الأحد 14 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

كساء "منكاورع".. هل يتم تبليط الهرم فعلا؟!.. الحقيقة كاملة

كساء منكاورع
كساء منكاورع

 

يبدو أن الملك «منكاورع» على موعد جديد مع التاريخ، حيث أعلن المجلس الأعلى للآثار عن بدء مشروع دولى، تتعاون فيه مصر واليابان باستخدام أحدث ما توصل له العلم الحديث، لإعادة كساء هرم «منكاورع» بالجرانيت، وهو ما يشبه تركيب «البازل».

وقد شارك الدكتور مصطفى وزيرى، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، تفاصيل المشروع مع «حرف»، موضحًا أن العمل بدأ بالفعل بمشاركة فريق يابانى وفريق مصرى عالمى مكون من الدكتور زاهى حواس، عالم المصريات، والدكتور هانى هلال، وزير التعليم العالى والبحث العلمى الأسبق، والدكتور ميروسلاف بارتا، رئيس البعثة الأثرية التشيكية العاملة فى مصر، والأمريكى مارك لينر، عالم الآثار المصرية.

قال «وزيرى»: «ما شجع على القيام بالمشروع أن أغلب القطع الحجرية، التى تم استخدامها وقت بناء الهرم للقيام بعملية الكساء موجودة حتى الآن، وسنلاحظ أن بعضها يميل إلى اللون الأحمر والآخر إلى الرصاصى المائل للأسود، وهو نتيجة لاستخدام (منكاورع) بقايا أحجار الجرانيت التى تم استخدامها فى بناء هرمى (خوفو) و(خفرع)، وهو ما يشير إلى الحالة الاقتصادية المتردية فى عصر (منكاورع)».

وأضاف «وزيرى» أن العمل، الذى يتحمل الجانب اليابانى تكلفته بالكامل، سيستغرق ما يقارب الأربع سنوات؛ العام الأول سيتم فيه عمل كل ما يلزم من تصوير ورسم وتوثيق لجميع قطع الحجارة الجرانيتية المستقرة أسفل هرم «منكاورع»، لإجراء الدراسات والأبحاث اللازمة، لعرضها على لجنة عالمية متخصصة من جميع المجالات ذات الصلة، والتى ستعطى إشارة البدء للتنفيذ الفعلى للمشروع والذى قد يستغرق ٣ سنوات كاملة.

واختتم «وزيرى» حديثه، بطمأنة المصريين على كل ما يتم من عمل فى هذا المشروع، مؤكدًا أنه من المنتظر زيادة عدد السائحين لمنطقة الأهرامات، بعد الانتهاء من الخطة المقررة، والتى تسير وفق أسس علمية واهتمام واسع.

أما الدكتور أحمد بدران، أستاذ الآثار بجامعة القاهرة، فبين أن «منكاورع» هو خامس ملوك الأسرة الرابعة فى الدولة القديمة، واشتهر فى كتابات المؤرخين القدماء بصفات التقوى والورع والطيبة وامتدحه هيرودوت قائلًا إنه سبق فى عدالته جميع الملوك السابقين. 

وطبقًا لبردية تورين حكم منكاورع حوالى ١٨ عامًا، أو يزيد قليلًا، وكان من ألقابه «واج إيب»، أى أخضر القلب، دلالة على طيبة قلبه، وتلقب على بعض أختامه بلقب «محبوب حتحور»، التى ظهرت معه فى التماثيل الثلاثية فى المتحف المصرى ومتحف بوسطن.

وأطلق عليه المؤرخون والرحالة الإغريق اسم «ميكرينوس»، وأطلق عليه العرب اسم «مناوس» أو «منقاوس» وحاليًا اسم «منكاورع»، وقد تزوج من أخُته الأميرة «خع مرر نبتى الثانية»، وأنجب منها ابنه وخليفته على العرش «شبسسكاف»، الذى أشرف على مراسم الجنازة، وأتم المجموعة الهرمية للملك منكاورع. 

وأضاف الدكتور بدران أن هرم منكاورع شُيد فوق أحد الأجزاء غير المستوية من الهضبة، لذلك تم استخدام كتل كبيرة من الحجر الجيرى المحلى لتسوية المكان الذى شُيد فوقه الهرم، ويبلغ الجزء المحتفظ بالكساء الخارجى الآن حوالى ١٦ مدماكًا من المداميك السفلى، وهذا الجزء أحجاره غير مصقولة، مما يدل على أن أحجار الكساء الخارجى للهرم كانت تُصقل بعد وضعها فى مكانها من الهرم وليس قبل ذلك. 

