الثلاثاء 16 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

جداريات الحـج.. الخلود على جدران زائلة

الحج
الحج

- 35 ألف حاج حصة مصر من زوار بيت الله هذا العام

- «الجداريات» مدونة توثيقية للاجتماعى والسياسى والاقتصادى

بينما يتأهب حجاج بيت الله الحرام للعودة من الأراضى المقدسة، تتجلى صورة المناسك على جدران منازلهم فى مصر؛ إذ يضرب النقاش بفرشاته على باب المنزل اسم الحاج أو الحاجة؛ ليسجل تاريخ الحجة بالتقويمين الهجرى والميلادى، وينقش على واجهة الحائط الأمامى للمنزل مناجاة الحجيج لرب البيت «لبيك اللهم لبيك». يوثق النقاش بالرسم والكلمات كل تفاصيل الرحلة؛ منذ خروج الحاج من بيته بنيّة الحج، وارتداء ملابس الإحرام، والتوجه إلى مكّة، ثم دخول الحرم والبدء بالطّواف حول الكعبة، مرورًا بالسعى بين الصفا والمروة، ورمى الجمرات فى منى، وصولًا إلى وقفة عرفات، ونهاية بنحر الأضاحى، ثم العودة مرّة أخرى إلى مكة، حيث طواف الوداع والارتواء من ماء زمزم، كما يوثق طقوس الاحتفال بعودة الحاج إلى بيته سالمًا غانمًا؛ و«حجٌ مبرور وذنبٌ مغفور ونجاة من النار». 

وللنقش على الجدران قصة طويلة مع المصريين، بدأت فى الزمان القديم، وتمددت عبر العصور، وتتجدد موسميًا مع ما يُعرف بـ«رسومات الحج».

الصفحة العاشرة من العدد الثالث والعشرين لحرف

قرعة الحج وزغرودة البشارة

تنتظر البيوت فى قرى مصر ونجوعها عودة ما يزيد على ٣٥ ألف حاج، هم حصة مصر من الحجيج الذين استقبلتهم المملكة العربية السعودية هذا العام بغرض أداء فريضة الحج؛ الركن الخامس فى الإسلام. الحجاج المنتظر عودتهم تم ترشيحهم عن طريق ثلاث جهات رسمية تتمثل فى وزارات الداخلية؛ وتشرف على حج القرعة، والسياحة؛ وتشرف على الحج السياحى، والتضامن الاجتماعى؛ وتشرف على حج الجمعيات. والملاحظ فى كل موسم أن الإقبال على «حج القرعة» يكون مكثفًا، ليس لكونه أقل كُلفة من غيره، إنما لاعتقاد البعض فى تفاوت الأجر والثواب بين حجة القرعة وغيرها؛ لذلك يعيش المتقدمون قبل إعلان أسماء الفائزين فترة عصيبة، إذ ينتظرون نتيجة القرعة كما تنتظر الأسر المصرية نتيجة الأبناء فى الثانوية العامة، فإذا ما «وقعت عليك القرعة»؛ أى ورد اسمك ضمن المقبولين، فأنت ممن اختصهم الله بزيارة بيته الحرام، وأنت الذى نال المراد من رب العباد. 

وتستقبل البيوت خبر الفوز بالزغاريد، وفى حين يستخدم الرجال تعبير «مكتوبالك يا حاج.. مكتوبة لك» للتهنئة، تشدو النساء بأغنيات الحجيج، و«نبى يا نبى.. قول ع اللى دعيته/ بلَّغُه حجته يا نبى.. وترده لبيته». وتتوالى الأفراح والليالى الملاح من أول خبر القبول إلى ليلة الوداع، مرورًا برحلة السفر إلى الأراضى المقدسة، ولا تنتهى حتى بعد العودة لأرض الوطن.

تكليف الأهل بتجديد البيت

بينما تنطلق زغاريد البشارة تتألق أرواح المتطلعين إلى زيارة بيت الله الحرام، فيسارعون إلى تصفية كل خلافاتهم، يسامحون ويتسامحون، يسددون ديونهم العينية، والمعنوية قدر الإمكان، ساعين إلى التحلل من مناقب الدنيا الزائلة، استعدادًا للقاء الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، ذى الجلال والإكرام.

وكما يتأهب الحجاج لرحلة الذهاب مستودعين الجميع، يودعهم الأهل بما يليق بالرحلة المقدسة، ومنذ سنوات ليست بعيدة كان أهل القرى فى مصر يودعون الحجاج واضعين إياهم فوق سنام الجمل المزين بالقطيفة، ترافقهم الفرسان فى رحلة الوداع من القرية إلى محطة القطار، ومنها إلى الميناء البحرى أو الجوى لاستقلال وسيلة السفر الأخيرة متوجهين مباشرة إلى حيث أراضى الحجاز، ترافقهم أغانى التحنان والدعوات بالحج المبرور والذنب المغفور؛ و«يا جمل يا جمل.. يا أبوخُف زينى/ أشرِّق مشرق والله.. ونظرة بعينى».

