الجمعة 12 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

أدباء بورسعيد 1.. بيت البحر

بورسعيد
بورسعيد

لو انتقى البحر بيتًا لاختار بورسعيد، فهى ربيبته وابنته المفضلة الملفوفة بالماء والماس من ثالوث السحر والخلود: البحر والبحيرة والقناة.

يوم أن التقى البحران الأبيض والأحمر طلت بورسعيد على العالم فى نسختها الأحدث والأجمل.. ربما سبقتها مدن أخرى «برامون، بيلوز، الفرما، تنيس» مدن خرجت من رحم البحر واستقرت تحت زرقة السماء فى بقع قريبة من مكان المدينة الحالى لكن تظل لحظة ضرب أول معول فى السادس والعشرين من شهر أبريل عام ١٨٥٩هى اللحظة الفاصلة والحاسمة فى تاريخ ميلاد المدينة، ولا تعادل أهميتها لحظة سوى لحظة افتتاح القناة عام ١٨٦٩ بعد عشر سنوات ارتوت بأحلام المصريين فى صناعة تاريخ جديد للعالم كله وليس لمصر وحدها. 

ومع أول وميض ليوم السابع عشر من نوفمبر عام ١٨٦٩ خرجت بورسعيد من أجمل أصداف البحر لتصير ناصية العالم وواجهته وبوصلة أحداثه الأهم طوال القرنين التاسع عشر والعشرين، ولعل الأحداث التاريخية الكبرى خلال القرنين المنصرمين شاهدة على ذلك، خاصة أثناء ثورة ١٩١٩ التى شارك فيها أبناء بورسعيد جموع الشعب المصرى فى المطالبة بالاستقلال والتنديد بالاستعمار، بل قاوموا المحتل حين قرر اللورد «أللنبى» نفى سعد زغلول إلى جزيرة سيشل عام ١٩٢١، وتجمع أبناء المدينة قاطبة لوداعه من ميناء بورسعيد وسقط من بينهم سبعة شهداء فى مصادمات عنيفة مع جيش الاحتلال ليثبتوا أن الشعب يقف صفًا واحدًا خلف أيقونة الثورة «سعد زغلول»، ويبدأ تقويم نضال المدينة الوليدة بتحويل «أللنبى»، مندوب الاحتلال البريطانى، إلى أشهر دُمية من القش فى مصر كلها، وتحوّل طقس حرقه فى شم النسيم من كل عام إلى الظاهرة الأهم فى تاريخ المدينة، خاصة أن طقس الحرق صار صورة رمزية لرفض الظلم والقهر والعدوان فى الفترات اللاحقة وحتى لحظتنا الراهنة.. ومن بعدها تصدرت بورسعيد أخبار العالم خاصة أثناء معاهدة ١٩٣٦ وتمركز جيوش الاحتلال فى مدن القناة، وحين أُلغيت المعاهدة عام ١٩٥١ تحوّلت مدن القناة، ومنها بورسعيد، إلى مدن من نار لمقاومة المحتل، لتندلع بعدها ثورة يوليو عام ١٩٥٢ وتؤمم القناة عام ١٩٥٦، وتقاوم بورسعيد العدوان الثلاثى الذى جثم على أرضها وخرج منها مقهورًا منهزمًا، وتصير المدينة بعدها خط الدفاع الأول عن تراب مصر الوطنى سواء أثناء نكسة يونيو ١٩٦٧ أو حرب الاستنزاف أو حرب أكتوبر ١٩٧٣، ويدفع أبناؤها ضريبة الدم سواء بالمشاركة فى الحرب أو بالتهجير بعيدًا عن مدينة القلب والمولد لست سنوات سوداء.

كل تلك الأحداث صبغت بورسعيد بصبغة المقاومة والصمود والتحدى والإيمان بقدسية التراب الوطنى والدفاع عنه.. وكان تاريخ الأدب والفن انعاكسًا لتاريخ المدينة، فالمدينة، الاستثناء، التى بدأت كمدينة متعددة الثقافات «كوزمباليتنية» تضم بين جانباتها المصرى واليونانى والفرنسى والإيطالى والمالطى والقبرصى والشامى.. وغيرهم، عرفت أجناسها المختلفة والمتعددة التجمعات الأدبية والثقافية، وما زالت هناك بعض الأماكن شاهدة كـ«أطلال» على تلك الفترة مثل «الجمعية اليونانية، مسرح الألترا، سينما الألدرادو، نادى المسرح، القنصلية الإيطالية» هذا غير ست عشرة سينما تلألأت بأنوار المدينة الصغيرة وانطفأت جميعها الآن، منها «الألدرادو، شانتكلير باتيه، عباس، أمبير، ريو، ريالتو، فاروف، فريال، الكورسال، الكوزموجراف، ماجستيك، الحرية، الأهلى، مصر، الشرق»، وستة مسارح منها: مسارح الألترا «مسرح الفرقة الإقليمية حاليًا»، والألدرادو، والصيفى، ونادى العمال.. ويقينًا عرفت المدينة عند نشأتها كل الفنون الإبداعية من شعر وسرد، والفنون الأدائية من مسرح وموسيقى وغناء، وتفردت بالسبق فى فن السينما حين بزغت أنوار سينما الألدرادو عام ١٨٩٨ بعد فترة وجيزة جدًا من بزوغها فى باريس والإسكندرية والقاهرة عام ١٨٩٦م.