وشيد الملك منكاورع، خامس ملوك الأسرة الرابعة من عصر الدولة القديمة حوالى ٢٥٣٢ قبل الميلاد، الهرم الثالث الأصغر فى هضبة الجيزة؛ ليشكل مع هرمى جده وأبيه خوفو وخفرع أيقونة أهرام مصر. 

ونظرًا للظروف الاقتصادية فى عصره لم يستطع بناء هرم بارتفاع هرمى أبيه وجده، بل كان ارتفاع هرم منكاورع ٦٦ مترًا فقط، وأراد أن يقلد ما قام به والده من كساء الجزء الأسفل من الهرم بأحجار الجرانيت الأحمر «الهرم فى اللغة المصرية القديمة كان يطلق عليه كلمة مر mr، وكان يصور بقاعدة لونها أحمر»، لذلك فضل «خفرع» ومن بعده ابنه «منكاورع» أن يتم كساء الجزء الأسفل من هرميهما بالجرانيت كدلالة على كلمة هرم، ونجح فى الواجهة الشمالية من تجليد الهرم بارتفاع ١٧مترًا بعدد ١٦ مدماكًا من الجرانيت.

وأثبتت الشواهد والدراسات الأثرية أن الملك منكاورع توفى قبل أن يُكمل بناء مجموعته الهرمية وأكملها من بعده ابنه شبسسكاف، الذى استكمل بناء تلك المجموعة بمواد بناء بسيطة مثل الطين والأخشاب، حيث أكمل المعبد الجنائزى لوالده بالخشب وشيد معبد الوادى لوالده بالطوب اللبن، بل إنه لم يُكمل نحت بعض من تماثيل منكاورع، ووضعها كما هى غير كاملة فى المعبد، مما يدل على أن شبسسكاف لم تكن لديه الإمكانات الكافية حتى يكمل العمل فى هرم منكاورع.

وذكر الدكتور بدران أنه نظرًا لأن الهرم لم يكتمل، فقد استخدم كمحجر فى عصر الرعامسة لقطع أحجار الجرانيت من الكتل التى جلبها منكاورع قبل وفاته من محاجر أسوان لكساء هرمه، وهى تلك الموجودة حول الهرم من الجهة الغربية والزاوية الشمالية الغربية، حيث يُوجد نقش بالخط الهيروغليفى لـ«ماى» رئيس عمال الملك رمسيس الثانى.

وفى عام ١٩٩٦ وأثناء أعمال تنقيب فى الجهة الجنوبية من الهرم الثالث تم الكشف عن تمثال مزدوج للملك رمسيس الثانى مع الإله رع حور آختى منحوت فى إحدى الكتل الجرانيتية للهرم الثالث ونظرًا لحدوث شرخ فى التمثال تركه عمال رمسيس الثانى فى مكانه حتى تم اكتشافه فى عمليات التنقيب. 

وفى القرن الثانى عشر الميلادى حاول الملك العزيز عثمان ابن يوسف نجل صلاح الدين الأيوبى هدم الهرم الثالث، لكنه فشل وأحدث به تلك الفجوة الكبيرة فى الواجهة الشمالية.

وفى عام ١٨٣٧م قام هوارد فيز بالتنقيب داخل الهرم واكتشف تابوته الرائع المصنوع من حجر البازلت والمزين بزخارف نباتية وأشكال واجهات القصر الملكى السرخ وأراد نقله إلى إنجلترا فى سفينة تُسمى بياتركس، ولكنها غرقت أمام سواحل إسبانيا بالتابوت فى عام ١٨٣٨م، وعثر أيضًا داخل الهرم على تابوت خشبى باسم منكاورع وداخله بقايا هيكل عظمى حاليًا بالمتحف البريطانى، واعتقد وقتها أنه اكتشف بقايا مومياء منكاورع، ولكن أثبتت عملية التأريخ بالكربون ١٤ المشع أن هذا التابوت الخشبى يرجع لعصر الأسرة ٢٦ حوالى ٦٠٠ قبل الميلاد.

وبعدها اشتغلت بعثة جامعة هارفارد الأمريكية بقيادة جورج ريزنر واستطاع الكشف عن معبد الوادى واكتشف داخله التماثيل الثلاثية الرائعة لمنكاورع المعروضة فى المتحف المصرى وتمثال ضخم من حجر الألباستر وأهمها بالطبع تمثاله وزوجته «خع مرر نبتى الثانية» والمعروض حاليًا فى متحف بوسطن فى أمريكا.