وإذ يتطلع الحجاج للوصول إلى بيت الله الحرام، يتركون «الجمل بما حمل»؛ لا يفكرون فى شىء سوى الله؛ فهم ذاهبون إلى رب الملكوت، لكنهم أيضًا يتمنون العودة إلى أهليهم سالمين غانمين رضا المولى عز وجل؛ فكما يعرفون أنهم قد يموتون غدًا، يعملون وكأنهم سيعيشون أبدًا، لذا يُكلِّفون من ينوب عنهم فى تجديد البيت، حتى إذا عادوا متطهرين من كل دنس استقبلتهم بيوتهم بما يليق بالبداية الجديدة. 

وحين يصل الحجاج إلى الأراضى المقدسة ويبدأون فى تأدية المناسك، يكون الأهل قد انتهوا من ترميم البيت، وطليت حوائطه بالجير الأبيض، وبدأ النقاش فى رسم المناسك بصورة توازى ما يمارسه الحجاج من طقوس هناك؛ ينقش اسم الحاج ولقبه وتاريخ الزيارة، ويمعن فى رسم تفاصيل رحلة الحجاج منذ الخروج من بيوتهم وصولًا إلى أرض الحجاز، ومرورًا بأداء المناسك ثم العودة. ومع كل ضربة فرشة يضعها النقاش على الجدران تتعالى الإيقاعات مع أغانى الحج، وينشد أهل الدار بلسان الحاج؛ «لَ فْرِشِاة البوابة ببوهيا زيتى.. واكتب حجِتى على باب بيتى». 

مصداقية السيرة

النقش على الجدران ثقافة ورثها المصريون عن أجدادهم الذين سجلوا حياتهم اليومية، وكذلك عاداتهم وتقاليدهم وأفراحهم وأحزانهم على جدران المعابد والمقابر، بالصورة والكتابة، وقد ارتبطت الجداريات بتسجيل طقوس المناسبات الدينية والاجتماعية، ورغم أنها تعد توثيقية فى المقام الأول وفق علم الإثنوجرافيا، إلا أن الاتجاهات الحديثة فى الإنثروبولوجيا التى تنظر إلى الثقافة كـ«نص» حولت الإثنوجرافيا «علم الثوثيق» من مجرد تجربة ميدانية تقليدية، تعتمد الوثيقة كمادة صماء، إلى كونها نتاجًا مكتوبًا للدراسة الميدانية. ووفقًا لما أورده الدكتور السيد حافظ الأسود فى كتابه «الدين والتصور الشعبى للكون»، فإن الأنشطة الاجتماعية والثقافية يمكن أن تقرأ لمعانيها من خلال الملاحظة الإثنوجرافية؛ إذ لا تنفصل العبارات اللغوية عن الواقع الاجتماعى أو المضمون الفعلى.

ووفقًا لدراسات عديدة، فإن حضارة واحدة من الحضارات الكبرى لم تقم على التدوين كنص أصيل، هى الحضارة المصرية القديمة؛ حيث كان المعبد هو النص، بمعنى أن المدون هو الصورة، وقد امتد تأثير ذلك فى أرض مصر على مدار العصور منذ النقش على المقابر فى مصر الفرعونية حتى رسم شواهد القبور فى العصر الحديث، فقد كانت الجداريات هى النص المعتمد آنذاك، إذ تعبر وتسرد ثقافة المصرى؛ عاداته وتقاليده واحتفاءه بالمناسبات المختلفة، وكان الجدار هو مدونة توثيقية للاجتماعى والسياسى والاقتصادى، ومن تلك الوظيفة استمد فن الجداريات قيمته وقدرته على الاستمرار، إذ صبغه الفنانون والعامة بصبغة أو صيغة عبقرية، ووظفوه بشكل خاص فيما يعرف بـ«جداريات الحج» التى أكسبت النقش على الجدران قيمة اجتماعية ودينية كبيرة فى عموم قرى مصر.

وفوق كل هذا تعد الجداريات دربًا من دروب الفنون التشكيلية؛ إذ تحمل جانًبا جماليًا؛ وتعكس بشكل خاص فكر ووجدان المصريين تجاه موضوع ما أو حدث ما فى زمان ما.

