الجمعة 30 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

دَرْسٌ مِنَ الشِّعْرِ

حرف

سَئِمْتُ الظَّلامَ وَهَذا الْعَناءْ • أَأُبْصِرُ يَوْمًا شُعاعَ الضِّياءْ؟

أَفي الْكَوْنِ نَبْضٌ يُعيدُ الْحَياةَ • لِقَلْبٍ سَقيمٍ جَليسِ الشَّقاءْ؟

تَجَوَّلْتُ دَهْرًا أَرومُ الْجَوابَ • وَأَسْعى بِشَوْقٍ لِنَيْلِ الرَّخاءْ

فَجُبْتُ الْجِبالَ، وَجَوْفَ الْكُهوفِ • وَهَذي الْبِحارَ، وَتِلْكَ السَّماءْ

وَما كُنْتُ أَلْقى سِوى وَهْمِ نَبْضٍ • كَقَلْبٍ يَدُقُّ بِدونِ الدِّماءْ

فَفي الشَّمْسِ أَرْجو سِراجَ النَّجاةِ • وَلَكِنْ بِحُزْنٍ يَخيبُ الرَّجاءْ

فَتَأْتي كَضَيْفٍ يُنيرُ الدِّيارَ • وَتَرْحَلُ خَلْفَ سِتارِ الْمَساءْ

كَأَنّي بِلَيْلٍ، وَذي الشَّمْسُ فَوْقي • يُواري السِّراجَ سَحابُ الْفَناءْ

وَفي اللَّيْلِ بَدْرٌ أَراهُ صَديقًا • فَلا الْبَدْرُ يَبْقى، وَلا الْأَصْدِقاءْ

كَكَأْسٍ تَساقَطَ مِنْها الشَّرابُ • رُوَيْدًا رُوَيْدًا، وَصارَتْ خَواءْ

وَفي كُلِّ شَهْرٍ شَرابٌ مُراقٌ • وَهَذا الصَّديقُ يُعيدُ الْخَفاءْ

وَفي الْبَحْرِ دُرٌّ يُثيرُ الْعُيونَ • وَيَكْسو الْحُلِيَّ بِثَوْبِ الْبَهاءْ

وَلَكِنْ أَراهُ بِعَيْني مَعيبًا • فَفيهِ انْعِكاسٌ يَشوبُ الصَّفاءْ

وَفي الْوَرْدِ ريحٌ كَمِسْكِ الْغَزالِ • يُعانِقُ أَنْفي بِأَيْدي الْهَناءْ

رَبيعٌ بَديعٌ يُريحُ النُّفوسَ • وَيا حَسْرَتي، كُلُّ عامي شِتاءْ

أَلَيْسَ الرَّبيعُ عَقيبَ الشِّتاءِ؟ • قَريبٌ، وَلَكِنْ بَعيدُ اللِّقاءْ

وَإِنْ ذاتَ يَوْمٍ رَأَيْتُ الزُّهورَ • أُصِبْتُ بِشَوْكٍ، فَزادَ الْبُكاءْ

فَيا لَيْتَ شِعْري، لِماذا الْعُيوبُ • تَفَشَّتْ، وَأَمْسَتْ أَذًى كَالْوَباءْ؟

فَفي كُلِّ رُكْنٍ قُصورٌ، وَنَقْصٌ • كَحِبْرٍ تَغَلْغَلَ في كوبِ ماءْ

فَهَلْ ما أَوَدُّ خَيالٌ مُحالٌ؟ • وَهَلْ ما أُعاني يُطيلُ الْبَقاءْ؟

إِلَهي، أَغِثْني، فَإِنَّ الْوُجودَ • بَخيلٌ شَحيحٌ، وَأَنْتَ الْعَطاءْ

فَأَهْدى لِبالي سَلامًا عَظيمًا • تَبارَكَ رَبّي مُجيبُ الدُّعاءْ

لَعَلّي عَميتُ، فَكانَ الْمُرادُ • جَلِيًّا أَمامي، فَيا لَلْغَباءْ!

فَفي الشِّعْرِ نورٌ يُداوي الْجُروحَ • وَفي اللَّحْنِ نَبْضٌ يُزيلُ الْبَلاءْ

فَشَمْسي، وَبَدْري، وَدُرّي، وَوَرْدي • حُروفٌ تُصاغُ عَلى ما أَشاءْ

وَفي الشِّعْرِ دَرْسٌ ثَمينٌ مُبينٌ • كَطَعْمٍ مَريرٍ، وَفيهِ الشِّفاءْ

فَبَيْتُ الْقَصيدَةِ مَأْوى الشَّريدِ • يُشادُ بِأَسْمى حُروفِ الْهِجاءْ

فَيُبْنى بِحَرْفٍ صَحيحٍ، وَلَكِنْ • بِدونِ اعْتِلالٍ يَخِرُّ الْبِناءْ

فَما الْبَيْضُ يُجْدي بِدونِ انْكِسارٍ • وَما الْقَوْسُ يُجْدي بِدونِ انْحِناءْ

وَخِلْتُ الزِّحافَ يَعيبُ الْكَمالَ • وَلَكِنْ خَطِئْتُ، فَهَذا افْتِراءْ

فَبَحْرُ الْكَمالِ كَمَوْجٍ عَظيمٍ • حَراكٌ تَتابَعَ دونَ انْتِهاءْ

فَيَأْتي الزِّحافُ عَلى ذا الْحَراكِ • فَيَغْدو سُكونًا، وَيَحْلو الْغِناءْ

فَحِزْتُ السَّكينَةَ في الشِّعْرِ كَنْزًا • كَفَجْرٍ أَتى بَعْدَ طولِ الْعِشاءْ

أَنارَ الظَّلامَ، وَأَحْيا الْفُؤادَ • وَكانَ لِداءِ الْعَليلِ الدَّواءْ

كَعَنْقاءَ مِنْ تَحْتِ كَوْمِ الرَّمادِ • أَقومُ أُحَلِّقُ فَوْقَ الْفَضاءْ