الجمعة 12 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

الخروج إلى الهامش

لوحة لوضاح مهدي
لوحة لوضاح مهدي

رفعت الغطاء عن وجهى وأنا أتمتم لن يسبقنى أحدٌ بعد اليوم.. 

الطريق بعد صلاة الفجر من سريرى حتى آخر رصيف الميناء تعودنى؛ حيث أجتر فيه ذكريات عمرى وأعيشها كأنها الآن، وأنا أسير فيه هرولة مسافات تطول وتطول. رياضتى المفضلة الهرولة ذهابًا وإيابًا فى هذا الطريق عدة مرات؛ لا أحصيها، لكننى حين أتعب أتوقف وأعود إلى نومى. 

الليلة مختلفة تمامًا؛ الطريق زحام.. شباب وشابات فى ريعان شبابهم يتراصون فى جدل ونقاش. اقتربت منهم فى استغراب. 

ــ صباح الخير.

التفت بعضهم لى ولم ينطق أحد. عادوا يتحاورون فيما يبدو أنهم عليه فى خلاف.. 

ــ صباح الخير؛ مرة ثانية بصوت أعلى. 

لاحظنى كبيرهم؛ شاب فارع الطول مفتول العضلات، تقدم ناحيتى: 

ــ صباح الخير يا حاجة.. أى خدمة؟

ــ أشكرك.. إيه الحكاية.. كل ليلة أنا فى هذا الطريق ولا أحد غيرى فيه.. من أنتم؟

تبسم فى وجهى وهو يقول:

ــ نحن فريق من العقلاء قررنا اليوم سباقًا للجرى هنا، جائزته أن يتوج أو تتوج من تفوز به ملكة على الجميع، ونقيم له أو لها حفلًا لائقًا؛ إنه التحدى الجميل سيدتى.

ــ جميل يا ولدى.. سباق للجرى هنا.. أنا أتريض هنا كل ليلة فى مثل هذا الوقت، أقيم سباقًا بينى وبين نفسى. 

ضحك فى بشاشة وهو يقول:

ــ الليلة إجازة لكِ يا حاجة.

ــ إجازة.. فشر! 

ــ يعنى إيه؟!

ــ يعنى أنا معاكم.. ادخلونى فى السباق 

ــ بتقولى إيه يا حاجة.. ده سباق شباب لا مؤاخذة.

ــ أنا موافقة على المشاركة. 

ــ مش حكاية موافقتك.. أنتِ الحمد لله مش هتقدرى.

قلت بإصرار وقوة: فشر.. أنا مصرة على المشاركة.

لم ألحظ وأنا أتكلم أن صوتى يعلو شيئًا فشيئًا، وأن الشباب راحوا يتجمعون من حولى، ودب الصمت بينهم.. كلهم ينصتون لما أقول: «أيوه مُصرة إصرارًا وعنادًا.. أنا هشارك معاكم». 

صوت صافرة عالية. انتفض الشباب وتراصوا فى صف أفقى. رحت أزاحمهم فى الصف.. قال لى أحدهم: «حرام عليكِ.. مش هتقدرى يا تيتة».

ــ تيتة نعم.. لكننى سوف أبقى بكامل قواى.. لن أخرج أبدًا من الصف، لن أخرج إلى رصيف أو هامش.. سأبقى دائمًا كما كنت قوية قادرة طموحة فاعلة. 

صافرة طويلة.. وصوت جهورى: انطلقوا.

انطلقت معهم وإذ بى أنطلق فيما يشبه العوم فى الهواء.. لا تحملنى قدماى إنما أطير مثل لاعبة باليه فى الجو، وإلى الأمام بسرعة فائقة، أرانى كما طائر يرفرف فى فرح وتحدٍ.. اقتربت من خط النهاية، التفت للخلف لم أجد أحدًا بقربى، كلهم أبعد بكثير. ضحكت فى خيلاء، وأكملت إلى خط النهاية، مزقت الحبل المشدود. صرخ الجميع فرحين ممن كانوا ينتظرون النتيجة.. وسمعت صوت يصرخ: «الملكة.. الملكة»، وإذا بآخرين يقبلون نحوى ويصطحبوننى إلى منصة ومقعد أبيض وثير، بينما راح أكبرهم سنًّا ووقارًا يتقدم نحوى وبين يديه ما يشبه التاج، ثم يضعه على رأسى بينما يصفق الجميع ويهللون، ثم استدار كبيرهم قائلًا: «إلى الحفل»، وإذ بشاب جميل المحيا يعزف على عوده أعذب الألحان، ويغنى بينما يتمايل الجميع طربًا. 

وقفت منتصبة فى تحدٍ، وأشرت لهم.. توقفت الموسيقى وصمت الجميع لسماعى؛ قلت: «أنا الملكة.. لن أخرج للهامش أبدًا».