الإثنين 15 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

كسر «التابوه».. مؤلفون أفارقة يتحدون الواقع بالكتابة عن «مجتمع الميم».. والجوائز تنهال

حرف

فيما لا تزال حدة المناقشات بالولايات المتحدة الأمريكية حول حرية التعبير فى أوجها وسط مطالبات لمنظمات شتى بالنظر فى قضية حظر الكتب التى ترتفع نسبها يومًا تلو الآخر، لا سيما تلك الكتب المتعلقة بالمثليين ومجتمع الميم التى ما زالت محل استهداف بمكتبات المدارس على وجه الخصوص، رصد تقرير، يكاد يكون احتفائيًا، نشرته مؤخرًا الصحيفة الأمريكية ذائعة الصيت «نيويورك تايمز»، ما سمّته «ازدهار» الكتابات الأدبية عن المثلية الجنسية فى إفريقيا. 

يدافع التقرير عن فكرة مفادها أن المثلية الجنسية ليست استيرادًا غربيًا، وإنما هى تعبير عن هموم حقيقية لدى شريحة من الأفارقة الذين هم بحاجة لإيصال صوتهم، راصدًا عددًا من الكتابات الخيالية وغير الخيالية بهذا الصدد ومتحدثًا مع الكتّاب عن دوافعهم نحو نشر هذه الأعمال. 

طفرة كبيرة

ثمة طفرة فى الكتب المنشورة عن المثليين ومغايرى الجنس فى جميع أنحاء إفريقيا. فبعد أن ظلت قصصهم محجوبة فترة طويلة فى الأدب والحياة العامة، أصبحت تحتل مركز الصدارة فى الأعمال التى تتخطى الحدود عبر القارة، وتحظى بمراجعات عدة.

تشارك دور النشر الكبرى فى أوروبا والولايات المتحدة فى هذا الحدث، ولكن ثمة ناشرين جددًا فى جميع أنحاء القارة يستهدفون نشر أعمال كتّاب أفارقة لجمهور إفريقيا فى المقام الأول، ومنهم «ثابيسو ماهلاب»، الذى أسس شركة Blackbird Books فى جنوب إفريقيا، ونشر أعمال لـ«ناخانى»، وهو كاتب وفنان مثلى الجنس، وكتاب «Exhale»، وهو أنطولوجيا لكتابات عن المثلية الجنسية. 

يتوافق هذا الزخم، حسب التقرير، مع لحظة ثقافية أوسع. فالمزيد من الأفارقة يناقشون الجنس بشكل علنى ويعبرون عن هوياتهم الجنسية، كما تحتفل المهرجانات السينمائية بتجارب المثليين، ويتحدث بعض الزعماء الأفارقة دعمًا لمجتمع المثليين، ويلجأ الشباب، الذين يشكلون أغلبية سكان القارة، إلى وسائل التواصل الاجتماعى لمناقشة هذه الكتب، وتعمل الشاشة الكبيرة على جلب بعضها إلى جمهور أوسع من القراء.

تجارب خاصة

بصفته مراهقًا مثليًا نشأ فى شمال نيجيريا، غالبًا ما وجد «أرينزى إيفيكاندو» نفسه يبحث عن كتب تعكس ما يشعر به، فتّش بين الكتب فى المنزل وتخيل روابط أوثق بين الشخصيات المثلية، كما بحث فى أكشاك الكتب فى كانو، المدينة التى عاش فيها، على أمل العثور على قصص تركز على مجتمع المثليين. وفى وقت لاحق، خلال زياراته السرية مقاهى الإنترنت، صادف قصصًا رومانسية للمثليين، لكنها غالبًا ما ركزت على حياة بعيدة عن حياته الخاصة. أراد «إيفيكاندو» المزيد. ثم بعد تخرجه فى الجامعة، بدأ بكتابة قصص قصيرة يحارب فيها رجال مثليون الوحدة، لكنهم وجدوا أيضًا الشهوة والحب فى نيجيريا المحافظة فى العصر الحديث. 

قال «إيفيكاندو»، البالغ من العمر ٢٩ عامًا: «لقد أخذت دائمًا رغباتى ومخاوفى وأفراحى على محمل الجد، كنت أعلم أننى أريد أن أكتب عن الشواذ، هذه هى الطريقة الوحيدة التى سأتمكن من خلالها أن أفعل شيئًا».

اكتسبت قصصه جاذبية لدى القراء والنقاد. فى عام ٢٠١٧، وصل إلى المرحلة النهائية لجائزة كين للكتابة الإفريقية، وفى العام الماضى، فازت مجموعته الأولى «أبناء الله أشياء صغيرة مكسورة»، بجائزة ديلان توماس للكتاب الشباب.

أما مونيكا أراك دى من أوغندا فقد كتبت «شجرة جامبولا»، وهى قصة قصيرة تدور حول قصة حب بين فتاتين، وتم اقتباسها فى فيلم «رفيقى» الذى عُرض فى مهرجان «كان».

التصدى للقانون

حسبما جاء فى التقرير: تُنشر الكتب الخيالية والواقعية والروايات المصورة كوسيلة للتصدى لرهاب المثلية والتشريعات المناهضة للمثليين فى جميع أنحاء إفريقيا. ويقول المؤلفون إنهم يأملون من خلال كتابتها فى إشراك القراء وتحدى المفاهيم السائدة حول أن المثلية الجنسية مستوردة من الغرب.

