الإثنين 15 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

هدير الذكريات

لوحة لسمير رافع
لوحة لسمير رافع

ما زال اسمها يرن فى ذهنى كل صباح قبل أن يشرق الفجر، وقبل أن تستعد الشمس لتجوب مسارها فى غزو الكون، لم يمر يوم واحد فقط دون أن أتذكرها، أحملها معى فى أعماق قلبى وأنا أتجوّل فى أرجاء البلاد البعيدة، لم أكتف بلحظات الوداع الأخيرة.

‏‎هل كان ينبغى لى أن أضعها على مذبح النسيان، وأجرى خلف أحلام كنت أعتقد أنها مستحيلة؟ ولكنها تحققت مع مرور الأيام.

‏‎اليوم، لا يتبقى منها سوى صورة لها وهى فى العشرين من عمرها، كبرتها ووضعتها فى إطار ذهبى، ورفعتها على الحائط أعلى من قامتى بقليل، كل صباح أرفع هامتى، أتطلع إليها وأسأل نفسى: كيف أصبحت بعد مرور أربعين عامًا؟ يا ترى هل يزيد الشعر الأبيض جمال رأسها؟ 

ويا ترى هل تضفى التجاعيد سحرًا على وجهها؟ لا يمكننا إنكار أن الزمن قد مرّ عليها، ولكنى أعتقد أنها لم تفقد جمالها، بالتأكيد لا، فما زالت تلك الجميلة الرائعة تتألق بنفس الروعة والجاذبية التى أعرفها.

‏‎‏السابعة والنصف صباحًا ‏أدير مؤشر الراديو، أتوقف عند أغنية فريد الأطرش، كان يقول: «بقرب ‏الحبيب أحلى أمل فى الحياة.. ينسى الفؤاد النحيب» الله يا فريد، والله أنا راض بربع ساعة، ولكن أين هى الحبيبة؟ الله أدرى وأعلم.

‏‎بيتى الذى يقع فى الحى الراقى لا أسمع فيه إلا أصوات العصافير التى تسكن أشجار حديقتى، وكلب الجيران ناعم الصوت الذى لا أعلم ما نوعه حتى يكون صوته بتلك الرقة، حتى الجيران أظن أنهم يتحدثون همسًا فلا أسمع طفلًا يبكى أو امرأة غاضبة تصرخ لتعبر عما يسكن قلبها من أحزان، فى بعض الأحيان أشعر بأن الصمت كالطيور الجارحة جاثم على صدرى، لكنى فى هذه اللحظة أدعو الله أن يحفظ لى عقلى، سمعت كلام أخى ولم أستقل من الوظيفة الحكومية، صحيح أننى كنت أعانى أشد المعاناة عندما أعود إلى أرض الوطن وأبدأ فى إجراءات تجديد الإجازة، واليوم أنتظر أول الشهر بفارغ الصبر حتى أذهب للبنك لاستلام المعاش، بالتأكيد ليس من أجل الجنيهات البسيطة التى أقبضها، بل لأنى حينها أشعر بالحياة، صخب أصحاب المعاشات، ذلك العجوز الذى يستند إلى عكازه الخشبى يبدو عليه الضعف والوهن وما إن يبدو له أن أحدهم يحاول أخذ دوره فى الصف الطويل، حتى يجلجل صوته ويتوعد من يحاول الاقتراب، وتلك المرأة التى تقف بعيدًا يبدو عليها الوقار، ولكن الحزن يسكن ملامحها أيضًا، لا أمل من انتظار دورى، بل وفى بعض الأحيان أستلم المعاش، وأجلس للتحدث مع بعض الرجال والنساء الذين أصبحوا أصدقاء لى بفعل المقابلة الشهرية.

