الثلاثاء 16 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

عيد مكة الكبير.. حكاية أول فيلم وثائقى عن الحج

الفيلم
الفيلم

- الفيلم لم يكن مجرد توثيق لرحلة دينية بل كان يحمل فى طياته أبعادًا استعمارية

- المخرج هولندى يرافق فوج حجاج من إندونيسيا إلى الأراضى المقدسة

فى عام 1928 قدم المخرج الهولندى جورج كروجرز «1890-1964» أول فيلم صامت يوثّق رحلة الحج الإسلامى، والذى حمل عنوان: «Het Groote Mekka-Feest» أو «عيد مكة الكبير»، ويرافق فيه المخرج فوج حجاج مسلمين من جزر الهند الشرقية الهولندية، تحديدًا من باندونج الإندونيسية، طوال رحلتهم إلى مكة، ثم أثناء تأدية مناسك الركن الخامس، وصولًا إلى العودة لوطنهم من جديد.

وبما أنه كان ممنوعًا على غير المسلمين الدخول إلى مكة فى هذه الفترة من القرن الماضى، دخل «كروجرز» الأراضى المقدسة على أنه مُسلم حديثًا، وأطلق على نفسه اسم «عبدالواحد»، وهو ما أتاح له دخول مكة وتصوير جميع الأماكن التى كانت ممنوعة على غير المسلمين آنذاك.

الصفحة الحادية عشر من العدد الثالث والعشرين لحرف

«كروجرز» أخرج ٧ أفلام لم يتبق منها غير هذا الفيلم، الموجود فى وقتنا الحالى على «يوتيوب»، وتبلغ مدته ٧٤ دقيقة، واستخدم المخرج الهولندى فى تصويره كاميرا سينمائية التقطت الصور المتحركة، ثم حوّلها إلى وثائقى مُقسم إلى ٤ مراحل.

وعن هذا الفيلم قدمت الباحثة رقية ريشلينج دراسة بعنوان: «نظرة استعمارية على مكة: الشبكات المحيطة بأول فيلم وثائقى عن الحج»، استندت فيها إلى نظرية «الشبكات الفاعلة» التى صاغها الفيلسوف الفرنسى برونو لاتور.

و«الشبكات الفاعلة» نظرية اجتماعية حول تفاعل عناصر غير متجانسة، مثل الثقافة والمال، تتحد سويًا وتتلاحم ببعضها فى شبكات من أجل تنفيذ غرض معين، وفى حالة الفيلم ترى الباحثة أن الكاميرا والفيلم والمساعدين الذين جُنّدوا للعمل بجانب السلطات الاستعمارية الهولندية، بالإضافة إلى شركات الشحن الهولندية، كلها عناصر متباينة اتحدت لتحقيق النظرة الاستعمارية تجاه الحجيج المسلمين. 

ووضعت الباحثة هذه الدراسة لتفنيد حقيقة إنتاج الفيلم، ونقد الفكرة المغلوطة التى صدّرها الاستعمار حينها عن تمجيد دوره كمستعمر بتوثيق رحلة هذا الطقس الروحانى لدى المسلمين، والنابعة من اهتمامه بالشعوب المُستعمرة.

لذا فهى دراسة نقدية فى المقام الأول، تُظهر تفصيلًا الغرض الذى من أجله أنفقت السلطات الاستعمارية الهولندية فى الهند الشرقية قديمًا كل هذه الأموال لتمويل الفيلم، وهو غرض مادى بشكل كبير. 

وتُظهر الباحثة الأدوات التى استخدمها الاستعمار لهذا الغرض، وأولهم مخرج الفيلم جورج كروجرز، الذى ولد فى باندونج بإندونيسيا، فى عصر وصلت دور العرض فى المستعمرات إلى حد أن تكون أدوات ترفيه فى متناول الجميع، بغض النظر عن مستوياتهم والتفرفة بين هذه المستويات فى أماكن العرض. 

كذلك سلطت الباحثة الضوء على النقاط الرئيسية للأهداف التى من أجلها أُنتج الفيلم، وهى خدمة الاستعمار على كلا الجانبين، فى البلد المُستعمرة، والبلاد التى جاء منها المستعمرون. 

ففى الدول المُستعمرة أنتجت السلطات الفيلم لترويج فكرة تسامحهم مع ديانات وعادات البلاد التى يستعمرونها، بدليل أنهم يهتمون بتوثيق مثل هذا الطقس السنوى لدى المسلمين، ولتبييض صورتهم لدى أى معارضة لهذا الاستعمار، سواء فى بلادهم أو فى البلاد المُستعمرَة، وبالتأكيد إبهار المتلقى بتقنيات وتكنولوجيات التصوير المبهرة حينها. 

لكن الهدف المادى، من وجهة نظر الباحثة، كان طاغيًا على كل الأهداف الأخرى. وتجلى ذلك الهدف عندما ركز الفيلم على تصوير السفن التى تقل الحجاج وكانت مملوكة لشركات الشحن الهولندية الكبرى، وتحديدًا سفينة «أس أس ماديوين» فى رحلة الذهاب، وسفينة «رويال روتردام» فى رحلة العودة.

وكان الفيلم- بحسب الباحثة- أفضل إعلان لشركات الشحن العملاقة هذه، لذا كانوا مساهمين بشكل كبير فى تمويله، مضيفة: «بعد عرض الفيلم زاد عدد الحجاج من جزر الهند الشرقية إلى حوالى ٥٠٠٠٠ شخص، فكان الفيلم بمثابة حملة إعلانية لجذب استثمارات جديدة فى الشرق».

