حديث بلا مصالح.. محسن عبدالعزيز: أساتذة الجامعات وباء وكارثة على جوائز الدولة.. والموظفون سرطان وزارة الثقافة
- فوز منى الحديدى بجائزة التفوق جريمة قتل مع سبق الإصرار والترصد للثقافة المصرية
- لم يحدث فى التاريخ أن فازت بجائزة الدولة شخصيةٌ ليس لها كتاب واحد
- هل يُعقل أن تفوز سيدة ليس لها كتاب فقط لأنها تلميذة مدير مكتبة الإسكندرية؟
- الكارثة الكبرى أن مكتبة الإسكندرية هى مَن قامت بهذا الترشيح
- الكل أخطأ من الموظف الذى قَبِل الأوراق للجنة الفحص إلى المجلس الذى صوّت
- الأخطر أن منى الحديدى حكّمت جائزة التفوق لـ3 دورات سابقة!
- لا أشكك فى الفائزين السابقين.. لكن الكارثة أنهم والمحكّمين «أصحاب»
- التحكيم تخطى كل الأعراف ووصل إلى حدود التجبّر والقسوة والفُجْر
منذ أن أعلن المجلس الأعلى للثقافة عن فوز الدكتورة منى الحديدى بجائزة الدولة للتفوق فى العلوم الاجتماعية، انتفض الكاتب الصحفى محسن عبدالعزيز، معترضًا على هذه النتيجة، فكتب عدة مقالات بـ«الأهرام» وعلى صفحته الشخصية، منددًا بفوز مرشحة لا تنطبق عليها شروط الجائزة، وليس لها كتاب واحد.
انتفاضة محسن عبدالعزيز كانت نابعة من عدة تساؤلات أطلقها عنها فى كتاباته، أبرزها كيف تصل الثقافة المصرية إلى هذا الحضيض، وهى التى أنجبت طه حسين والعقاد ونجيب محفوظ والحكيم وغيرهم؟!
صرخة «محسن» لم تذهب أدراج الرياح، فتلقفها الوسط الثقافى الذى كان يغلى من الداخل، فدخلت المعترك مجلات أدبية وكتّاب وشعراء، من أجل تصحيح أخطاء ما كانت لتحدث لولا سيطرة مَن وصفهم البعض بـ«الموظفين وبعض الأكاديميين على شئون الثقافة».
حاول محسن عبدالعزيز تصحيح هذا المسار، فكتب وشرح وجهة نظره، وكان علينا فى «حرف» أن نلتقيه لفهم الموضوع من كل زواياه، فأثمر اللقاء عن الحوار التالى.

■ لماذا قمتَ بحملة صحفية لسحب جائزة التفوق فى العلوم الاجتماعية من د. منى الحديدى؟
- حين أُعلنت القائمة القصيرة وعرفت أن الدكتورة منى الحديدى وصلت القائمة القصيرة بدأت أسأل أصحابى وزملائى فى الوسط الثقافى عن إنتاجها، فأجمع الكل على أنه ليس لها إنتاج، أو لا يعرفون أن لها إنتاجًا. فانشغلت بهذا الموضوع وحققت فيه، إلى أن تأكدت من عدم وجود أى مؤلفات لها.
نحن نعرف أن جوائز الدولة ربما تكون فيها نسبة من المجاملات، لاختلاف الذائقة الشخصية، والثقافة للمحكّمين، وهى أمور يمكن قبولها، لكن هذه المرة حدث خطأ يصل إلى حد الخطيئة، بل جريمة ثقافية مكتملة الأركان؛ حين تفوز بجائزة الدولة شخصيةٌ ليس لها كتاب واحد، وهى لم تحدث فى تاريخ الثقافة المصرية بهذه الطريقة الفجة.
شىء يذكرك بالفنان أحمد زكى فى فيلم «ضد الحكومة» عندما قال: «اتصدمت بحالة شديدة الخصوصية»، هى فعلًا حالة شديدة الندرة، لم تحدث من قبل أبدًا.
فهى تحمل استهانة بالمثقفين، والمبدعين، استهانة بالعقل المصرى. مصر التى علّمت الدنيا بالكتاب، وأنشأت الحضارة وازدهرت على أرضها، من المستحيل أن تفوز واحدة بجوائز الدولة وليس لها كتاب! لكن للأسف المستحيل حدث!

