الجمعة 12 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

عند ناصية التلّ البعيد

فاطمة ناعوت
فاطمة ناعوت

فى بقعةٍ منزوية

من المدينة البعيدة

التى تطفئ النورَ كعادتها 

كلَّ مساء 

قبل أن تخلدَ للنوم

أقفُ

ثم أقع

ثم أرقدُ على جنبى

أضمُّ ساقىّ إلى صدرى

وأربطُهما بساعدىّ

وذراعىّ 

وكفى

ثم أدفنُ رأسى فى الجيب الشاغر

كما جنينٍ

يرفضُ الخروجَ من رحم أمّه

وانتظر. 

أنا هى

الأمُّ

التى تقفُ عند ناصية التلةّ المعزولة

كما الأفيالِ الطيبة

حين تشعرُ بدنوِّ الأجل

تنتبذُ مكانًا قصيًّا

بعيدًا عن ضفاف الأنهار

قبل قرعِ أجراس الرحيل. 

أنا هى

الطفلةُ التى صارت أمًّا

تواعدُ الأمهاتِ 

عند سفح التلّ القصىّ 

يختلسن النظرَ من وراء الحُجب

يرمقن أبناءهن 

ثم يمنعنّ فى الشخوص

حتى يشربن من عيون الأطفال الحائرة 

ما يعينهنّ 

فى رحلتهن الأخيرة

على ظمأ الاشتياق. 

سوف أشتاقُ إليكَ

أيها الأسمرُ النحيل

يا الذى غرستَ فى قلبى هواكَ

منذ ميلادك من خصرى

دون كلمة

ودونما قُبلةٍ

أو عناق. 

مَن تُراه من بعدى

يرتّبُ لك أقراصَ الدواء

ويخبزُ عيشَك

ويحتوى قلبَك بقلبه

ويدفئ بكفيه صقيعَك؟

مَن تُراه

يدركُ أن صمتَكَ كلامٌ

وإطراقَك رضا

وشخوصَك وجل؟

مَن تُراه يجلبُ لكَ الألوانَ

من أثواب الزهور

ويشدُّ أوتارَ عودِكَ

ويُدوزنُ سكوتَك

على شدوِ الطير؟

مَن يا صغيرى 

يحملُ معك 

مخلاةَ التوحّد؟!

سامحنى يا حبيبى

إن أزفَ رحيلى 

قبل أن يشتدَّ عودُك

وتقوى ساقاك

على السيرِ

فوق أشواك

القرية الظالمة!

ولماذا

قبيل الربيع 

تعودُ العصافيرُ مسرعةً

إلى أعشاشها الأخيرة

تاركةً صغارَها 

معلّقةً بين الجبال

ناشبةً أظفارِها اللينة

بين سنون النتوءات 

وثنايا الصدوع 

لئلا تسقطَ فى سحيقِ الوادى؟

من يترفّق

بأعناق العصافير النحيلة 

تلتوى للخلف

حتى تنظرَ إلى الأمهات

يرفرفن 

بالأجنحة الواهنة

متجهاتٍ صوب الغروب 

حيث الأضرحة 

التى تتشوّق

إلى احتضان الجثامين.