الجمعة 12 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

أكره قبر أمى

كرم منصور
كرم منصور

كثيرة هى الأشياء التى بها نخدع أنفسنا ونضحك عليها:

«هيانزر أمى»

أمى؟!!

أمى لم تكن جمادًا

أمى لم تكن صمتًا

أمى لم تكن مكانًا يقبض القلب

أمى كانت لحمًا ودمًا

كانت عِناقًا

كانت ضحكة 

كانت كلمة

أبدًا... أمى لم تكن «قبرًا»

عجوز فى المهد

لماذا عمرى لا يمشى بالعكس؟

أولد عجوزًا لدىّ ٦٠ عامًا

أختبر مرارة الفقد فى أيامى الأولى على هذه الأرض

أقلها لن يكون لدىّ قلب طفل.. كما الآن

أعرف البكاء لأول مرة

أن للحب خط نهاية... قبل النهاية

أن الأحلام... أحلام 

أعرف الموت 

وكلما مرت سنة من عمرى

يعود حبيب خطفه منى 

يعود جدى

ليزورنا كل جمعة

جدتى

لتفك ضفيرتها فى الشمس

عمى

ليسخر من نظارتى الطبية

ابن عمتى

لنذهب سويًا إلى «الدُكان»

وبعد ٥٨ عامًا يعود فيها كل من ماتوا

أصحو فى غرفتى المظلمة

ابن عامين 

أنادى على أمى خائفًا كما اعتدت 

تضع يدها على قلبى... فينير

أُقبلها....

..... وأموت!

عود بخور

أَشعَلتْ عود البخور الصغير

الذى تختاره بنفسها كل خميس

وبدونه لا تأتِ الجمعة

ملأت الزير من النهر الجارى فى قلبها

فحاوطته أسراب «القِمرى»

قرأت سورة الكهف

فاستيقظ الفتية وكلبهم

عَدّتْ حبات سبحتها

ومع كل عَدة... دق قلبى

قبلتُ يدَها وهممتُ بالانصراف

سألت أمى: إلى أين؟؟!!

قلتُ: ذاهب إلى قبرِك

قالت: سأنتظرك هنا.. وأبدَا لن أكف عن العَد!!

أيبقى العشب؟

قبل سنوات فى بلدتنا

كنت أرعى الغنم

أسوقها نحو العشب حتى تشبع

وأشبع بالسكر والزبدة فى العيش الشمسى... 

طاب فى قلب أمى

أمى رعتنى..

فإن رحلت

أيبقى العشب؟!!

ميلادى الثانى

أؤمن أننى بعد الموت

سأبدأ حياة جديدة

فى رحم لا أعرف صاحبته

وبعد ٤٧ سنة من ميلادى الثانى

سأصبح أمى!

عصفورة

من كل بيوت العزبة لم تسكن سوى بيتنا

كنا البيت الوحيد الذى سكنته العصافير 

تصحو أمى.. تلثم العصفورة على خد السماء قُبلة

تنادى أمى.. تغنى العصفورة فوق كتفى

نزلت إلينا إلى الأرض... وظلت معنا فوق 40 عامًا

ولما ثقلت قدما أمى.. أخذتها معها وطارت

لم أكره فيها إلا شيئًا وحيدًا

كانت سريعة جدًا... تمامًا مثل عُمر أمى!

هنا وهناك

هناك

تنساب من بيوتنا موسيقى «الضوء الشارد»

نحفظ الحكاية عن ظهر قلب 

لكن.. كلما عزفت الربابة لحنها

أعادت إلينا ذكرى

نسيناها... ولم تنسنا

هناك

حيث القمر يلقى علينا محبة وسلامًا

والليل يعقد ضفائر بناتنا شعرة شعرة!!

هنا... مع كل يوم نعيشه 

تسقط طوبة هناك 

تنسى «البوابة» كَفّنا

لا تعلق قطرات الندى بنا

خشية أن تجف

مثل قلوبنا

حتى الشمس التى كنا لا نراها

سوى هناك

أطالت السفر

ومثلنا

كلما ظهرت

نبح عليها كلب الجيران 

تمامًا كأى غريب!

حق الملائكة

لمَ تملئين «الزير» حتى الآن

وقد تركنا البيت من زمن؟!

قالت: أو ليس لملائكة البيت حق؟! 

أخيرًا انتصر الشر!

أشفق كثيرًا على هؤلاء الأشرار

لا تصبح الحكايات سعيدة إلا بالانتصار عليهم

يتزوج الأبطال ويهلل المستمعون

بينما هم قتلى أو منتحرون داخل السجون

إبليس...