■ هاجمت مكتبة الإسكندرية بضراوة.. لماذا؟
- الكارثة الكبرى أن تقوم مكتبة الإسكندرية بهذا الترشيح، فالمكتبة صاحبة أطول رحلة فى العالم مع الكتاب تكاد تضعه فى مكان قدسى، هى التى ترشح شخصية ليس لها كتاب!، هذا أصابنى بصدمة مركّبة.
الأخطر من هذا عندما علمت أنها كانت تُحكِّم لثلاث دورات فى جوائز التفوق، وهذه مسألة غريبة جدًا، يعنى واحدة ليس لها كتاب وتُحكِّم لكتّاب ومفكرين ومثقفين. وهذا يلقى بأسئلة حول الموضوعية التى حكّمت بها الجوائز السابقة، ولا أريد القول بالتشكيك فى الفائزين، فهذا ليس ذنبهم، لكن عندما نعرف أنهم مجموعة من الأصحاب يصبح الأمر كارثة.
المسألة شديدة الخطورة، هل هو انقلاب فى المعايير؟ انقلاب فى المقاييس؟ انقلاب فى الأسس؟ أنا فى صدمة، صدمة غير قادر على استيعابها حتى اللحظة.

■ هل تعتقد أن العلاقات والتربيطات تحكّمت فى إعلان جوائز هذا العام؟
- طبعًا العلاقات موجودة طوال الوقت، لكن ليس إلى هذه الدرجة، فالمسألة هذا العام تخطت كل الحدود والأعراف والقيم، ففيها تجبّر وقسوة وفُجْر وفيها لا مبالاة.
نحن أصبحنا نعانى من غياب العقل الثقافى الكبير فى وزارة الثقافة أو الهيئات الثقافية، ولا أريد القول إن من يجلس فى كرسى المجلس الأعلى للثقافة لا يعرف أى شىء عن المثقفين ولا كتبهم، هناك سيطرة كاملة لمجموعة من الموظفين على مقدرات الثقافة.
■ مَن المسئول عن الخطأ فى جوائز الدولة بشكل مباشر؟
- اللوائح وتراتبية لجان الجائزة تهدر دم أى أحد، وتجعل من المستحيل محاسبة أحد بشكل مباشر، فإذا سألت لماذا لم يفُز جار النبى الحلو مثلًا، فمن الممكن أن تقع المسئولية على عاتق المجلس الأعلى للثقافة، وإذا سألت أعضاء المجلس فسيقول أغلبهم «أنا صوَّتُ له»، فلا تعرف كيف سقط؛ لأنه لا يوجد مسئول مباشر عن أى خطأ، إلا فى حالة منى الحديدى فالكل مسئول بشكل مباشر، من الموظف الذى قَبِل الأوراق وهى غير مستوفاة شرط الكتب الخمسة، ولجنة الفحص التى صعَّدت من ليس لها كتاب، إلى المجلس الأعلى الذى صوّت على لا شىء. والخطأ الأول والأخير يقع على الدكتور أحمد زايد الذى رشّح وصوّت فى الوقت نفسه. فحالة منى الحديدى اجتمعت فيها كل أركان الخطيئة مكتملة.
■ هناك من ادّعى أنك سخّرت «الأهرام» لحملتك.. فما ردك؟
- الناس تخيلت أن «الأهرام» قامت بحملة صحفية استمرت شهورًا، وهذا ليس صحيحًا، فكل ما فى الأمر أننى كتبت مقالًا شرحت ما حدث. المقال كان صدمة للوسط الثقافى بما حوى من حقائق مفزعة، كان له صدى كبير داخل «الأهرام» وخارجها؛ فكتب الدكتور أسامة الغزالى حرب مقالًا رائعًا فى عموده لانزعاجه مما حدث. بعد ذلك دخلت «حرف»، ثم كتب حمدى رزق عمودين فى «المصرى اليوم»، والدكتور عادل ضرغام فى «الأخبار»، ثم اشتعلت المعركة فى كل الجرائد والمواقع تقريبًا.
نحن فى «الأهرام» كتبنا موضوعًا مهنيًا آخر واحترافيًا جدًا؛ حيث سألنا أمين المجلس الأعلى للثقافة وأعضاء المجلس الأعلى أسئلة عادية جدًا عن الجائزة، والتزمنا بإجاباتهم. ما حدث كان صدى طبيعيًا لما كتبناه نظرًا لحجم الكارثة؛ لأن الناس لم تكن تتخيل أن يكون الخطأ بهذا الشكل الفج، فكان رد الفعل على الحقائق والوقائع التى ذكرتها فى مقالين، الأول بعنوان «أسئلة الجوائز غُصّة فى الحلق»، والثانى «رسميًا الفائزة بالجائزة ليس لها كتاب».