‏‎وفى اليوم الموعود الذى انتظرته، استيقظت متأخرًا على غير عادتى، وقررت أنى لن أغادر البيت بسبب ألم بساقى اليسرى، وبعد عدة معارك دارت بداخل نفسى حسمت الأمر، سوف أتحامل على الوجع كله، وأخرج لمقابلة أصدقاء المعاشات، نعم، فنحن لا نلتقى فى أى يوم آخر، ولا نتبادل أرقام الهواتف، وعندما يتخلف أحد عن الحضور فى ذلك اليوم المقدس نعلم أنه قد سبقنا فى السفر إلى السماء، لا نبكى، نرسل إليه الرحمات، ويحل علينا الصمت كضيف ثقيل، وصلت إلى البنك، تهلل وجهها وهى تلقى علىّ التحية، لم يصرح أحدهم، أعلم أنهم ظنوا أنى قد لحقت بصف المسافرين، ابتسمت لهم، وقلت لم تحن ساعتى بعد، كلهم ضحكوا إلا هى، كانت تقف بظهر مستقيم، رغم تجاوزها الستين، ترتدى بلوزة بلون الفستق، وتنورة كلوش لونها أسود، وتضع إيشاربًا بالألوان المتداخلة، وتحمل حقيبة يد، شعرت بانعدام الجاذبية، كنت أطفو فوق المكاتب ورءوس الأصدقاء، اقتربت منها أكثر، هتفت تغريد!، هزت رأسها إيجابًا، ولكن تعكر وجهها، وأصبحت مثل بحيرة مرتجفة، لم نتبادل أى كلمة، أنظر إليها، تنظر إلىّ، ولأول مرة أمل الانتظار، انتهيت من استلام المعاش، خرجت أمشى خلفها مطأطئ الرأس كأننى طفل انكشف أمر هروبه المستمر من المدرسة أمام أمه، قلبه يرجف من الخوف، وفى قرارة نفسه يعلم أنها لن تعاقبه، تقدمت إليها وعرضت عليها الجلوس فى مكان، رفضت، ولكن أمام إصرارى الطفولى وافقت أن نتمشى حتى جلسنا على المقعد الموازى للنيل، سألتها عن أحوالها، قالت تزوجت بعد فرارك بسنة، وتخلصت من ألم الفراق بعدها بسنة أخرى، ولم يستمر الزواج سوى خمس سنوات.

انفصلت عنه؟.. قالت: لا، بل مات فى حادث سير وعمر أطفالى ثلاث سنوات، حل الصمت الثقيل بيننا، قلت: هل تزوجتِ مجددًا؟

قالت لا، لقد أجبرونى فى المرة الأولى على الزواج، لكن فى المرة الثانية اخترت أبنائى وحبًا أرهق قلبى، واليوم أنا جدّة.

ابتسمت، وقالت: وأنت ماذا فعلت بك الدنيا؟

لم تفعل، بل كان اختيارى، سافرت سنوات لا أعلم عددها، ثم عدت وأنا أمتلك فيلا وسيارة ورصيدًا فى البنك، ورغم ذلك أحرص أول كل شهر على قبض المعاش حتى أجد الصحبة التى بددتها سنوات الغربة.

ـ وأين زوجتك وأولادك؟ 

ـ لم أنجب لأننى لم أتزوج..

‏‎كانت السماء تشهد على عودة الحب الرائع مثل الزهور التى تتفتح. 

‏‎أصرت على المغادرة، ولكن فى الشهور التالية كنت أكثر شغفًا بلقائنا الذى لم نتفق عليه بوضوح، ولم نتبادل أرقام الهاتف. 

‏‎حتى جاء اليوم الذى انقطعَت فيه عن الحضور، كنت فاقدًا لعقلى، ذهبت إلى الموظف، وسألت عنها، كان يراها طوال الأشهر القليلة الماضية دائمًا بجوارى، اضطربت معالم وجهه وهو يقول: شد حيلك، لقد رحلت منذ أسبوعين.

‎تحركت ببطء شديد مثل الغيوم التى تطفو فى قاع الهاوية تحت أقدامى.

‏‎غارق فى صمت يدوى مثل صرخة رهيبة، جلست على المقعد الموازى للنيل، أسمع هدير الموجة التى تنكسر على الشاطئ وصوت فريد الأطرش يكمل ما بدأه:

«ساعة بقرب الحبيب أحلى أمل فى الحياة

‏‎ينسى الفؤاد النحيب.. ويشكى حبه وهواه

‏‎ساعة.. ساعة.. ساعة بقرب الحبيب

‏‎ليه تفكر فى الهموم؟ وأنت فى ساعة النعيم

‎ده الهنا وقته قصير عمره من عمر الزهور»