ما أحلى الجدار عندما يهنض فى  وجه التطرف

الرسم على الجدران كان أحد الحلول العبقرية التى لجأ إليها المصريون لمجابهة الظلم وتغول السلطة؛ أى سلطة، للتغلب على المنع والمصادرة، وقد حدث أن وظفوه، بعد دخول الإسلام مصر، للتحايل على «تحريم فن التصوير»؛ فقد ذهب العرب إلى أن التصوير حرام فى الإسلام، رغم عدم ورود ذلك فى القرآن، ووفقًا لما أوردته الدكتورة إيناس حسنى، فى كتابها «التلامس الحضارى»؛ «كان العرب يعتمدون فى استيفاء الحاجات الروحية على الوصف، فاستعاضوا عن الصورة التوضيحية بالكلام، معتمدين على حديث نبوى نهى عن تصوير الكائنات الحية، وكان الهدف منه منع تصوير الكائنات على الجدران الداخلية للمساجد، حتى لا يرتد المسلمون إلى عبادة الأصنام». 

ورغم أن مسألة تحريم التصوير ظلت مثار جدل فى مصر بسبب تغلغل الفكر السلفى الذى حول الشروح إلى نصوص مقدسة، إلا أن فنانى الجداريات احتووا هذه الإشكالية على مر العصور، معتمدين على رؤى القرويين حول الكون والعالم من حيث الظاهر والباطن، بل استفادوا من العناصر الجديدة التى وسمت ثقافتهم لاحقًا؛ إذ وظفوا الخط العربى والمنمنمات والأرابيسك فى جدارياتهم إلى جوار الرموز والوحدات الزخرفية المصرية القديمة، ووظفوا الجداريات فى مقاومة الاستعمار والثورة ضد الظلم، وقد شهدت مصر أحدث تجليات ذلك فيما يعرف بـ«فن الجرافيتى».

وتتنوع رؤى المبدعين عن الجدار فى الأدبيات العربية، فيراه كثيرون نموذجًا لحجب الحرية، ويراه آخرون السد والحاجز المنيع، بينما يراه الشاعر أمل دنقل فى جداريته الشهيرة ضرورة لمعرفة النور: «آه.. ما أقسى الجدار/ عندما ينهض فى وجه الشروق/ ربما ننفق كل العمر.. كى ننقب ثغرةْ/ ليمر النور للأجيال مرةْ/ ربما لو لم يكن هذا الجدار/ ما عرفنا قيمة الضوء الطليق». 

أما فنانو الجداريات فيرونه مصدر إلهام بشكل أو بآخر؛ فمن خلاله عارضوا السلطات، سواء السياسية أو الدينية، فقد تحايلوا به على «تحريم التصوير»؛ لكأنهم يقاومون ألسنة التكفير برسوماتهم إذ تقول: «ما أحلى الجدار عندما ينهض فى وجه المروق». 

60 عاما من الرسوم

استفاد فنانو الجداريات فى مصر بكل ما تركه أجدادهم فى هذا المجال، ويعد الفنان الفطرى عيد على يس الشهير بـ«عيد السلواوى» واحد من أبرز فنانى الجداريات الشعبية الذين برعوا فى توثيق طقوس المناسبات الدينية والاجتماعية فى صعيد مصر، خصوصًا فى موضوع «الحج»، وتشغل رسوماته بيوت معظم من أدوا فريضة الحج، ويعد حلقة وصل مهمة بين الماضى والحاضر فى مجال الجداريات الشعبية على مستوى الإنتاج والمضامين والأسلوب، فعمره الفنى يبلغ بنهاية هذا الموسم ٦٠ عامًا، رسم خلالها آلاف البيوت فى صعيد مصر. أما رسوماته فتكشف عن أسلوب بسيط فى كيفية المزج بين عنصرى الكتابة والصورة فى تكوين فنى فريد، تزينه موضوعاته المتنوعة التى تعد توثيقًا للرحلة، فضلًا عن ألوانه المميزة؛ إذ يستخدم ألوانًا صريحة ويركز على اللون السماوى.