■ بعض الأقلام زعمت أن سبب هجومك على مدير عام مكتبة الإسكندرية أنه رفض ترشيح المكتبة لك.. فما قولك؟
- لم يحدث على الإطلاق أن طلبت من الدكتور أحمد زايد أن يرشحنى. ربما طلب منه أحد الأصدقاء ذلك، وهذا يحدث كثيرًا؛ لأن كل الناس ترشح بعضها، وهذه مسألة عادية جدًا وواردة أيضًا ولا تدين أى أحد.
وهذا الأمر ليس فى صلب الموضوع، فأنا أسأل فى واقعة محددة، أرجو الإجابة: الفائزة ليس لها كتاب واحد، هل هذا صحيح أم خطأ؟
الفكرة ليست فى تقديمى أو عدم تقديمى للجائزة، البعض طلب منى ألا أذكر أننى تقدمت للجائزة، وكأن الأمر سُبّة أو عار، فأنا لم أطلب أن أفوز، أنا طالبت بمقاييس عادلة للجميع، طالبت بمراعاة الشروط، وعدم مخالفتها. المجلس الأعلى وضع فى إعلان الشروط خمسة كتب ثم أعطى الجائزة لواحدة ليس لها كتاب واحد. فأنا لا أسأل لماذا لم أفُز، بل أسأل كيف تخالفون الشروط التى وضعتموها؟
■ مَنْ دعّمك ووقف إلى جانبك فى هذه الحملة؟
- طبعًا أناس كثيرون وقفوا إلى جانبى، بل إن الوسط الثقافى كله انتفض، يعنى حينما خرجت الطلقة انتفض الوسط الثقافى كله. فكما قلت من قبل وقف إلى جانب الحق الدكتور أسامة الغزالى حرب والكاتب حمدى رزق والدكتور عادل ضرغام، و«حرف» و«الأخبار»، وغيرهما من المجلات والجرائد. كما لا أنسى موقف الشاعرين السماح عبدالله وأشرف أبوجليل، والكتّاب: صبحى موسى وسعد القرش وسعاد سليمان وغيرهم، طبعًا لا أستطيع الحصر حتى لا أنسى أسماء.
الخلاصة أن الكثير من المبدعين انتفضوا، فأصبحت حملة، الكل كتب، كثيرون ألحّوا علىّ بأن أطعن وأن أستمر، وكل الإجراءات التى قمت بها كانت بضغط من الأصدقاء فى الوسط الثقافى، حتى إنهم قاموا بعمل ندوة فى نقابة الصحفيين؛ لأنهم كانوا يريدون التوصل إلى حلول.
■ لماذا لم تدعُ الأطراف التى هاجمتها للرد فى «الأهرام» لبيان وجهة نظرها؟
- نحن اتصلنا بالدكتور أحمد زايد، وقد تحدث معه الزميل د. محمود القيعى لمدة نصف ساعة تقريبًا، ولكن فى آخر الحوار طلب منه عدم النشر. وهناك شخصيات كبيرة فى «الأهرام» اتصلت به ليرد أو يعمل حوارًا، لكنه رفض.
أنا نفسى اتصلت بالدكتور محمد غنيم، رئيس لجنة الفحص، تحدثت معه ما يقرب من نصف ساعة، وفى النهاية قال لى «أرجوك، لا تنشر»، والتزمت بما طلب.
والأمر نفسه مع الدكتورة منى الحديدى، اتصل بها أحد الزملاء بالأهرام، ووعدته بالرد عليه مساء، ثم لم ترد لا مساء ولا صباحًا.
كما اتصلنا بالأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، ونشرنا كلامه كما هو بالضبط دون تحريف أو تغيير، كما اتصلنا بأعضاء المجلس الأعلى ونشرنا أقوالهم كما هى، ورغم أن أمين المجلس ذكر بيانات غير حقيقية أملاها عليه الموظفون؛ حيث قال إن لها كتابين، وعندما سألته أين هما الكتابان، رد الموظف وقال: الكتب فى لجنة الفحص، كأنها كتب سرية بلا غلاف ولا صورة، كتب «لابسة طاقية الإخفاء»!
