الإثنين 15 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

جنة حسن الصباح الكاذبة

حسن الصباح
حسن الصباح

فى فارس عام 430 هـ/ 1039م، ولد الحسن بن الصباح، وبحسب المؤرخين، كان ذلك فى مدينة «قُم» معقل الشيعة الاثنى عشرية، ومنها انتقلت عائلته إلى «الرى» مركز نشاطات طائفة «الإسماعيلية»، فانضم إلى هذه الطريقة الفاطمية وعمره 17 سنة.

استمر «الصباح» فى قراءة كتب «الإسماعيلية» وتلقى علومها على يد مجموعة من علماء الطريقة، ثم أدى يمين الولاء للدولة الفاطمية، أمام نائب عن عبدالملك بن عطاش، كبير الدعاة الإسماعيليين فى غرب إيران والعراق آنذاك.

 

فى عام ٤٦٤هـ/١٠٧٢م وصل «بن عطاش» لمدينة «الرى»، ووافق على انضمام حسن بن الصباح إلى الدعوة الإسماعيلية، وطُلب منه السفر إلى مصر، كى يسجل اسمه فى بلاط الخليفة الفاطمى بالقاهرة.

خرج حسن بن الصباح إلى مدينة أصفهان، وأقام فيها عامين يشتغل بالدعوة وكيلًا لـ«بن عطاش»، ثم خرج منها إلى مصر، ووصل إلى هناك فى ٣٠ أغسطس سنة ٤٧١هـ/١٠٧٩م.

بعدما وصل إلى مصر، سرعان ما شمله الخليفة الفاطمى المستنصر بالله برضاه، وأغدق عليه، وأمره أن يدعو الناس إلى إمامته، فقال له حسن بن الصباح: «فمن الإمام بعدك؟»، فأشار إلى ابنه «نزار»، ومنذ تلك اللحظة، دان حسن بن الصباح بالولاء لـ«نزار بن المستنصر».

«النزارية» vs «المستعلية»

بعد وفاة «المستنصر بالله» انقسم «الإسماعيليون» بوفاته إلى جماعتين متنافستين، «النزارية» و«المُستعلية»، بعد أن نجح الوزير الفاطمى القوى الأفضل بدر الدين الجمالى، صاحب السلطة المطلقة والفعلية حينذاك، فى تنصيب الابن الأصغر لـ«المستنصر» ولقّبه بلقب «المستعلى بالله»، حارمًا بذلك «نزار»، الابن الأكبر للمستنصر ولى العهد، من حقه الشرعى فى ولاية الخلافة.

وبينما اعترف «إسماعيليو مصر» والمناطق التابعة للنظام الفاطمى فى تلك الفترة بإمامة «المستعلى» وصاروا يُعرفون بـ«المستعلية»، اعترف «إسماعيليو فارس» بإمامة «نزار»، وأصبحوا على اسمه، وكان من بينهم حسن بن الصباح.

ومع كثرة دسائس «المستعلى» وأعوانه، خاصة قائد الجيش بدر الجمالى، اضطر حسن بن الصباح إلى مغادرة مصر، وبعد رحلة خطرة كاد يغرق فيها أمام شواطئ الشام، وصل إلى مدينة أصفهان.

ومنذ ذلك الوقت، أخذ «ابن الصباح» يدعو لـ«نزار»، وشملت دعوته يزد وكرمان وطبرستان ودامغان وولايات أخرى من إيران، وكان يتفادى المدن فى تنقلاته، ويفضل أن ينتقل عبر الصحراء، حتى استقر فى منطقة دامغان، وحوّلها إلى قاعدة للدعوة إلى «الإسماعيلية النزارية».

ومن هذه المنطقة، كان يبعث الدعاة إلى المناطق الجبلية لجذب الناس إلى «النزارية»، واستمر على ذلك لمدة ٣ سنوات، حتى أصبح خطرًا داهمًا على وجود «السلاجقة» فى فارس، فصدر قرار باعتقاله.

قلعة الموت

بينما كان يواصل تنقلاته لنشر دعوته وكسب الأنصار، كان حسن بن الصباح يحاول العثور على مكان مناسب يحميه من مطاردات «السلاجقة»، ويحوله إلى قاعدة مستقرة وآمنة لنشر دعاته فى إيران، فوقع على ما يبحث عنه، فى قلعة «ألموت» المنيعة.

حصن قديم فوق صخرة عالية، تقع فى منطقة وعرة وسط الجبال، على ارتفاع يزيد على ٦ آلاف متر، وبُنيت بطريقة شديدة الإحكام، فليس لها إلا طريق واحد فقط للوصول إليها؛ ويصعب على الغزاة اقتحام هذه الطريق الوعرة من الأساس... هكذا كانت قلعة «ألموت». 

