الجمعة 19 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

ميراثُ العرفان

لوحة لشادي أبو سعدة
لوحة لشادي أبو سعدة

الصعود تجاه المستحيل يلزمه الثبات على كل درجة تخطوها الحقيقة، والمحال بوادى عبقر يلبس ثيابًا فضفاضة بسحر الإرادة.. جدتى التى لمْ تقرأ كتابًا تستطيع أن تفسر ما بداخلك من قطفة لنظراتِك.. كنتُ أرافقها طمعًا فى سخاء مَن يقابلها.. مَن يرانى بجوارها تنفرط عطاياه بما لذّ وطاب، وهى تنظر إلىَّ مبتسمة قائلة: العرفان.. العرفان. 

كنتُ أخشى فقد هذا الكنز، وكلما تخيلتُ ذلك أبكى وكأننى أغرف الدموع من بئر زمزم، أتذكر عندما عاقبنى والدى قائلًا: جدتك ستموت الليلة بسبب شقاوتك، ظللتُ أنا وهى ثلاثة أيام لا ترى أعيننا النوم، وهى بين الفينة والأخرى تأخذنى لصدرها قائلة: الموت صغير جدًا على مَن يبحثُ عن لقائه، وكبير على الصغار الذين يبكون الحياة.. لا تبكِ حتى لا يسمعنا.. عادتْ ابتسامتى كبيرة وفرَتْ هى بحكمتها لوجدنى، وتبقى لى ميراث العرفان. 

مذاق الرحمة يكبر بفمى حينما أردُ شيئًا قليلًا لأولئك الذين كانوا يضعون فواكه النجاح برداء الصبر.. ساعات أسامرُ الجميل، وأميلُ للبخيل علّه يتذكر نفسه بشىء من العطاء فيصلنى، وأوقات كثيرة أجدنى أجود بالسداد فأتصدقُ على ذاتى بالتواضع. 

اليوم وأنا أبحثُ بين أحفادها عن قبرها لا أجده على الرغم من أننا بنفسِ البلدة، ولم تتغير سوى الملامح، أسألُ الجميع إلا والدى، كلما اقتربتُ أتذكر موقفه.... أقفُ على قبره أقرأ الفاتحة، فأسقطُ بحضنها باكيًّا.