نحن نشتغل بمهنية، و«الأهرام» دعت كل الأطراف للمشاركة، وهم الذين رفضوا، وحتى إذا كانوا لا يريدون أن يتحدثوا لـ«الأهرام» فالمنابر أمامهم مفتوحة، يستطيعون أن يتكلموا فى أى منبر يريدون. فى الحقيقة ليس لديهم ما يقولونه.
■ عندما ذهبت إلى المجلس الأعلى للثقافة واستمعت إلى أمينه العام، هل اقتنعت بكلامه؟
- أمين المجلس الأعلى للثقافة رجل مهذب، لكنه ليس على دراية بالوسط الثقافى كما يجب، وأعتقد أن الموظفين ضللوه، بدليل أننى كنت أجلس معه فى مكتبه جلسة ودية، وسألته كما قلت من قبل عن أسماء الكتابين اللذين ذكرهما فى حواره للأهرام، فذكر له الموظف اشتراك د. منى الحديدى كباحثة من عشرة باحثين على كتاب، والباحث الرئيس فيه د. أحمد زايد. قلت له: هل هذا يصلح لأن يتقدم به صاحبه للجائزة؟ ثم سألته عن الكتاب الثانى؟ فقال الموظف: فى لجنة الفحص. طبعًا هذا كلام لا يصدقه عقل؛ لأنه لو هناك كتاب كنا على الأقل رأينا الغلاف حتى.
■ مرة أخرى.. هل كان هناك تخطيط لفوز منى الحديدى أم حدث الأمر صدفة؟
- ما حدث كان تخطيطًا عبقريًا لجريمة، لو كانوا بذلوه فى إعداد كتب حقيقية كنا استفدنا، وكانت هى فازت بالجائزة. التخطيط بعيد المدى وصل إلى حد استخراج إفادة بأن لها بحثًا من ١٥ سنة من كلية الآداب رغم أن البحث فى كلية الاقتصاد، فلماذا أحضروا الإفادة من «الآداب»؟ لأن الدكتور أحمد زايد كان عميدًا لكلية الآداب فيسهل عليهم استخراجها، فيما أنهم لن يستطيعوا استخراجها من كلية الاقتصاد.
كما أن إجابات الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة كانت غير مقنعة بالمرة، ولم تقنع أى أحد، بل كانت مثار تندر للوسط الثقافى، فهى إجابات واهية، وليست لها أى علاقة بحقيقة ما حدث.
■ برأيك، بماذا تبرر صمت جميع الأطراف التى تناولتها فى حملتك؟
- لأنهم لا يملكون أى رد، فهم مخطئون. لو كان أى أحد منهم لديه ذرة من المنطق والعقل والصواب لكان قد رد، الخطيئة والخطأ حدثا فى وضح النهار؛ وهى جريمة قتل مع سبق الإصرار والترصد للثقافة المصرية على الهواء مباشرة. لا أحد يستطيع أن ينكر أى ركن من أركان الجريمة، سواء التخطيط أو التنفيذ أو سبق الإصرار والترصد. ما حدث هو جريمة قتل للكتاب المصرى وللعقل المصرى.
ليست المسألة فيمن يفوز بالجائزة، فهذا موضوع لا يستحق كل هذه الضجة، لكن المعنى الرمزى مهم، فهذه جوائز تحمل اسم مصر، وقوى مصر الناعمة هى الكتاب والثقافة والفكر والفلسفة، هى نجيب محفوظ وطه حسين والعقاد، وهؤلاء ليسوا أوهامًا بل هم كتّاب حقيقيون فى بلد حقيقى وعظيم، بلد أنجب لطيفة الزيات ونوال السعداوى وسهير القلماوى أيضًا وكل الكاتبات العظيمات الأخريات. فهل يعقل فى النهاية أن تحصل سيدة ليس لها كتاب على الجائزة والسبب أنها تلميذة مدير مكتبة الإسكندرية؟
نحن لا نتحدث عن شخص د. منى، هى أستاذة جامعية لها كل الاحترام، لكننا نتحدث عن مخالفتها الشروط وعدم وجود كتاب واحد يؤهلها لهذه الجائزة.