وفى عام ١٩٩٩ قدم الفنان التشكيلى والمخرج التليفزيونى على المريخى فيلمًا تسجيليًا عن عيد السلواوى بعنوان «رسومات الحج»؛ فاز بجائزة مهرجان الإعلام العربى فى ٢٠٠١، وقال لنا: «أتابع ما يرسمه الفنان عيد السلواوى على الحوائط الممتدة بطول محافظة أسوان، وقد التقطت صورًا لرسومات عمرها ٣٥ سنة احتفظ بها حجاج داخل منازلهم، ورسومات أخرى تآكلت بسبب عوامل التعرية، ورغم الفطرية فى أداء (السلواوى) إلا أنه يدرك أهمية ما يقوم به، حيث يتخطى موضوعه (رسوم الحج) إلى موضوعات أخرى تتعلق برصد اليومى من عادات وتقاليد؛ فهو فنان وإنسان يتماهى مع فنه صدقًا، وقد واجه فى فترات مختلفة جهل وتحريم فنه، وكان مغلوبًا على أمره فى أحايين عدة، حيث يطلب منه عدم الرسم والاكتفاء بكتابة الآيات الخاصة بالحج فقط مما كان يؤلمه جدًا. ويتابع على المريخى: لقد حكى لى معافراته مع مكفرى الرسم ومقاومته لهم منذ بداية عمله فى أوائل السبعينيات بالرسم على الجدران. والجميل حقًا أنه لإدراكه قيمة ما يقوم به نقل خبراته لابنه طه الذى بات الآن فنانًا ماهرًا فى رسم الجداريات، خصوصًا بعد أن دعم موهبته بدراسة الترميم». 

الصفحة الحادية عشر من العدد الثالث والعشرين لحرف

عيد السلواوى: الجدار هو الحل

اكتسب «السلواوى» موهبة الرسم من العمل مع عمه فى كتابة شواهد القبور؛ كان يمتهن الرسم على الجدران من أجل كسب الرزق «أكل عيش»، لكنه لاحقًا صار مضروبًا به كفن يجد فى ممارسته متعة وحرية. يقول: «ضربنى الرسم فى الصغر؛ كان عمى رحمة الله عليه يأخذنى معه وهو يكتب شواهد القبور، وشيئًا فشيئًا علمنى كيف أنقش على الجدران، كان يؤهلنى لمهنة النقاشة، وبالفعل أصبحت نقاشًا، ومع حبى للرسم حبيت الجدران؛ مع كل بيت جديد أرسمه أشعر بالبهجة والراحة، صار الجدار صديقى، معه أشعر بالحرية». 

عانى «السلواوى» مثل كثيرين من مسألة تحريم الرسم، وفكر فى ترك الرسم بسبب آراء بعض المشايخ حول تلك المسألة، لكنه أدرك بفطنته أن ما يفعله ليس حرامًا؛ وعن تجربته تلك قال لى: «وأنا صغير كنت أنقش بيتًا جديدًا، وكنت أطلع على سلم كى أهيأ الجدار الخارجى للرسم، وفوجئت بأحد المشايخ يشدنى من جلابيتى وينهرنى بشدة؛ (حرام عليك اللى بتعمله ده، الرسم حرام.. حرام قطعًا)، ارتجفت وخفت، بل فكرت فى الامتناع عن رسم البيوت، وقعدت أراجع ما أفعله؛ قلت لنفسى: أنا أصلى وأتعبد ولا أفعل ما يشين، وهل ما كان يفعله خالى طوال عمره حرام؛ هو كان يرسم شواهد القبور، وأنا أرسم رحلة الحجيج إلى بيت الله الحرام، فكيف يكون الرسم حرامًا، وأنا لا أفعل ما يغضب الله.. كلنا نغنى للرسول صلى الله عليه وسلم، ونغنى للحجيج الذين يزورن قبره ومنبره كل موسم؛ فهل الغناء حرام، وهل كل هؤلاء الناس يفعلون الحرام ويرتضون به؟». وتابع قائلًا: «لما وجدت نفسى قد هدأت استفتيت قلبى وتوكلت على الله، ومن يومها أيقنت أن الله وهبنى حب الرسم وسيجزينى به خيرًا، وكمان الشغلانة مخليانى مستور، وأنا مش عايز غير الستر، وبعد ذلك ارتاح بالى، وواصلت رسوماتى». لم يبتعد الفنان الفطرى عيد السلواوى عن رؤية المصريين حول الكون والدين، وعن ثنائيات الظاهر والباطن، والموت والحياة، وعندما سألته عن هدفه من الرسم؛ وهل ينتظر أن تظل رسوماته خالدة كأجداده من قدماء المصريين؟ ابتسم وقال: «كلنا يسعى للخلود، لكن لا خالد إلا الخالد عز وجل.. فكل شىء زائل إلا وجه الله». وتابع: «وكمان رسوماتى التى أنقشها فى موسم الحج بتبوش مع قدوم موسم الشتاء لأن الأمطار تؤثر على الجدران، كما أن الشمس والهواء والغبار تؤثر كلها على الألوان فتبهت، لكنى لا أيأس؛ فمع حلول الموسم أواصل طلاء الجدران وأرسم بيوتًا جديدة، وطالما أن هناك قلوبًا مستعدة للصلاح، فهناك جدران صالحة للرسم، وكلما ضاقت بى ظروف الحياة أنظر إلى الجدار، وأجد فيه الحل».