عصى ربه

تمامًا مثلما فعل آدم

الأول لأجل كرامته

والثانى دفعته شهوته

فلمَ يغفر لـ«أبو البشر»

ويعيش «سيد الملائكة» فى لعنة أبدية؟

فرعون...

ألم يرق قلبه للرضيع موسى

أتدرون.. لو رزقه الله بطفل من البداية

واستمع إليه وهو يقول: أبتاه

لنصب قلبه عرشًا 

يجلس عليه كل أطفال المدينة

يهوذا..

كلما سمعت حكايته سألت نفسى

ألم يستمع المسيح لصرخاته وهو مصلوب

لِمَ لَمْ يعتبر خيانته «برص» أو «عمى»

ودعا الله أن يريحه من آلام الجلد؟

كثيرًا ما تخيلت هتلر 

جالسًا رفقة حبيبته اليهودية

أمام نيران مدفأة 

يخرج دخانها فى ليلة شتوية

فيرسم قلبًا لا يشوى أجساد المغلوبين

شرطى المظاهرات..

هل فكرتم مرة أن تمنحوه وردًا

ليعمر بندقيته الخرطوش!

الشرير ظلمته الحياة بطريقة ما

- مثلكم تمامًا-

أنتم اخترتم الانحناء للريح

وهو اختار أن يكون «بلاطًا»!

مترو

من قال إنى وحيد؟!

عيشى بمفردى 

لا يعنى أنى وحيد

عربة المترو تجمعنى بمجموعة من البشر لدقائق

أصبح واحدًا منهم: «ركاب العربة كذا»

الجالسان أمامى الآن أجزم أنهما يتحدثان عنى

بعدما رفضت الوقوف لسيدة

حتى الهاتف: «هذا القطار سيتوقف فى سراى القبة»

يوجه كلامه لى خصيصًا

لماذا تعجب من إخفائى التذكرة عنك... فرد الأمن؟

فقط أردت أن تستوقفنى لنتبادل بعض الحروف!

جدى

دائمًا ما كان جدى يفخر بشهادة التقدير التى منحتها له الحكومة

قال لى مرة: توقيع السادات هذا مقابل 8 سنوات قضيتها فى الجيش من 66 لـ74

كان سعيدًا بملامحه فى البدلة الميرى

و«الباريه» الذى توج جسده الممشوق فجعله مثل ضابط فى صورة أخرى

أتذكر أنه كان يرفعها من على الحائط لتنظيفها كلما زرناه كل جمعة

هى نظيفة أصلًا.. لكن نظرات إعجابنا بها كانت تذكره بأيامه على الجبهة

رغم وفاته منذ 8 سنوات

لا تزال الصورة نظيفة وتُغسل يوميًا

منذ رماها ابنه فى النيل لتجديد المنزل!

شوك ينزف وردًا

لا تلوموا البندقية

ربما الطائر المسجى بدمائه على الأرض

كان يفكر- وهو عائد لعشه-

كيف يخبر أطفاله بأنه لم يجد طعامًا

ربما الطلقة تعيش وحيدة لسنوات

واشتاقت لحضن

لا تلوموا تلك المنتحرة

فقد اشترت «الحناء»

يوم زفاف حبيبها

ولما لم تحمر يداها

خضبتها بالدم

لا تلوموا قاطع الشجرة

لا تستغربوا فعله

بعد أن هجرتها العصافير

منذ ماتت زوجته

لا تلوموا فتاة الليل

لا تقيموا عليها الحد

يكفيها جلدًا

كل مرة ادّعت فيها الحب

مع قاتل تمنحه المتعة

لا تلوموا سائق التاكسى الثرثار

بادلوه الحديث

فقد اعتاد دخول بيته سرًا

والصمت بداخله لساعات

خوفًا من مطالبيه بـ«القسط»

لا تلوموا «الشوك»

تعايروه بريه من أجل الورد

ثم تبدون غضبكم منه

عندما يريد قطرة دم منكم

لتحوله إلى «وردة حمراء»

لا تلوموا اللص

ربما لم يمتلك ثمن «الشعر المستعار»

لطفله الميت بالسرطان

وأراد شراءه الآن لوضعه فوق قبره!

عربة نقل الموتى

يشبه عربة لنقل الموتى

تحلم بسقف مكشوف

وعروسين يحضنان مقعديها الأماميين

أن تكون وجهتها «كوشة» لا مدفن

ويستقبلها ذوو الشأن بكاسات الخمر

لا أقداح القهوة

أو حتى «توك توك» يرتاده عاشقان للحب الحرام

كل ما حلمت به

أن يراها المارة دون ترديد: «أعوذ بالله»!