والدكتور أحمد زايد أيضًا هو عالم اجتماع كبير، لكن تنظيره يخالف تطبيقه، فالعلم يجب أن يؤيده الواقع، هناك واقعة شهيرة للإمام على بن أبى طالب فى معركة الجمل، قالوا له: كيف يكون طلحة والزبير والسيدة عائشة على خطأ؟ فقال لهم: لا يُعرف الحق بالرجال وإنما يُعرف الرجال بالحق، أى أن الحق هو الذى يبين الرجال، وليست مكانة الرجال وقيمتهم هى التى تحدد الحق، فليس معنى أنه عالم اجتماع كبير أن يكون معه الحق؛ لأنه لو كان كذلك لشرح الأمر حتى ولو فى مقالته بالأهرام. لكنه أخطأ ويعرف أنه أخطأ، ولذلك يلوذ بالصمت، فالصمت ينجّى.
المكانة العلمية تفرض على صاحبها شروطًا قاسية من الأمانة والنزاهة، خاصة حين يكون العالم حقيقيًا، كلما ارتقى فى المنصب تصبح المسئوليات الأخلاقية كبيرة، الشخص يرتقى علميًا وأخلاقيًا أيضًا، أما إذا حدث غير ذلك يكون العلم مجرد حلية لخداع الآخرين.. هذه كارثة.
■ بم تفسر هذه الحالة من الازدواجية؟
- هذه الازدواجية موجودة طوال الوقت عند كثير من المثقفين، لكنها عندما تأتى من علماء الاجتماع أو علماء النفس فإنها تصبح مربكة أو مثيرة للاستغراب والدهشة؛ لأن المفروض أن يحلل علماء الاجتماع لنا هذه الظواهر العجيبة فنكتشف أنهم هم أنفسهم إحدى هذه الظواهر التى تحتاج إلى تحليل.
يعنى عندما تكون عالم اجتماع حقيقيًا تحلل أمراض المجتمع وأنت أحد هذه الأمراض ولا تلتفت إلى ما تقوم به من جرائم، فهذه مسألة غريبة جدًا ولافتة للنظر.
الدكتور سيد عويس، وهو عالم اجتماع حقيقى، ظل لثلاث سنوات يعمل بحثًا ليحلل الشخصية المصرية، فيدور فى الشوارع ليقرأ اللافتات الموجودة على العربات والسيارات ويخرج لنا هذا الكتاب العظيم «هتاف الصامتين».
فهذا هو عالم الاجتماع الحقيقى الذى لا يجلس فى مكان مكيف أو برج عاجى أو ينتقل من فندق إلى فندق ويحلل المجتمع، وفى الآخر يقول إن الطبقة الوسطى أصبحت بلا أخلاق، فإذا قال أحد علماء الاجتماع إن الطبقة الوسطى ليست عندها أخلاق فهذه هى الكارثة.
■ هل ستواصل حملتك الصحفية؟ وهل ستذهب إلى المحكمة لاستكمال إجراءات التقاضى؟
- تقدمت بطعن إلى المجلس الأعلى للثقافة، وتم الرد عليه فى تسع صفحات، هذه الصفحات كلها كلام قانونى كبير جدًا. بينما السؤال واضح والإجابة واضحة: ليس لها كتب وخالفت الشروط، فلماذا تسع صفحات للإجابة؟ حتى نتوه فى التفاصيل، فتتوه الحقيقة وتضيع.
خلال هذه الصفحات يقول المستشار القانونى إنهم سهوا عن كلمة «الإفادة» فى الإعلان.
نحن أمام مأزق كبير جدًا؛ المجلس نشر عبر موقعه الإلكترونى شروط التقدم، ولديه شروط أخرى فى لائحة لآخرين لا أحد يعلم عنها شيئًا، منها الإفادة الخاصة بالأبحاث.
إذا كان من حق الناس أن تقدم أبحاثًا، فنحن لسنا معترضين، لكن هل حدث فى تاريخ الجوائز المصرية أن فاز أحد ببحث؟ هل حدث فى تاريخ الجوائز المصرية أن فاز أحد ليس له كتاب؟ لا طبعًا.
أما استكمال المسألة القانونية فأنا ما زلت مترددًا؛ وحتى الآن لم أحسم الأمر فى رفع قضية؛ لأننى فى النهاية صحفى، وليس فى مقدورى أن أذهب إلى المحاكم على كل قضية أتبناها. أنا أميل إلى عدم رفع القضية، هدفى هو كشف الحقيقة وإظهارها وليس الذهاب للمحاكم، فليس لدىّ وقت أضيعه فى محاكم وقضايا.
