الثلاثاء 16 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

«خلف خطوط الذاكرة»... فصل من مذكرات خالد منتصر

خالد منتصر
خالد منتصر

- كانت تداعبنى أحلام الصحافة والكتابة ونموذج رئيس التحرير السينمائى الذى يهتز الكون لمقاله المكتوب وتتلهف المطبعة على كلماته

- فى فترة الامتياز قضيت عدة أشهر فى مستشفى بولاق الدكرور

يثرى المفكر المستنير د. خالد منتصر المكتبة المصرية والعربية، قريبًا، بنشر مذكراته، عن دار ريشة للنشر، تحت عنوان «خلف حظوظ الذاكرة.. سيرة ذاتية لجيل الآمال المؤجلة»، وهو إصدار يستحق التوقف أمامه، فما يرويه «د. خالد» ليس مجرد «سيرة شخصية» بل «سيرة وطن» من واقع ما عاشه وما شهدته مصر من تحولات تركت أثرها عليه كما أثرت على بلد بأكمله.

وفى المذكرات يتحدث د. خالد بصدق واعتراف واضح، لا يخفى شيئًا ولا يزيد شيئًا، بل يحكى كما رأى وعاش.

«حرف» تنفرد، فى هذا العدد، بنشر فصل من هذه المذكرات القيمة.. فتعالوا معًا لنعرف كيف عاش خالد منتصر.

