الإثنين 15 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

عزيز ضومط.. صفحة مجهولة من تاريخنا الثقافى

عزيز ضومط
عزيز ضومط

أغلقت الصفحة الأخيرة من بوستة عزيز ضومط، واستعدت كلمات الأستاذ الدكتور زين عبدالهادى فى إحدى الندوات السابقة بصالون الفيشاوى عندما ذكر أن «الروائى موقف وفكرة ويجب أن يكون له هدف وليس وثائقيًا وأى وثائق يستخدمها فى كتاباته لا ضرر منها طالما أنها مقرونة بخياله وعلى الروائى أن يخرج عن القطيع»، هذا ما فعله سامح الجباس عندما خرج عن القطيع ليس فقط فى بوستة عزيز ضومط بل أيضًا فى العمل السابق رابطة كارهى سليم العشى، عندما مزج الخيال بالوثائق الغامض أحيانًا وربما المسكوت عنها والتى تستهويه هذه النوعية من الكتابات، والتنقيب عن أثر فرعونى أو مقبرة ملكية، ليس بالأمر اليسير أبدًا ولا بد من التحضير بالبحث والخرائط والأدوات واللجوء لمتخصصين إذا لزم الأمر، وتنقيب سامح الجباس عن صفحة مجهولة فى تاريخنا الثقافى العربى هو أشبه بالعثور على مقبرة فرعونية فى الجبل الغربى فى أسيوط وهو مجهود لو تعلمون عظيم يضاف إلى إبداعاته.

تسير الرواية فى خطين متوازيين، خط زمنى تاريخى معرفى مقترن مدعوم بالوثائق من خلال «هيلين» الصحفية الإنجليزية المكلفة بمهمة جمع التفاصيل عن شخصية عزيز ضومط والوصول إلى أى من أعماله مكتوبة بالعربية سواء مقالات نقدية أو مسرحيات أو روايات، وكيف وصل إلى المنافسة على جائزة نوبل فى الآداب ليصبح المرشح رقم واحد فى قائمة المرشحين، متنقلة ما بين رام الله حيث مسقط رأسه والقاهرة وبيروت، هيلين المفتونة بأخبار المستقبل والتى تنبأت للأحداث بعد ثلاثين عامًا لتصنع المعطف من الزجاج والأنسجة الحريرية من الخشب والملابس الصيفية من المطاط، هكذا كانت تقرأ المستقبل البعيد، والخط الآخر سياسى للكشف عن الأوضاع السياسية التى سادت فترة الثلاثينيات فى مصر وتمجيد جماعة القمصان الزرق لزعيم حزب الوفد مصطفى النحاس، وموقف حركة «مصر الفتاة» منه فى محاولة اغتيال باءت بالفشل وموقفهم العدائى من مقالات عميد الأدب العربى ساخطًا على مصطفى النحاس وعباس العقاد لكتاباته مقالات عن سمعة رئيسهم مصطفى النحاس.

يراوغك سامح الجباس وأنت تلهث خلفه بين السطور لمعرفة من هو عزيز ضومط، وما السر وراء عدم حصوله على الجائزة، وهل كان داعمًا للصهيونية وحرصه على حفر نجمة داود خلف باب منزله أم منتميًا للنازية وولائه لهم وكتابة كل أعماله باللغة الألمانية أم داعمًا ومؤيدًا للفن والأدب العربى من خلال مقالاته التى كتبها ونشرها عن رواد المسرح المصرى والعربى فى تلك الحقبة التاريخية، يوسف وهبى، نجيب الريحانى، ومقالته عن فاطمة رشدى تحت عنوان «كبيرة ممثلات المسرح العربى» والتى أشاد فيها بأدائها وكذلك اهتمامه الواضح بمتابعة العروض المسرحية فى فلسطين؟.

أثناء التنقيب عن عزيز ضومط كشف لنا سامح الجباس عن الوجه الآخر عن الزيارات التى قام بها فنانو مصر فى تلك الفترة لفلسطين والقدس ورام الله لنشر الثقافة وتقوية العلاقات بين مصر وفلسطين وتبرعهم بإيرادات عروضهم المسرحية لمنكوبى فلسطين فى ثورة البراق وتبرع السيدة فاطمة رشدى بحفلها للجمعية النسائية فى حيفا.

وأثناء التنقيب والبحث خلف الوثائق عثر سامح الجباس على ملف التاريخ الغنائى للخلاعة ومفردات الأغانى فى سياق المجون والخلاعة، حيث فن زمن العوالم، ومن خلال رحلة بحثى عن كاتبى تلك الأغنيات اكتشفت أن مؤلف معظمها هو الشيخ سيد القاضى الرقيب على المصنفات الفنية وقتها مع بدايات الثلاثينيات، وذلك قبل تأسيس الإذاعة المصرية ومنعها إذاعة هذه النوعية من الأغانى على خريطتها، وتعجبت لمن غنى «ليه يا بنفسج بتبهج... وأنت زهر حزين» هو أيضًا من غنى «عاشق وليه تلومونى وبين النهود واحملونى»، ولمن غنى «يا حاسدين الناس.. مالكم ومال الناس» هو أيضًا من غنى «حرص منى... اوعى تزغزغنى».

بسؤال الراوى المختفى وراء عدة أسماء «إسماعيل، عبدالوكيل أفندى، بطرس، مجدى» لهيلين المكلفة بمهمة البحث عن أسرار عزيز ضومط.. ماذا يعجبك هيلين فى مصر؟ إجابت إجابة بعيدة تمامًا على غير المتوقع له... «البقال يونانى، الميكانيكى إيطالى، الحلوانى نمساوى، الصيدلى إنجليزى، أصحاب محال الذهب يهود» وقت أن طال الكساد معظم الدول الأوروبية وغلق أسواق كثيرة فى وجه التجارة العالمية ونتيجة الأزمة الاقتصادية التى خلفتها الحرب العالمية الأولى وبعد المذابح التى دبرت لليهود فى أوروبا أصبحت مصر الملاذ الآمن للجميع. طرح سامح الجباس موضوعًا مهمًا خلال رحلة بحثه وتنقيبه بأن عالم الأدب لا يقل كذبًا عن عالم السياسة، وأشار إلى الأديب الفرنسى ألكسندر دوماس وقيامه بنشر أكثر من سبعة أعمال روائية فى الصحف باسمه بعد شرائها من صغار الكتاب مقابل المال، هذا الأديب الذى ترجمت أعماله لأكثر من مائة لغة وتحولت لأعمال سينمائية تركت بصمتها على الشاشات العالمية هى لسارق إبداع الآخرين.

لغته الخاصة وأدواته الأدبية المميزة ومغامراته فى التنقيب والبحث خلف الوثائق وإدهاش القارئ جميعها صفات لروائى متميز يراهن فى كتاباته على المغامرة ويخرج منها فائزًا فقط يتركك فى دوامة من الأسئلة لا تفسير لها تلح عليك حتى بعد الانتهاء من القراءة، من وراء ترشيح عزيز ضومط لجائزة نوبل فى الآداب، ولماذا رفض يوسف وهبى قيامه بتمثيل أحد أعماله المسرحية التى كتبها له، وهل يمكن لكاتب عربى الترشح لجائزة نوبل دون وجود نسخة واحدة له فى المكتبة العربية، ومن وراء استبعاده عن الجائزة؟