الجمعة 19 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

الحفيد

لوحة ليان ستين
لوحة ليان ستين

وفى الجولات التفقدية للحفيد، وعبثه بمحتويات الجد.. إذ به يعثر على عصا قديمة وجدها ضمن مقتنيات جده، فاغتبط بها كثيرًا، كأنه عثر على كنز ثمين، وراح يجرها، فلقد كانت تلك العصا تفوقه طولًا، إلا أنه راح يجرها فرحًا ومصدرًا أصواتًا كأنه يغنى ويحاول أن يركبها..! 

هنا استفاق الجد من نومه وجفناه ما زالا ثقيلين، فنظر إلى حفيده، فكاد أن يكون مغمض العينين، حتى إذا انطبقت صورة الطفل فى عينيه، فينهض الجد جالسًا بصعوبة بالغة، وقد غلبته ابتسامته ومداعباته لحفيده الشقى على كل آلامه.. فناداه الجد وأسرع إليه حفيده وأخذه الجد فى عناق شديد وأمطره بالقبلات الكثيرة والحفيد يحاول الإفلات من هذه الشحنة العاطفية التى عطلته عن لعبه.. وعلى التو وضع الجد العصا بين ساقى حفيده، وطلب منه أن ينطلق بها وكأنها حصان يمتطيه، ففرح الحفيد بتلك الفكرة، وصار يصول ويجول داخل شقة جده فرحًا ومصدرًا أصواتًا أخرى، لكنها فى هذه المرة أصوات متجانسة ومتناغمة، والجد يقهقه حتى تعب تمامًا، وتلاحقت أنفاسه، وأسند ظهره للمقعد، وارتكزت عيناه على حفيده، وغرق فى تفكيره، وتذكر على التو صباه، حين كان يأخذ عودًا من أعواد الذرة الجافة والمتينة، ويضعها بين ساقيه، ويعدو بها ويمرح بين أرجاء القرية، ويصهل كما يصهل الحصان، ويعلو وينخفض، ويندفع للأمام كالفارس المغوار، ويتراجع للخلف كأنما يشد لجام حصانه.. وفى كل مرة ينكسر عود الذرة، ويعود إلى بيته حزينًا كالفارس المهزوم.. هنا يفيق الجد، ويكف عن سبحانه فى نهر ذكرياته، ويسحب بهدوء العصا من بين ساقى حفيده، حتى لا تستنفد قواه، فيسقط مرهقًا، فعصاه أصلب عودًا من عصا الذرة، هو لا يريد أن يرى انهزامًا جديدًا، يمتد إلى حفيده، وراح يردد:

فى صباى هزمتنى عصاى، والآن لا أريد أن تهزم العصا حفيدى.