ولم يُعرف على وجه الدقة أول من بنى هذه القلعة، ويقال إن من بناها أحد ملوك «الديلم» القدماء، وأطلق عليها «ألوه أموت»، ومعناها «عش النسر».

ظل «الصباح» فى هذه القلعة الحصينة بقية حياته، فلم يخرج منها طوال ٣٥ عامًا حتى وفاته، وكان جُل وقته يقضيه فى القراءة والمطالعة، والتخطيط لنشر المذهب الباطنى الإسماعيلى النزارى، ومراسلة الدعاة وتجهيز الخطط.

كان همّه الأول والدائم طوال هذه الفترة هو كسب الأنصار والمؤيدين الجدد، والسيطرة على القلاع والبقاع الجديدة، التى تسهم هى الأخرى فى توسيع النفوذ الباطنى فى تلك النواحى.

واستمر «الصباح» فى إرسال الدعاة إلى القرى المحيطة بقلعة «ألموت»، كما أرسل ميليشياته للسيطرة على القلاع المحيطة، تارة عن طريق الخدع الدعائية، وتارة بالأساليب الدموية والمجازر.

 

Assassin

اختلفت الآراء حول سبب تلقيب فرقة حسن الصباح بـ«الحشاشين» أو «الحشاشية»، فقيل إنه أُطلق عليها هذا اللقب لأنها كانت تختفى وسط الحشائش لاغتيال معارضيها، وقيل أيضًا لشربها «الحشيش» قُبيل عمليات الاغتيال لمعارضيها، حتى لا تتراجع عنها وسط تأثير هذه المادة المخدّرة.

واشتهرت فرقة «الحشاشين» بأنها شديدة الدموية والجرأة فى مواجهة الخصوم، وكان السنة والصليبيون على السواء يخافون من غيلتهم ودمويتهم، ومهاراتهم غير المتوقعة فى الإجهاز والقتل، لذا لم يكن غريبًا أن تكون الكلمة المرادفة لـ«اغتيال» أو «قتلة» فى اللغة الإنجليزية هى «assassin». 

وجاء فى تقرير عن «الحشاشين»، أرسله أحد المبعوثين للإمبراطور الألمانى فردريك بربروسا سنة ٥٧٠هـ/١١٧٥م: «لهم سيد يلقى أشد الرعب فى قلوب كل الأمراء العرب القريبين والبعيدين على السواء، وكذلك يخشاه كل الحكام المسيحيين المجاورين لهم، لأن من عادته أن يقتلهم بطريقة تدعو للدهشة».

ولذلك كله بدأ «السلاجقة» فى إعداد ما استطاعوا له من قوة لمواجهة حسن الصباح، فبعث السلطان ملكشاه السلجوقى حملتين، واحدة على قلعة «ألموت»، والثانية على قوهستان القريبة؛ لكن الفرق العسكرية الإسماعيلية المدرّبة تصدت للحملتين، وبمساعدة من الأهالى المتعاطفين معهم فى «رودبار» و«قزوين»، اضطر «السلاجقة» إلى الانسحاب، خاصة بعد وفاة السلطان ملكشاه.

ولم يكتف «الصباح» بذلك، بل ضرب ضربة كبرى تمثلت فى اغتيال الوزير الشهير نظام الملك الطوسى، بعد عدة أسابيع فقط من وفاة السلطان ملكشاه، فى واحدة من أوائل عمليات الاغتيال الكبرى التى نفذها «الحشاشون».

النهاية

ظلت فرقة «الحشاشين» رأس حربة «الإسماعيلية» فى الانتقام من خصومهم؛ ونفذت سلسلة طويلة من الاغتيالات لملوك وأمراء وقادة جيوش ورجال دين، حتى احتل «هولاكو» قلعة «ألموت»، وقضى على شوكتهم، التى استمرت حوالى قرنين من الزمان.

وتوفى حسن بن الصباح عام ٥١٨هـ/١١٢٤م فى «ألموت»، وأشيع عنه أنه قتل أولاده فى حياته، لكن غالبية المصادر التاريخية برأته من هذا الأمر، ليتولى زعامة الطائفة من بعده بزرك أميد أو «بزرجميد»، بعد أن دعا طائفته إلى استمرار «دعوتهم» حتى ظهور «الإمام المستتر»، وفقًا لما يؤمن به أصحاب «العقيدة الإسماعيلية».

ومما يجدر ذكره فى نهاية هذه الرحلة الزمنية القصيرة إلى زمن «الحشاشين»، أنه لا تزال هناك بقايا لـ«الإسماعيلية النزارية» فى كثير من دول العالم حتى اليوم، فى مقدمتها طائفة «الأغاخانية»، والتى تبلغ نحو ١٠ ملايين شخص، ويعد إمامها واحدًا من أغنى أغنياء العالم.