هذا بالإضافة إلى مشاركة السلطات الهولندية الرسمية فى الإنتاج، فقد شارك فى تمويل الفيلم القنصل الهولندى فى جدة، دانيل فان ديرمولين، وظهر بنفسه فى الفيلم، علمًا بأن السلطات الاستعمارية الهولندية فى تلك الفترة هى مَن كان يشرف وينظم رحلات الحج من جزر الهند الشرقية.

الغرض الثانى، أو الغرض الذى استهدفوا به المواطن الأوروبى بالتحديد، هو إذكاء الأفكار الأوروبية عن سحر الشرق، فـ«كروجرز» صوّر خروج الفلاحين من إندونيسيا فرحين بشراء تذاكر الرحلة على متن سفينة «أس أس ماديوين»، التى ستقلهم إلى ميناء جدة. وفى هذه المرحلة ركزت الصورة على وجوه هؤلاء وملابسهم وعائلاتهم، لتنتقل الصورة فيما بعد عندما ترسوا السفينة فى ميناء جدة، إلى حياة مختلفة كليًا ومبهرة أكثر للمواطن الأوروبى، خاصة عندما ركب الحجيج الجمال، والمخرج «كروجرز» معهم، من جدة حتى مكة. 

وهنا تنتقل المشاهد إلى صورة مغايرة كليًا، أشكال ملابس مختلفة، معمار مختلف، ووظائف مختلفة أيضًا، أغلب الصور تُظهر الصحراء والجمال ورعاة الأغنام، وهى الصورة التى طالما صدّرها المستعمر عن الشرق، وبعدها تظهر صور المعالم فى الأراضى المقدسة، مثل الكعبة وبئر زمزم، لكنها صوّرت من بعيد، ويكمل المخرج مع الحجاج بقية المناسك ويوثقها بالصور، التى حظيت باهتمام واسع فى الصحف الأوروبية، والتى قالت إن «كروجرز» كشف لهم عن عالم كان سيظل محجوبًا عنهم كليًا لولا هذا الفيلم.

وفى الدراسة أيضًا، تبحث «رقية» فى كيفية تأثير التكنولوجيا البصرية على المشروع الاستعمارى، وتُظهر كيف استخدم «كروجرز» الأفلام والصور الفوتوغرافية لهذا الغرض، بعد أن صوّر الفيلم بكاميرا سينمائية كانت حديثة وقتها، ما كان له أكبر التأثير على المشاهد آنذاك، فيما يتعلق بتعزيز النظرة الاستعمارية لشعائر الحج. 

هذا بالإضافة إلى العاملين الكُثر الذين وظفتهم السلطات الاستعمارية للمشاركة فى العمل، بالمساعدة فى التصوير وشرح المناسك، وتقديم المعلومات لـ«كروجرز»، والتى أظهرت الباحثة بأنه لم يكن المبدع الوحيد فى العمل، فهو من دون كل هذه العناصر أو «الشبكة الفاعلة»، التقنية منها والبشرية، ما استطاع إنتاج الفيلم. 

هذه الدراسة تبيّن كيف أن الفيلم لم يكن مجرد توثيق لرحلة دينية قدمها المستعمر كهدية مثلًا، بل كان يحمل فى طياته أبعادًا استعمارية، على الشعب المُستَعمر وعلى الأوروبيين أنفسهم. وفى هذه النقطة تدلل الباحثة على كلامها بأن الفيلم اهتم بتصوير الرحلة ووسائل النقل فيها، والعناصر المبهرة للمواطن الأوروبى، ولم تصور أهم الطقوس فى الحج.

مثلًا لم يصور «كروجرز» الحجيج على جبل عرفات، وهو أهم أركان الحج، ولم يصور صلاة يوم النحر ولا العيد، كذلك ترى أن الفيلم يغفل التركيز على الفكرة الأساسية من فريضة الحج، وهى التقاء شعوب الأرض كافة فى نفس المكان، فلا يظهر فى الفيلم غير الحجيج الهنود، وبالمثل لم يوثق «كروجرز» حج النساء، فلم يكن لهن إلا صور معدودة فى الفيلم.

فى نهاية الدراسة استنتجت الباحثة من خلال فيلم «كروجرز»، أن التكنولوجيا فى أوائل القرن العشرين كانت لاعبًا مهمًا فى نسج الشبكات العابرة الحدود والمعقدة للحج. ودور «الشبكات الفاعلة» فى الفيلم، التى تبدأ من المخرج والشركات الممولة مع السلطات الرسمية، مثل القنصلية الهولندية وانتهاءً بـ«آل سعود» فى مكة، كلها عملت على صياغة تلك النظرة الاستعمارية فى الهند الشرقية الهولندية.

عُرض الفيلم على الجماهير الهولندية أول مرة فى أغسطس ١٩٢٨، ولاقى ترحيبًا كبيرًا، وحقق الكثير من الأهداف التى صنع من أجلها، واستمر عرضه حتى عام ١٩٣٨.

وحاول «كروجرز» فيما بعد خلق فرص أكبر لعرض الفيلم فى جميع أنحاء أوروبا، على أمل أن يُعرض فى معرض باريس الاستعمارى، وهو المعرض الذى يعد بمثابة متحف تعرض فيه مقتنيات تمثل الدول التى تستعمرها أوروبا.

ورقية ريشيلنج هى باحثة دكتوراه فى جامعة أمستردام، تخصصت فى دراسة «الأنثروبولوجى» والدراسات الإسلامية، وهى عضوة فى برنامج الأبحاث الأوروبى «الإسلام الوسيط فى العصر الرقمى». والبحث محل هذا الموضوع جزء من مشروعها فى دراسة «كيفية استخدام التقنيات الجديدة فى أواخر القرن العشرين خلال الفترة الاستعمارية الهولندية لتصوير مكة».