وقام الدكتور عبدالعزيز صالح بالتنقيب حول الطريق الصاعد للملك منكاورع واكتشف ورشة كبيرة لصناعة الألباستر بها كتل ضخمة ما زالت كما كانت، عندما نقلها المصرى القديم من محاجر حتنوب فى المنيا للهرم لتستخدم فى نحت تماثيل وأوان وقطع أخرى للملك منكاورع.

كما قام بالتنقيب أمام الهرم الثالث دكتور على حسن، رئيس هيئة الآثار السابق، وكشف عن بقايا المنحدرات التى استخدمت فى تشييد الهرم الثالث لرفع كتل الأحجار، ما زالت موجودة أمام الواجهة الشمالية للهرم ولم تتم إزالتها مما يؤكد أيضًا أن الهرم لم يكتمل بناؤه.

كما كشف الأثرى كمال وحيد فى عام ٢٠٠٨ عن تمثال غير مكتمل النحت للملك منكاورع شمال الهرم الثالث مصنوع من حجر الكوارتزيت مُلقى بجوار سور المجموعة الهرمية، ممَّا يؤكد أيضًا أن بناء الهرم لم يكتمل فى عهد منكاورع ولا ابنه شبسسكاف.

وبعد هذا الاستعراض الوافى شدد الدكتور أحمد بدران، أستاذ الآثار بجامعة القاهرة، على أن إعادة كساء الهرم بالكتل الجرانيتيه، التى توجد حوله من الجهة الغربية والشماليه، هى فكرة تحتاج إلى دراسة كبيرة ومتأنية، تتم على مراحل متتابعة، خاصة إذا ما لاحظنا أن الكساء الخارجى لهرم منكاورع، الذى ما زالت أحجاره باقية حتى الآن على واجهة الهرم الشمالية، لم تنته الأعمال بها، حيث ترك المصرى القديم أغلبها دون صقل أو تسوية، مثل تلك الموجودة حول مدخل الهرم، كما أن أغلب أحجار الجرانيت الموجودة حول الهرم ما زالت كما جلبها المصرى القديم من محاجر أسوان كتل كبيرة غُفل غير مستوية وغير مشذبة أو مصقولة.

وفى عام ٢٠٠٠ كشفت بعثة مصرية برئاسة دكتور منصور بوريك عن جزء من الطريق الصاعد لهرم منكاورع.

وقال: «لا بد من مزيد من الدراسات المتعمقة حول هذا المشروع، وأعتقد من وجهة نظرى أن هذا المشروع سوف يلقى انتقادات واسعة من الجهات العاملة فى مجال الحفاظ على الآثار والتراث الثقافى حول العالم خاصة «اليونسكو»؛ لأن أهرامات الجيزة مسجلة على قائمة التراث العالمى منذ عام ١٩٧٩، ونظرًا لأهمية الحدث، فالإعلان عن المشروع مرة واحدة دون الانتظار للدراسات الأولية فى وسائل الإعلام من وجهة نظرى لم يكن موفقًا».

وأوضح: «كان من الأولى أن يتم طرح المشروع بعد إتمام الدراسات الأولية والتوثيق والتصوير الفوتوجراماتورى والتصوير باستخدام الميونات الكونية، بما يشمل دراسة وتوثيق الكتل الجرانيتية المنتشرة حول هرم منكاورع، بحيث تتضمن هذه المرحلة تصنيفًا للكتل الجرانيتية إلى كتل تخص الكسوة الخارجية لهرم منكاورع سقطت بفعل الزمان أو بفعل فاعل على مر العصور، وكتل قام المصرى القديم بجلبها من المحاجر لأجل كساء المعبد الجنائزى للملك، مثل ما هو موجود فى معبد الوادى للملك خفرع ولم يتم وضعها على جدران المعبد الجنائزى».

ولفت إلى أن الأعراف والمواثيق الدولية وبروتوكولات الترميم والصيانة لا تسمح بتركيب كتل الكساء الخارجى بعد مرور ما يزيد على ٤٥٠٠ سنة أو أن يتم التدخل من خلال التهيئة أو التركيب لكتل حجرية تركها المصرى القديم دون إكمال ضمن كساء الهرم.

وتابع: لابد من الأخذ فى الاعتبار أن الهرم ظل لمدة ٤٥٠٠ سنة دون كسوة وحدثت تغيرات كثيرة من خلال عوامل التعرية والتغيرات المناخية ربما تجعله لا يتحمل تركيب تلك الكتل الجرانيتية مرة أخرى».

وقد تواصل «حرف» مع العالم الأثرى الكبير د. زاهى حواس، لكنه رفض التعليق حاليًا انتظارًا لاجتماع اللجنة المختصة بالملف.