قال كيفن مواتشيرو، الذى شارك فى تحرير «لقد كنا هنا»، وهى مختارات غير روائية عن الكينيين المثليين الذين يبلغون من العمر ٥٠ عامًا أو أكثر: إن هذه الكتب هى دعوة لتغيير العقليات وبدء الحوار، فهذه الكتب تقول: «أنا لم أعد ضحية بعد الآن»، إن المثليين يقولون: لا نريد أن يتم التسامح معنا، نريد أن نحظى بالاحترام.

ينوه التقرير إلى أنه على الرغم من أن الزخم فى نشر الكتابات حول الموضوع جديد، لكن الكتب التى تركز على قصص المثلية الجنسية ليست غير مسبوقة فى إفريقيا، فقد أثارت رواية محمد شكرى «الخبز الحافى» التى صدرت عام ١٩٧٢ ضجة كبيرة فى المغرب بسبب تصويرها العلاقة الجنسية المثلية وتعاطى المخدرات، كما أن رواية «فى غرفة غريبة» التى صدرت عام ٢٠١٠ للكاتب الجنوب إفريقى دامون جالجوت، الحائز على جائزة بوكر، تدور أحداثها حول بطل الرواية مثلى الجنس، كما تصدر المؤلف الكينى بينيافانجا وايناينا عناوين الصحف العالمية فى عام ٢٠١٤ عندما نشر فصلًا من مذكراته بعنوان «أنا مثلى الجنس يا أمى».

لكن الكتب التى تُنشر الآن، كما يقول خبراء الأدب والناشرون، تعمل على توسيع نطاق الأدب الإفريقى. تغوص هذه القصص، الملاحم العائلية والإثارة والخيال العلمى وغيرها، فى تعقيدات المثلية الجنسية فى إفريقيا وفى الشتات، ويتساءل كتّابها عن الصمت المحيط بالثقافة المثلية فى مجتمعاتهم، فهم ينظرون إلى تقاطع السياسة والدين والجنس مثلما فى كتاب «يجب أن تكون مثليًا حتى تعرف الله» لـ«سيا كومالو، و«لم يمت أحد بعد» لـ«كوبى بن بن». 

تستكشف الكتب أيضًا العملية الصعبة والحرجة المتمثلة فى التواصل مع الآباء المحافظين، وتتخيل عائلات بأكملها ينتمى أفرادها إلى مجتمع الميم، فغالبًا ما يستخدم المؤلفون الأعمال الخيالية لتخيل عوالم جديدة وجريئة.

 

من الأدب الإفريقى

تركز الكاتبة الأمريكية النيجيرية تشينيلو أوكبارانتا على قصة بلوغ امرأة شابة خلال حرب بيافرا الأهلية فى نيجيريا فى روايتها الصادرة عام ٢٠١٥ بعنوان «تحت أشجار أودالا». بطلة الرواية، إيجوما، تلتقى نديدى بعد الانتهاء من المدرسة. يحضران معًا حفلات مثلية سرية فى الكنيسة ويستكشفان المتعة الجنسية ويتحدثان حتى عن الزواج.

أثناء نشأتها، قالت أوكبارانتا إنها قرأت «رسالة طويلة جدًا»، وهى رواية رسائلية للكاتبة السنغالية مارياما با عام ١٩٧٩، تكتب فيها أرملة إلى صديقتها القديمة، ووجدت نفسها تتخيل عالمًا قد يكون فيه المزيد من العلاقات بين النساء، مضيفة: لا بد أننى كنت متعطشة لرواية إفريقية بقصة كهذه.

تنتهى رواية «تحت أشجار أودالا» بملاحظة مفعمة بالأمل: تقبلها والدة إيجيوما وينتهى الأمر هى ونديدى معًا بعد انهيار زواجها من رجل. حتى أن نديدى تتخيل أن نيجيريا آمنة للمثليين، وهو عمل جرئ، خاصة أنه نُشر بعد عام من توقيع الزعيم النيجيرى السابق على قانون عقابى ضد المثليين.

ويشارك مؤلفو الكتب الواقعية أيضًا تجاربهم فى الحب والمواعدة، والتنقل فى أماكن عمل معادية ومواجهة الرفض من أقاربهم والعثور على ما يسمونه عائلاتهم المختارة، حتى عندما تعطى الأولوية للاعتراف والتطهير، تهدف بعض الكتب أيضًا إلى إعطاء نافذة على حياة المثليين فى القارة.

 

الكتابة من الغرب

بعض الكتاب الأفارقة المثليين أسسوا حياتهم المهنية فى الغرب، ويستخدمون عملهم لاستكشاف المجتمعات التى تركوها وراءهم. ومن بين هؤلاء عبدالله الطايع، الكاتب المغربى الأصل المقيم فى باريس الذى غالبًا ما يُعتبر أول كاتب ومخرج عربى مثلى الجنس بشكل علنى. كتب الطايع تسع روايات تبحث فى معنى أن تكون مسلمًا، ومثليًا، وعربيًا، وإفريقيًا. كما أخرج فيلمين، لكن عمل الطايع ركز أيضًا على فرنسا وأوروبا والمشاعر المعادية للمهاجرين والمسلمين التى ظهرت هناك.

قال الطايع: إذا كنت مثليًا، ولا تفكر إلا فى تحرير المثليين، وهذا يعنى أنك لا تفهم شيئًا عن كيفية سير العالم. يجب الوعى بأنه «أنا لست حرًا تمامًا لأن الآخرين ليسوا أحرارًا». 

بالنسبة للعديد من هؤلاء المؤلفين، جلب النشر الاعتراف العام وحتى التقدير. لكن البعض واجه مضايقات أو حتى تهديدات بالقتل. ويأمل المؤلفون فى أن تلهم الكتب الأجيال الشابة لقراءة صورة كريمة ومتوازنة للأفارقة المثليين.