الجمعة 19 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

أرق على أرق على أرق

لوحة لألكساندرا واليزويسكا
لوحة لألكساندرا واليزويسكا

«ليل الشتا طويل مثل أغنية حزينة» أخذت تلك الكلمات تسرى فى وجدانى حتى قبل أن أهم بمحاولة النوم.

الشتاء قد هجم بصقيعه، وأنا ألوذ باللحاف والبطانية، ولم أتمكن من الاستعانه بالترانزستور الصغير كى يتسرب النعاس إلىّ، كالعادة فرغت بطارياته وتركنى وحيدًا وسط الظلمة، غير متمكن من إضاءة النور للقراءة أو مشاهدة التليفزيون، ثلاث ساعات كاملة أو أكثر دون فائدة فكرت فى استخدام الطريقة التى سمعتها فى شبابى من مذيع لامع وكاتب قصة فاشل، وهى أن أعد من واحد حتى ألف أكثر من مرة حتى يأتى النعاس، أتقلب دون فائدة، أستعيد خيباتى طوال اليوم؛ صور كل النساء اللاتى عرفتهن فى حياتى، كل المشاهد العالقة باللا وعى طوال عمر طويل خائب فى بلد خائب، أفكر بأن هذا الأرق لا يأتى من فراغ، هو تراكم خيبات وعدم تحقق، ثم آلام العظام المصاحب للشيخوخة، وكان لا بد أن أجد إجابة لهذا اللغز الذى يراودنى قبل النوم ويزيد الأرق؛ ما العلاقة الغامضة بين ميكروفون رجل الروبابكيا ونواح الكلب الأسود الضخم فى الشقة التى تحتى مباشرة؟، ما أن يمر الرجل قبيل الغروب يوميًا ويبدأ ميكروفونه فى النداء يتبعه مباشرة صوت الكلب ليس نباحًا لكنه أنين، أنين طويل وحاد كأنه نداء آلى مجهول لا أعرفه، ويستمر فى النداء حتى يكف رجل الروبابكيا ويصمت الميكروفون فيصمت الكلب، لكن يظل نداؤه المرير بلا إجابة يتردد داخلى حتى أذهب إلى السرير، ساعتها يبدأ الغراب الساكن شجرة المانجو الكثيف خلف نافذتى فى النعيق، نداء آخر إلى مجهول، أصوات تتجمع معًا وتملأ خزان الذكريات، حتى أنها تبدأ فى التسرب إلى أذنى مثل نقط مستمرة لحنفية ماء خربة، صانعًا كل ذلك الأرق، هذا الخواء، حتى أن النوم لم يعد يريح جسدى بل يزيده ألمًا، ثم يحدث ما كنت أخشاه؛ بداية تكون البول فى المثانة وإعلانه عن رغبته فى الخروج وخوفى من البرد الشديد الذى يحاصرنى عند ذهابى إلى الحمام وترددى فى الذهاب، تداعب عينى شذرات النعاس ورغبة التبول تدغدغ أعضائى، جزء من جسدى يزيح الغطاء ويتجه نحو الحمام، بينما استسلم للنعاس القادم، أتمدد، يداعبنى شبه حلم لا أتيقن.. هل ذهبت إلى الحمام أم ما زلت نائم؛ إذا كنت قد ذهبت فمن ينام الآن فوق السرير مثل كابوس مخيف، بغتة يشملنى هدوء، وسكينة، أصوات شفيفة تأتى، نداءات حزينة، حوريات تتجسد، أزهار تتفتح. ولم أكن متأكدًا من أن ذلك نوم جديد أم نوم نهائى، نهائى وطويل مثل ليل الشتاء.