنى آدم.

لفت نظره الخاتم البراق فى يد عزيز، تجاهل الدعوات والمقام، جحظت عيناه، بدون مقدمات..قبض على يد عزيز، تحسس الحجر الواقع فى منتصف الخاتم.

فزع عزيز، سحب يده، صرخ فى وجهه:

- عاوز إيه؟!

أدرك الرجل فعلته، طأطأ رأسه خجلًا، غادر والحزن طمس ملامحه.

تابعه عزيز بنظره، جلباب مهلهل، ظهر منحنٍ، كعبان متشققان متسخان، أحس بغزة فى شرايينه، تحجرت فى مقلتيه دمعة، أمسك الخاتم، ضغط على الفص بكامل قوته، كاد أن يحطمه، أغمض عينيه لدقيقة، ثم فتحهما، انتابه الذهول، اندفع خارج المقام.

وقف فى منتصف الشارع، يمعن النظر فى الوجوه العابرة، انتفض بعد أن وُضِع كف على كتفه، لف وجهه فوجد عم سرور مبتسمًا والخاتم يزين أصبعه البنصر.