وهناك شواهد عديدة حول التجمعات الأدبية والفنية التى انتشرت بين الجاليات الأجنبية، لكن لم تحظ تلك الفترة بدراسات وافية، خاصة أنها لم تشهد وجود أدباء غربيين كبار كتبوا عن المدينة؛ مثلما كتب الشاعر اليونانى كفافيس «١٨٦٣- ١٩٣٣» أو الكاتب والروائى الإنجليزى لورانس درايل «١٩١٢- ١٩٩٠» الذى كتب رباعية الإسكندرية الشهيرة.. ومن الممكن توثيق تاريخ الحركة الأدبية والثقافية فى بورسعيد فى فترة ما بعد النشأة الأولى «افتتاح القناة وحتى ثلاثينيات القرن العشرين» وتحديدًا منذ سنة ١٩٤٨ حين أُنشئت الجامعة الشعبية التى تحوّلت فيما بعد إلى الثقافة الجماهيرية عام ١٩٦٥، وذلك مرجعه إلى طبيعة الحياة الثقافية والفنية فى المدن الصغيرة التى كانت، وما زالت، مجرد نبع من ينابيع العاصمة المفعمة بالأضواء والمكتفية بمن فيها من أهل الكلمة والحرف، ولعل تجربة الشاعر الرائد عبدالرحمن شكرى «١٨٨٦- ١٩٥٨» أبلغ الأمثلة على ذلك، إذ لولا مشاركته فى مدرسة الديوان الشعرية الشهيرة، مع رفيقيه الكبيرين عباس محمود العقاد وعبدالقادر المازنى، لظل أسيرًا لأحلامه داخل مدينته الصغيرة التى تركن بجوار البحر بعيدًا عن مصدر الضوء فى القاهرة.

كان توثيق الحركة الأدبية فى بورسعيد ملازمًا لنشأة بعض المؤسسات الأهلية والرسمية مثل «الجامعة الشعبية، الثقافة الجماهيرية، نادى المسرح، نادى العمال، الأحزاب السياسية باختلاف توجهاتها، وبعض الصالونات الأدبية الخاصة».. ويمكننا أن نوجز تاريخ الأدب فى بورسعيد فى مجموعة من الأجيال، أولها جيل الرواد وأبرزهم «حامد البلاسى، محمد صالح الخولانى، محمد فايز جلال» فى شعر الفصحى، وإن جمع الشاعر الكبير حامد البلاسى بين نوعى الشعر العامى والفصيح، وفى شعر العامية يدين شعراء بورسعيد بالجميل للشاعر الاستثنائى حلمى الساعى الذى لم يترك دواوين منشورة لكنه ترك نبعًا شعريًا لا ينضب لكل شعراء مدينة البحر، كما نبغ شاعر المقاومة الكبير كامل عيد، وفى السرد يتبوأ القاص البديع مصطفى حجاب مقام الريادة بمجموعته الفارقة «شىء من القمر»، ومن بعده القاص الساحر أحمد عوض بمجموعته الساحرة «إيقاعات متداخلة». 

وبعد جيل الرواد يأتى جيل الأساتذة الراسخين الذين قدموا إسهامات مهمة ولافتة فى كل فنون الأدب من شعر وسرد، وتجاوزوا بإبداعاتهم سماء المدينة الضيقة إلى رحابة عالم الأدب فى كل ربوع مصر، ويكفى أن نذكر من بينهم علامات مضيئة مثل «قاسم مسعد عليوة، زكريا رضوان، السيد زرد» فى السرد، و«السيد الخميسى ومحمد يونس ومحمد سعد بيومى ومحمد المغربى وسامح درويش ومصطفى اللبان» فى شعر الفصحى، و«محمد عبدالقادر وإبراهيم البانى وعبدالفتاح البيه وعبدالقادر مرسى» فى شعر العامية.

وتسلم راية الإبداع من الأساتذة جيل من أهم أجيال مدينة البحر وأعنى به جيل الثمانينيات أو جيل الأحلام المسروقة الذى أفنى روحه عشقًا فى الكتابة واحترق بنارها المقدسة، وضنت عليه مشوقته بوهجها وضوئها، بالرغم من أنهم كانوا بحق أبطال تحرير طليعيين حرروا الكتابة من رتابتها وسكونها وحفروا فى اللغة وخرجوا من بئرها بعناقيد ساحرة فى كل فنون الكتابة، لكنهم غابوا جميعًا تحت وطأة وقهر الحياة أبرزهم «محمد حامد السلامونى، صلاح زكريا، أحمد عبدالحميد، إبراهيم أبوحجة، صلاح عساف، أحمد سليمان، محمد النادى». 

وبالطبع هناك أدباء خارج تلك المجموعات وتميزوا بتجارب خاصة وفريدة وأثروا تأثيرًا بالغًا وحقيقيًا فى الحركة الأدبية ببورسعيد منهم «السعيد صالح، إبراهيم صالح، عاطف عبدالرحمن، محمد عبده العباسى، محمد حجازى، إبراهيم سكرانة، السيد منصور، أسامة المصرى، محمد حافظ، سعد الزكى، عبده العباسى، أحمد السيد».. وسأتوقف فى المقال عند جيل الثمانينيات بالرغم من أن أمواج البحر لم تتوقف يومًا عن الدفع بأدباء وفنانين جدد، حتى أننى حاولت إحصاءهم ابتداءً من جيلى وما تلته من أجيال فوجدتهم قد تجاوزوا المائة فى تلك المدينة المنجبة، فرأيت أن نشر نصوصهم بمثابة بطاقة تعريفهم للقارئ، ولست أنا لأن كثيرًا منهم يستحق دراسة كاشفة ومطولة تخصه وحده.. والنصوص المرفقة بالمقال هى أولى قطرات الغيث فى مدينة تمطر فنًا وإبداعًا.