بعد ظهور نتيجة الثانوية العامة موسم ٧٦-٧٧ دخلت مرحلة لصق الطوابع المكتوب عليها الرغبات، لم يكن هناك كمبيوتر وموقع لكتابة الرغبات، ولكن كانت هناك الطوابع التى تستهلك مخزون اللعاب، حتى ولو كنت الأول على الجمهورية لا بد أن تستنفد كل خانات الرغبات، كنت ما زلت حائرًا تتنازعنى رغبتان ملحتان، كلية الطب وكلية الإعلام، كنت أميل نفسيًا إلى كلية الإعلام، لكنى بمشاعر المراهقة وتماشيًا مع الصحبة والأصدقاء كان الاختيار الأقرب هو كلية الطب، كانت تداعبنى أحلام الصحافة والكتابة ونموذج رئيس التحرير السينمائى الذى يهتز الكون لمقاله المكتوب، وتتلهف المطبعة على كلماته وتنتظر وتؤجل الجريدة حتى ينتهى من الكتابة، وكان هناك على الجانب الآخر حلم السماعة والبالطو الأبيض وقبس النبوة وغموض التأمل ومهابة السلطان التى تغلف أسطورة الطبيب، همس أبى فى أذنى: «لن تتعلم الطب خارج كلية الطب، لكنك من الممكن أن تتعلم الصحافة خارج أروقة كلية الإعلام»، بنزق المراهقة وعنادها ومراوغاتها الساذجة كتبت أول رغبة طب القاهرة وكان مجموعى يضمنها ويتجاوزها بكثير، وكانت ثانى الرغبات إعلام القاهرة، إثبات حضور وتنفيس عن رغبة مدفونة، ويبقى «عملت اللى علىّ» وأرضيت ضميرى، جاءت نتيجة مكتب التنسيق كما توقعت دون مفاجآت، كلية طب القاهرة، لكننى عرفت أن السنة الأولى لن تكون فى قصر العينى، ولكن فى كلية العلوم داخل حرم جامعة القاهرة، هكذا كان النظام، سنة كاملة لا علاقة لك بكلية الطب على الإطلاق، تدرس علم الحيوان والنبات والفيزياء والكيمياء والإحصاء، تشرّح الضفدعة والأرنب، وتدخل معمل الكيمياء وتدرس الكيمياء العضوية وغير العضوية، أما الفيزياء فحدّث ولا حرج؛ كانت بالنسبة لنا ألغازًا وطلاسم، أين المريض؟ أين السماعة والبالطو؟ أين مشية الخيلاء والتباهى وأسئلة المرضى تلاحقك وتوسلاتهم تحسسك بالأهمية وتمنحك الحيثية؟ أين حلم الحكيمباشى الذى ظل الأهل يقنعوننا ويغسلون أدمغتنا بأنه العصا السحرية التى ستجعلك الثرى المليونير صاحب «الخمسة عين»، والكاهن الذى ينوّم أفراد القبيلة مغناطيسيًا، والآمر الناهى الذى يحكم الجميع بلا عرش، هل هذه هى القصة؟ مجرد محاضرات مملة فى مدرج معزول، لا كيان لنا ولا شكل، بضعة طلاب زائدون على الحاجة، لسنا طلابًا فى كلية العلوم، ولا نعرف شكل بوابة كلية الطب أصلًا، زائدة دودية فى قبة جسد جامعة القاهرة المهيبة! أحمل طبقى المعدنى الملىء بالشمع، مستعدًا لتثبيت الضفدعة المسكينة بالدبابيس على سطحه، ومعى كتاب علم الحيوان الذى أحفظ منه خطوات تشريح الضفدعة بحيث أحافظ على جهازها الدورى ومسار الشرايين والأوردة فيها، كانت ميزانيتى المحدودة لا تسمح لى بالإسراف فى شراء الضفادع من عم محمد الذى يأتى للكلية بالشوال المحشو بالضفادع من إحدى قرى الجيزة، لذلك علّمنى ضيق ذات اليد الحرص على عدم الخطأ فى التشريح حتى لا أضطر للجوء لعم محمد والفصال معه، خاصة أن الأسعار تحدد بناء على حجم الضفدعة ووزنها! ما زالت الذاكرة تحتفظ بأستاذ واحد من تلك المرحلة، د. حسين فوزى، أستاذ علم الحيوان، الذى كان يشبه الأتراك بوجهه الأحمر وشعره الذهبى وحاجبيه الغليظين، لم تكن طريقة شرحه أو محاضراته العلمية، رغم أهميتها، هى التى جذبتنى وجعلتنى أحتفظ بملامحه فى ذاكرتى حتى هذه اللحظة، لكنها جمعية التذوق الموسيقى التى شكّلها فى الكلية، لدرجة أننى تخيلته لفترة د. حسين فوزى السندباد الذى كنت أستمع إليه فى البرنامج الموسيقى، لكن سرعان ما اكتشفت الفرق من اختلاف نبرة الصوت والملامح، عرفت فيما بعد من الأجيال التى سبقتنى أن هذا الرجل كان طيلة عمره راعيًا للفنون بمختلف أنواعها داخل كلية العلوم، وكان صديقًا للإذاعى العبقرى المأمون أبوشوشة، خريج كلية العلوم، بالرغم من فتح تلك النافذة الفنية من خلال د. حسين فوزى، فإنها لم تروِ عطشى إلى الفن والأدب والتجول فى دروب الثقافة الأخرى، ما زالت النداهة تنادى، وما زلت ممسكًا بخيوط السراب، المدهش أننى منذ أول يوم فى كلية العلوم قابلت نفس الشخصيات الحائرة التائهة ما بين دراسة الطب والرغبة فى الهروب إلى باحة الفن الرحبة، قبل الدخول إلى مدرج كلية العلوم لحضور أول محاضرة فى علم النبات، وقبل أن يقص علينا أستاذ المادة كيف نصنف النباتات، للمملكة والشعبة والطائفة.. إلخ، لمحت مجلة حائط يمسك بها ثلاثة طلاب، اقتربت أكثر، وجدت العنوان «الرجل والجنس» و«المرأة والجنس» بقلم نوال السعداوى، مصطفى قاسم ومصطفى رجب ومحمد إدريس، منهم من يكتب شعر العامية، ومنهم من يكتب شعر الفصحى، ومنهم المغرم بالفلسفة وعلم النفس، بمجرد المصافحة وصباح الخير صرنا أصدقاء، وبدأ البعض يتجمع حولنا ويستمع إلى حواراتنا، ومنهم طالب رشيق الخطوة اسمه شريف عبدالعليم، سألته عن مدرسته، فقال إنه خريج مدرسة الباليه، اندهشت، توقعت أنها دعابة، فلم أكن أعرف أن هناك مدرسة باليه من الممكن أن تتخرج فيها وتدخل كلية الطب، عرفت فيما بعد أن شريف هو شقيق الفنان ممدوح عبدالعليم الذى كان قد اشتهر بين جيلنا بمسلسل الأطفال «وليد ورندا فى الفضاء»، كان شريف هو أشطرنا فى مادة التشريح لأنه كان قد تعلم مبادئها فى مدرسة الباليه، تحلقنا حول المجلة وكأننا فى مجال مغناطيسى كونى لا فكاك منه، سحر كلمات نوال السعداوى، قوتها، صدمتها وصدامها، وأسئلتها المؤرقة، كسرها للتابوهات، نقاشات الطلبة التى تحولت لخناقات، تراجع البعض وكأن قراءة المجلة نجاسة. وتحمس البعض الآخر وكأنه اكتشف منجمًا للذهب، هذا الجو أيقظ فى داخلى مرة أخرى شرارة البحث عن ثغرة أنفذ منها إلى عالم الأدب والصحافة، قررت التزويغ من المحاضرات وحضور محاضرات كلية الإعلام خاصة محاضرة الشاعر فاروق شوشة الذى كان يدرّس من كتابه «أجمل عشرين قصيدة فى الحب»، وأيضًا كتاب عن لغتنا الجميلة وأسرارها وقُل ولا تقل.. إلخ، كان الشاعر فاروق شوشة من قرية أبى، عرّفته بنفسى، فاستقبلنى بترحاب شديد وذكر أن أبى هو أول المتعلمين فى القرية وأنه شجعه وكان قدوته، وذكر لى أبى بعد أن حكيت له عن تلك المقابلة، أنه يذكر جيدًا أنه فى طابور الصباح عندما كان أبى فى نهاية المرحلة الثانوية، وقف طالب جديد خجول أمام الميكروفون ليلقى قصيدة من كتاب مطبوع، كان هذا الطالب هو فاروق شوشة ابن بلده، وكان من طبع له الكتاب على حسابه مدرس اللغة العربية فى مدرسة دمياط الثانوية الأستاذ طاهر أبوفاشا، الذى أمتعنا فيما بعد بألف ليلة وليلة وغيرها من درر الإذاعة، كانت يدى ترتعش وأنا أقدم مجموعة من القصص القصيرة التى كتبتها، طالبًا منه قراءتها وتقييمها، عندما قابلته فى المحاضرة التالية أبدى إعجابه بالقصص، وحللها لى، أين نقاط القوة وأين نقاط الضعف، وقال فى نهاية حديثه: «كمّل فى كتابة القصة القصيرة.. فيك قبس من يوسف إدريس»، بمنتهى العفوية قبّلته واحتضنته، اندهش الطلبة من هذا التصرف الغريب مع أستاذهم الوقور، قفزت سلالم كلية الإعلام المزدحمة فى ثوانٍ، لم أندم على شىء فى حياتى قدر ندمى على عدم سماع نصيحة فاروق شوشة.

