الأحد 14 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

صباحات متكررة

صباحات متكررة
صباحات متكررة

النافذة الوحيدة بغرفتى تختبئ خلف ستارة داكنة، أو هكذا تظن.

الممرضة التى تدخل الغرفة كل صباح- بلا استئذان- تزيح الستارة عن النافذة كأنما تعيد اكتشافها فى كل مرة. أنظر إليها بعين واهنة وهى تمارس طقوسها اليومية مثل آلة يحظر عليها التعطل. تقيس ضغط دمى ونبض قلبى ودرجة حرارتى، ثم تسحب من دمى ما يكفى للوشاية بى.

الحديقة التى ترقد أسفل نافذتى وهبتنى شجرة تطل برأسها علىَّ، وعندما تتأكد من اقترانى بوحدتى ترسل عصفورًا رماديًا ينقر الزجاج نقرًا خفيفًا متقطعًا كأنما يكتب برقية تليغراف. ملامحه- فى صباح كهذا- تبدو غائمة خلف الزجاج. صباح يحتفى بالندى ويبقيه حيًا ما استطاع. كنت أحب الحياة كقطرة ندى.. قطرة ترقص على إيقاع نقرات عصفور رمادى.. عصفور ينقر على زجاج نافذة يعاد اكتشافها كل صباح.

الأسئلة التى تنام على وسادتى مساءً تختفى فى الصباح، أو هكذا أظن.

الطبيب الذى يدخل الغرفة- كعادته- بلا استئذان يرفع نظارته الطبية الرقيقة إلى عينيه وينظر إلىَّ فى دهشة كأنما يرانى لأول مرة. أسئلته التى اعتادتنى تعتذر لى عن بحثها الدائم عن إجابات عقيمة تشبهها. يدون الطبيب ملاحظات فى دفتره ثم ينصرف وهو يبتسم للمسافة الحائرة بيننا.. وهكذا.

الحيرة ليست سيئة على الإطلاق، فاليقين أسوأ.. وأنا تركت يقينى وحيدًا منذ بضعة آلام وحزن، واتفقنا أن يظل راقدًا على باب الغرفة يصافح أحذية الزائرين. وعدته إن خرجتُ من هذا الباب أن أقتنيه مجددًا، ووعدنى إن تمكنت من الطيران أن يهب أسئلتى إجابة.

أنهض من سريرى لأقف فى مواجهة النافذة، أنظر إلى العصفور الذى توقف عن كتابة الرسائل وبدا مشغولًا بالندى العالق على سطح الزجاج. أمد يدى لأدير مقبض النافذة بهدوء وأفتحها كى أمنح البرودة عبورًا جديدًا يليق بى. أكافئنى على استيقاظى فى صباح جديد، وأقول للرمادى الذى يتقافز بخفة على إفريز النافذة: أهلًا.. هل لنا أن نطير؟