الأحد 14 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

ظل بلا ظل

حرف

أحكمت غلق الإناء وضغطت على الثقل بيدى، ولكن كان الصفير عاليًا متلاحقًا يكاد يدغدغ عظام رأسى حين رأيته منشغلًا بتلميع صورة أبيه المحفورة فى مرآة عينيه، رحت أضم حبات كبدى المبدورة على الأرض إلى قلبى الموثوق بحبال الصبر أخيط فمى وأضع لفافات القطن فى أذنى، وأسدل جفونى حتى منتصف عينى وأنا أنظر إلى الشباك المغلق والسوط المعلق بجوار السرير، كنت أحدق فى صورة أبيه ذى العمامة الكبيرة والشوارب المبرومة التى تكاد تمر على عينيه حتى تلتحم بحاجبيه وأرتعد، كل شىء يسلب منى دون إرادتى كنت أرده إلى القدر كى أستريح ولم أعترف بتفسير الأشياء بداخلى بل أخفيها حتى عنى. 

ما دام كل شىء مقدر فلا بد للعقل أن يستريح وللمشاعر أن تتوارى وللأحاسيس أن تخذل حتى تسير الأمور ولتذهب الإرادة إلى الجحيم. أغلقت الكتب وأرحتها على الرفوف حتى يظل نظيفًا طازجًا وأظفر بالنعيم لكنه لم يسترح كلما رآنى أزيح التراب عنها جذب السوط وضربنى. يقول هى التى أفسدت عقلى، فتنفلت منى الصرخات ومسرعًا يضع يده على فمى ليكتمها فتسقط حبيسة فى قاع صدرى ويظن أنها ماتت، ألملم حبات قلبى الخائفة أضمها إلى صدرى وكلماته الجارحة تتعارك فى دمى مع صرخات القطة التى يذبحها كل يوم أمامى فيزداد الصفير لبست ثوب السكوت وألقيت بنفسى فى بحور الصمت الباردة قال بأننى عاقلة!! وقال الناس بأننى معذورة!! وقال الطبيب تعايشى مع الواقع. 

رحت أضرب برأسى فى صخوره الجامدة وهو يمد يديه يحجب الشمس عنى يقشعر جسدى وتزداد الرعشات فتتقلص أطرافى وأنكمش بداخلى ويزداد الصفير، وقفت خلف زجاج الشباك المغلق أمسح عنه الضباب بيدى وأتابع النهر الذى يسير بجوار جنازة أمى اختلطت دموعى الساخنة بابتسامة ساخرة ولم أطلق صرخة واحدة كان رنين كلماتها يرن فى أذنى، رحت أسأل نفسى بأى ظل تستظل هى الآن؟.. بظل رجل أم بظل حائط؟.. علت ضحكاتى من الذين يولولون ويصرخون، إنهم مجانين مثلى، لا يعرفون كيف يتعاملون مع الواقع!! 

نظرت فى المرآة فأنكرتنى، رحت أفتش عنى فلم أجدنى، فقط رائحة الكتب حمم لن تهدأ بدمى تكاد تفتق شرايينى. تطلعت إلى الرفوف وقلت: من اليوم سوف أنكش شعرى، وأمزق ملابسى، وأحطم كل من يُعوـق طريقى، وأضرب كل من يعترضنى!! 

وقفت على الكرسى العالى وأزحت التراب عنها فوجدتنى هناك، بشوق السنين ضممتها وضمتنى، أنزلتها من فوق وتناولت منها كتابًا حين رآنى جذب السوط وأقبل على يضربنى، فازداد الغليان وضغطت الأبخرة على الثقل فطار وانفجر الإناء يلقى بما فيه فتناثرت الصرخات السجينة من زمن بعيد وتدفقت تخترق الجدران والنوافذ وانطلقت تدوى فى عنان السماء حاول كتمها بيديه فلم يستطع راح ينهال على بالضرب فتزداد الصرخات وتزداد فأسقط على الأرض وأظل أزحف وأزحف والكتاب بيدى مضمومًا إلى صدرى وهو يضرب ويضرب وأنا أزحف وأصرخ حتى أصل إلى الحائط العريان وأستظل بظله.