دَرْسٌ مِنَ الشِّعْرِ
سَئِمْتُ الظَّلامَ وَهَذا الْعَناءْ • أَأُبْصِرُ يَوْمًا شُعاعَ الضِّياءْ؟
أَفي الْكَوْنِ نَبْضٌ يُعيدُ الْحَياةَ • لِقَلْبٍ سَقيمٍ جَليسِ الشَّقاءْ؟
تَجَوَّلْتُ دَهْرًا أَرومُ الْجَوابَ • وَأَسْعى بِشَوْقٍ لِنَيْلِ الرَّخاءْ
فَجُبْتُ الْجِبالَ، وَجَوْفَ الْكُهوفِ • وَهَذي الْبِحارَ، وَتِلْكَ السَّماءْ
وَما كُنْتُ أَلْقى سِوى وَهْمِ نَبْضٍ • كَقَلْبٍ يَدُقُّ بِدونِ الدِّماءْ
فَفي الشَّمْسِ أَرْجو سِراجَ النَّجاةِ • وَلَكِنْ بِحُزْنٍ يَخيبُ الرَّجاءْ
فَتَأْتي كَضَيْفٍ يُنيرُ الدِّيارَ • وَتَرْحَلُ خَلْفَ سِتارِ الْمَساءْ
كَأَنّي بِلَيْلٍ، وَذي الشَّمْسُ فَوْقي • يُواري السِّراجَ سَحابُ الْفَناءْ
وَفي اللَّيْلِ بَدْرٌ أَراهُ صَديقًا • فَلا الْبَدْرُ يَبْقى، وَلا الْأَصْدِقاءْ
كَكَأْسٍ تَساقَطَ مِنْها الشَّرابُ • رُوَيْدًا رُوَيْدًا، وَصارَتْ خَواءْ
وَفي كُلِّ شَهْرٍ شَرابٌ مُراقٌ • وَهَذا الصَّديقُ يُعيدُ الْخَفاءْ
وَفي الْبَحْرِ دُرٌّ يُثيرُ الْعُيونَ • وَيَكْسو الْحُلِيَّ بِثَوْبِ الْبَهاءْ
وَلَكِنْ أَراهُ بِعَيْني مَعيبًا • فَفيهِ انْعِكاسٌ يَشوبُ الصَّفاءْ
وَفي الْوَرْدِ ريحٌ كَمِسْكِ الْغَزالِ • يُعانِقُ أَنْفي بِأَيْدي الْهَناءْ
رَبيعٌ بَديعٌ يُريحُ النُّفوسَ • وَيا حَسْرَتي، كُلُّ عامي شِتاءْ
أَلَيْسَ الرَّبيعُ عَقيبَ الشِّتاءِ؟ • قَريبٌ، وَلَكِنْ بَعيدُ اللِّقاءْ
وَإِنْ ذاتَ يَوْمٍ رَأَيْتُ الزُّهورَ • أُصِبْتُ بِشَوْكٍ، فَزادَ الْبُكاءْ
فَيا لَيْتَ شِعْري، لِماذا الْعُيوبُ • تَفَشَّتْ، وَأَمْسَتْ أَذًى كَالْوَباءْ؟
فَفي كُلِّ رُكْنٍ قُصورٌ، وَنَقْصٌ • كَحِبْرٍ تَغَلْغَلَ في كوبِ ماءْ
فَهَلْ ما أَوَدُّ خَيالٌ مُحالٌ؟ • وَهَلْ ما أُعاني يُطيلُ الْبَقاءْ؟
إِلَهي، أَغِثْني، فَإِنَّ الْوُجودَ • بَخيلٌ شَحيحٌ، وَأَنْتَ الْعَطاءْ
فَأَهْدى لِبالي سَلامًا عَظيمًا • تَبارَكَ رَبّي مُجيبُ الدُّعاءْ
لَعَلّي عَميتُ، فَكانَ الْمُرادُ • جَلِيًّا أَمامي، فَيا لَلْغَباءْ!
فَفي الشِّعْرِ نورٌ يُداوي الْجُروحَ • وَفي اللَّحْنِ نَبْضٌ يُزيلُ الْبَلاءْ
فَشَمْسي، وَبَدْري، وَدُرّي، وَوَرْدي • حُروفٌ تُصاغُ عَلى ما أَشاءْ
وَفي الشِّعْرِ دَرْسٌ ثَمينٌ مُبينٌ • كَطَعْمٍ مَريرٍ، وَفيهِ الشِّفاءْ
فَبَيْتُ الْقَصيدَةِ مَأْوى الشَّريدِ • يُشادُ بِأَسْمى حُروفِ الْهِجاءْ
فَيُبْنى بِحَرْفٍ صَحيحٍ، وَلَكِنْ • بِدونِ اعْتِلالٍ يَخِرُّ الْبِناءْ
فَما الْبَيْضُ يُجْدي بِدونِ انْكِسارٍ • وَما الْقَوْسُ يُجْدي بِدونِ انْحِناءْ
وَخِلْتُ الزِّحافَ يَعيبُ الْكَمالَ • وَلَكِنْ خَطِئْتُ، فَهَذا افْتِراءْ
فَبَحْرُ الْكَمالِ كَمَوْجٍ عَظيمٍ • حَراكٌ تَتابَعَ دونَ انْتِهاءْ
فَيَأْتي الزِّحافُ عَلى ذا الْحَراكِ • فَيَغْدو سُكونًا، وَيَحْلو الْغِناءْ
فَحِزْتُ السَّكينَةَ في الشِّعْرِ كَنْزًا • كَفَجْرٍ أَتى بَعْدَ طولِ الْعِشاءْ
أَنارَ الظَّلامَ، وَأَحْيا الْفُؤادَ • وَكانَ لِداءِ الْعَليلِ الدَّواءْ
كَعَنْقاءَ مِنْ تَحْتِ كَوْمِ الرَّمادِ • أَقومُ أُحَلِّقُ فَوْقَ الْفَضاءْ