الجمعة 12 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

جيراننا الجدد

لوحة لسعد يكن
لوحة لسعد يكن

على ناصية بيتنا من الجهة الجنوبية سكن جيران جدد، اشتروا المنزل ذا الطابقين، بعد فترة ساروا يدعون فى منطقتنا باسم «الغجر»، وكانت هذه التسمية فى ذاكرتى تطلق على من يسكن الخلاء ويكونون من الرُحَّل؛ غير مقيمين، هكذا تعلمنا فى دروس الجغرافيا، تابعتهم عن قرب فعرفت أن رجالهم لا يعملون، وكانت تختفى نساؤهم فترة من الوقت، يقولون إنهن يعملن فى أماكن بعيدة ويحصلن على أموال كثيرة، حتى إن البعض قال إنهن يسافرن خارج البلاد، ويظللن فترة صيف أو شتاء كامل حتى ننسى أنهن جارتنا، ثم يعدن بصحبة نساء أخريات يمكثن معهن أسبوعًا أو أقل، والذى يبقى ولا يسافر أبدًا هو الرجل وأولاده الذكور.. 

ملامحهم المميزة وبشرتهم الداكنة وأصواتهم العالية كانت تعطى لهم سمتًا خاصًا بهم عن كل سكان الشارع، أما عن مشاجراتهم فكانت أصواتهم المرتفعة كصفارة إنذار لحرب دائمة وليل يطول ولا يظهر له نهار أبدًا.. 

الكل يصمت ويبتعد عنهم ولا يستطع أحد حتى أن ينظر فى الشارع ليشاهدوا ما يفعل بعضهم ببعض؛ لأنهم ببساطة سوف يتركون ما هم فيه ويتطاولون عليه وعلى من يشاهدهم، فكنا نغلق شرفاتنا حتى يحط على أكتافهم التعب.

وأما السير بالقرب من بيتهم فى الأوقات العادية يعنى أنه قد يسبك أحدهم لمجرد أنك نظرت فى اتجاهه، بينما كان لضحكاتهم العالية صدى وجلجلة تؤرق الجيران الملاصقين لهم، وفى الصيف يفترشون أمام البيت يتسامرون إلى قرب أذان الفجر، وكان لهم كلب أسود ينبح دون سبب.. لم أقترب منهم وكنت أخشاهم وكان بين بيتى وبيتهم بيت؛ وقد جعلنى هذا فى مأمن من القرب المباشر لهم.. 

ظل حالهم مع شارعنا مثل طلوع الشمس وغروبها، حتى مات الأب والابن فجأة فى حادثة على الطريق الدائرى، وفرد الليل جناحه على بيتهم، وخفتت أصواتهم، وجف نبع شجارهم، وفى الصباح الباكر فى بداية الخريف رأيت المرأة الثكلى تبدو كعود يابس من الحزن؛ تهزها الريح من كل جانب، ترتدى عباءة سوداء وطرحة سوداء وتتساقط منها دموع سوداء.. نظرت إليها فنظرت إلىّ، اقتربت منها، فتعلقت عيونها بى، اقتربت أكثر حتى تماس جسدى مع جسدها، ووجدتها تسقط فى حضنى كورقة جافة يابسة، التفت ذراعى حولها، ترتجف من البكاء، فضممتها إلى صدرى ودرت بها فى فضاء اتسع لنا أنا وهى والجيران.