الجمعة 12 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

عربة الغاز

لوحة لهيفاء الشريف
لوحة لهيفاء الشريف

تهلل الصبية ورقصت الفتيات وساروا يشيعون عربة نشر غاز السعادة بحبور وسرور، لا يدرى أحد من صاحب هذه الفكرة الغريبة، هل هو عالم صنع هذا الغاز، أم رجل أعمال يسوق لمنتج ما، لا أحد علم بغرض صاحب هذه العربة الذى لم تظهر هيئته من الزجاج الذى أخفى تمامًا هيئته، وكتب على جانب السيارة ومؤخرتها: عربة السعادة، استنشق هذا الغاز وأنعم بمزاجك الرائق. ذهب البعض فى تفسيرهم لهذه الظاهرة بأنه نوع من المخدرات، فلم يسمع أحد من قبل عن غاز ينشر السعادة فى القلوب، ويزيل الهموم ويشفى الأوجاع، ويُبعد الآلام، انشغل البعض فى محاولة تفسير الأمر، والبعض الآخر راح فقط يستنشق يحاول أن ينعم، ويغتنم تلك الفرصة المجانية، فى محاولة منه للابتعاد عن الضغوط والأعباء ولو لوهلة.

ظل هذا الفعل مكررًا بدون أن يدرى أحد عن صاحب العربة التى يجول بها ليبث غازًا يسبب السعادة، صار لغزًا عجيبًا، ولا أحد يدرى ماهية سائق العربة فاعل هذا الخير، أهو صاحب الفكرة أم موظف مساعد له؟ لا أخبار عن الأمر وحتى لا إشاعات. 

اختفت العربة يومين متتالين، استعجب الناس وراحوا يتحدثون عن السعادة التى افتقدوها فى غياب العربة، لا أحد سعيد تمامًا، حتى من كان سعيدًا قبل العربة شعر بتعاسة لم يدرى مبعثها، وكأن العربة صارت هى مسئولة السعادة فى النفوس، الأمر جد خطير، كيف سيكمل الناس أيامهم بدون سعادة؟!

وإلى متى سيطول وقت غياب العربة؟!

وهل ستمكث التعاسة طويلًا بينهم؟!

وبينما هم يتساءلون فى حزن.. وصل أحدهم لمكان العربة التى كانت مستكينة على جانب الطريق بكل دعة وهدوء، وعبارة استنشق هذا الغاز وأنعم بمزاجك الرائق علاها الغبار فصارت باهتة قليلًا.

وأخيرًا شعر أنه سيكشف لغزًا طالما فكر فيه الكثيرون وسبب لهم أرقًا بنفس القدر الذى جلب لهم بهجة، فتح باب العربة فوجد رجل مُسن بشوش.

عيناه قرمزيتان مفتوحتان عن آخرها انسحبت الروح منها، وما زال يسكنها النور، كانت ميتة كعين سمكة صعدت للشاطئ لتجرب جديدًا فما لبثت أن غادرت عالمها، المفاجأة كانت أن وجد العربة مجهزة لتسخين الماء وبثه فى هيئة بخار ماء، إذن السر كان طوال الوقت بالماء، وبالرجل الذى وضع هم الناس فى خاطره وأراد فعل شىء ما وهو يعلم أن السعادة صناعة ذاتية تنبع من الداخل، وبالجملة السحرية التى وضعت الناس فى مزاج سعيد، استنشق هذا الغاز وأنعم بمزاجك الرائق.

ربما هذا الرجل الطيب الآن بعالم آخر يوزع الهدايا واللعب وينشر البهجة والسرور، وربما يكون هذا تحت غطاء أو ساتر بدون أن يدرى أحد به، وأحسب أنه فى روح طفل بشوش.