كما أن مسألة حدوث خطأ فى الجائزة أصبح واضحًا وضوح الشمس، والجائزة أصبحت مسممة، وحتى لو صدر الحكم القضائى فلن يضيف جديدًا، الحكم بالإدانة صدر من الوسط الثقافى بكامله على كل من أسهم وشارك فى هذه الخطيئة، ولم يجرؤ أى أحد على الرد، أليس هذا حكمًا نهائيًا؟!
■ هل تعتقد أنه يمكن سحب الجائزة من الفائزة؟
- لا طبعًا، فمن الواضح أن البيروقراطية المصرية عتيدة، ولن تُسحب الجائزة، ولكن هى سُحبت معنويًا وحقيقيًا، وبعد كل ما قيل كنت أتوقع أن تقول د. منى الحديدى: بما إن الجائزة قد أثارت هذا الجدل فأنا متنازلة عنها. كان يجب أن يحدث ذلك منها.
لكن أعتقد أنها حتى لو أرادت ذلك فلن يسمحوا لها، فمن يمسك الريموت يمنع الجميع من الكلام ولن يسمح بذلك. أى أحد سيتكلم فسيكشف الغطاء عن الجميع، فلذلك هناك صمت مطبق من الجميع. لجنة من عشرة أشخاص فى الفحص لا أحد منهم يتكلم ويدافع عن نفسه، كذلك رئيس اللجنة والفائزة والمجلس الأعلى للثقافة! الصمت المطبق من الجميع؛ لأن أى واحد يتكلم فإنه سيعرّى الجميع.
■ هل خسرت من جراء هذه الحملة؟
- لا لم أخسر شيئًا، نحن فى الصحافة قد تعودنا على أن كل قضية نقوم بها هناك من يؤيدها، وهناك من يعارضها، وفى النهاية تمر القضية؛ لأنها فى النهاية معركة من معارك، ولا أحد يخوض معركة وحيدة فى الحياة.
■ ما مقترحاتك للوصول إلى الشكل الأمثل فى اختيار الفائزين؟
- أولًا لا بد من إنهاء سيطرة أساتذة الجامعة الذين ليس لهم إنتاج حقيقى على الجائزة، وأن تنتهى ظاهرة ترشيح كل جامعة لأساتذتها، يجب على كل جامعة أن ترشح من خارجها؛ لأن سيطرة أساتذة الجامعة وباء وكارثة على جوائز الدولة.
كذلك لا بد من إنهاء سيطرة الموظفين، فالموظفون فى المجلس الأعلى للثقافة، مع غياب القيمة والقامة الثقافية الكبيرة، أصبحت لهم الغلبة والسيطرة فى الاختيار والإبعاد. هم وأساتذة الجامعة أصبحوا كارثة كبيرة.
أيضًا لا بد أن تكون اللجان التى تفحص الأعمال هى التى تعلن الفائز، فماذا يعنى أن تفحص لجنة فيما تقوم لجنة أخرى باختيار الفائز؟
الكارثة الكبرى أنه لا أحد يفحص الكتب بعناية، فالمتسابقون يقدمون كتبهم وتتسلمها اللجنة وهى مغلَّفة بأكياسها، ويتسلمها المرشحون أيضًا بأكياسها، فلا أحد يقرأ ولا أحد يكتب؛ لأن وقت إعلان الجوائز والفحص وقت قصير جدًا، فمثلًا إذا تقدم ٦٠ مرشحًا فى جائزة التفوق، تخيل كل واحد تقدم بخمسة كتب، فالعشرة الذين يفحصون الكتب، كيف يقرأونها فى هذا الوقت القصير؟! فلا بد من إعطائهم وقتًا كافيًا.
كما أن جوائز العالم كله لها نظام معروف، لجنة واحدة هى من تحدد الفائز، إنما أنت تهدر دمه عن طريق لجنة فحص ولجنة تصويت أخرى، فلا بد أن تكون جهة واحدة هى المسئولة.
أضف إلى ذلك عامل السن فى أعضاء المجلس الأعلى للثقافة، فكلهم تخطى الستين والسبعين والثمانين، وهذا عامل يعوق العمل جدًا.
كذلك التصويت فى اليوم نفسه لا بد أن ينتهى هو الآخر، فكيف أصوِّت فى اليوم نفسه على كل الفائزين فى كل الجوائز فى كل الفروع؟ هذه مسألة صعبة جدًا. فلا بد أن يستمر التصويت على مدى عدة أيام، فيتم تخصيص يوم أو أسبوع للتفوق فى كل الفروع، ومثل ذلك للتقديرية، والنيل أيضًا.
ولا بد مَن معرفة من صوَّت لمَن، فماذا يعنى أن يكون التصويت سريًا؟ وماذا يعنى عدم معرفة عدد الأصوات التى حصل عليها كل مرشح؟ هل هى أسرار حربية؟ لا طبعًا، واحد تقدم فأخذ عشرة أصوات، فما المشكلة فى أن يحصل على عشرة أصوات؟ أو خمسة؟. المشكلة أنهم لا يريدون لأحد أن يفهم شيئًا حتى يفوز من يريدون فوزه، فهذا التجهيل يتم حتى يمرروا ما يريدون، أى كلام فى أى كلام.
نحن نعانى فعلًا من غياب الشخصية الثقافية الكبيرة فى المجلس الأعلى بالذات وفى جوائز الدولة، وهذه كارثة كبيرة، ولا بد أن نترحم على غياب دكتور جابر عصفور.
■ ما الرسالة التى توجهها للدكتورة منى الحديدى؟
- كنت أتمنى أن تمتلك الشجاعة وترد الجائزة لعدم انطباق الشروط عليها، على أن تتقدم لها مرة أخرى عندما تتوافر فيها الشروط.
■ ورسالتك إلى الدكتور أحمد زايد؟
- أرى أن الدكتور زايد أخطأ خطأ كبيرًا لا يستطيع الدفاع عنه، وهو شىء غريب، فمثلًا المحامى الشهير إبراهيم الهلباوى امتلك الجرأة ودافع عن موقفه حين ترافع عن الإنجليز فى دنشواى؛ رغم أنه فى تلك اللحظة طعن الوطنية المصرية فى صميمها، والشىء نفسه فعله المحامى فريد الديب حين ترافع عن الجاسوس الإسرائيلى عزام عزام، فقد أجريت معه حوارًا دافع فيه عن نفسه، وقال إنه فخر للقانون المصرى أن يدافع عن الجاسوس الإسرائيلى. فكيف لا يستطيع أحمد زايد، عالم الاجتماع، أن يدافع عن موقفه: يشرح، يبرر، يفسّر، فهو حتى إن طعن الثقافة المصرية بكتابها ومبدعيها أيضًا، فإن خطأه لا يرقى إلى خطأ إبراهيم الهلباوى أو فريد الديب إلا إذا كان هو يرى الأمر غير ذلك؟!
■ ورسالتك إلى د. محمد غنيم؟
- أرجو أن تملك الشجاعة وتقول لنا ما الذى حدث فى لجنة الفحص.
■ بماذا تفسر سيطرة الموظفين وبعض الأكاديميين على شئون الثقافة؟
- بسبب سيطرتهم على شئون الثقافة نحن الآن نعيش أردأ وضع ثقافى، وما وصلنا إليه يعود بالأساس إلى غياب العقل الثقافى الكبير، ذلك العقل الذى كان يمثله الراحل الدكتور جابر عصفور. قد نختلف معه أحيانًا، وقد لا يعجبنا أحيانًا أخرى، لكنه فى الحقيقة كان رمانة ميزان يعرف قيمة المثقفين وأقدارهم. فلا يوجد عقل مثقف كبير يقول: لقد اكتشفنا خطأ فى حصول الدكتورة منى الحديدى على جائزة التفوق.
كنت أتمنى مثلًا أن يخرج واحد من الأعضاء الذين لهم حق التصويت على الجائزة، وكلهم قامات كبيرة، ويقول أنا أعترض على ما حدث، أنا أخطأت. لكن لا أحد يريد أن يعترف بالخطأ، لا أحد يريد أن يقول لنا ما الصواب، الوسط الثقافى فى حالة غليان والجميع يلوذ بالصمت! هذا يؤكد أنه لا أحد يريد أن يتصدى للخطأ.
■ مَن برأيك كان يستحق جائزة التفوق فى العلوم الاجتماعية؟
- أرى أن دكتور عمرو منير عبدالعزيز يستحقها، فهو باحث ممتاز وكتبه مذهلة. كذلك الدكتور سيد فارس، والدكتور السيد العربى، والدكتور خلف الميرى، وفؤاد مرسى، وأكرم القصاص، أى واحد من هؤلاء كان يستحق الجائزة وأكثر.