خرجت من باب كلية الإعلام لأجد شابًا يتحلق حوله الطلبة، يقف خطيبًا على ترابيزة الكافتيريا التى تجمع طلبة إعلام وسياسة واقتصاد، والتى كنا نقصدها لتناول الساندوتشات أحيانًا ومراقبة الحسناوات غالبًا، فقد كانت تلك الكافتيريا هى قِبلة كل من يريد تنسم عطر الجمال والشياكة من أبناء كليات الجفاف والنظارات السميكة والبلاطى التى أكلتها الأحماض، كان الشاب نحيل الجسد ممشوق القامة، يطل من خلال نظارته المعدنية على الطلبة المتحلقين حوله، يسمعون خطبته وينظرون إليه رافعين أعناقهم، فقد كان واقفًا على إحدى موائد الكافتيريا، هذا الشاب الذى كان قد تخرج فى كلية السياسة والاقتصاد منذ سنوات، كان نجم الحركة الطلابية آنذاك، وخطيبها المفوه، أحمد عبدالله رزة، تلك الكاريزما التى برغم رحيلها ما زالت تنبض فى المكان والزمان، فيما بعد صار هذا الشاب الذى حورب كثيرًا فى كليته، ولم يستطع استكمال دراساته العليا فى كليته فى مصر، صار أستاذًا فى المعهد الدبلوماسى للملتحقين بوزارة الخارجية، بعد أن حصل على الدكتوراه من قلب إنجلترا، عاصمة الديمقراطية ومهد علوم السياسة، استمعت إليه وانبهرت مأخوذًا بطلاقته فى الخطابة ولغته المنضبطة وإيقاعه المسرحى وثقافته الواسعة، بعد أن أنهى خطابه الذى كان معظمه هجومًا على سياسة الرئيس السادات، ونزل من على المائدة، صافحته وسمعته يتفق مع أصدقائه على لقاء مسائى فى كلية هندسة القاهرة لحضور حفل أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام، سيغنيان معًا أمام الطلبة فى ساحة الكلية، ومع عود الشيخ إمام كان هناك رق محمد على، لم أكن أعرف الشيخ إمام إلا من خلال شريط كاسيت ردىء الصوت أحضره لى خالى، لم يتح لى هذا الشريط معرفة هذه الخلطة السحرية العبقرية، نجم إمام أو إمام نجم، والتى ظلت تصاحبنى طيلة الكلية كموسيقى تصويرية فى خلفية مشاهدى الحياتية، الحلو منها والمر، حضرت الحفل وكنت منتشيًا بالحالة وليس بالصوت أو اللحن فقط، كل الشباب يغنى فى صوت واحد، حتى صاحب الصوت الأجش أو صاحبة الحنجرة المشروخة، الحالة لم تكن تطريبًا، بل كانت أقرب إلى نشوة جلسات الذكر الصوفية، لم يكن مهمًا أن تأتى بالمقام الموسيقى أو «تعفق» قفلة الكوبليه، لكن المهم أن تحس الكلمة وأن يخترقك اللحن، بعدها صنعت كوكتيلاتى وألبوماتى الخاصة من شرائط الأصدقاء الذين سجلوا للشيخ إمام ونجم، سواء فى جلسات خاصة أو فى حفلات كليات أو فى حزب التجمع أو فى سفرياتهما ورحلاتهما فى الدول العربية وأوروبا.

فى نفس فترة إعدادى طب التى قضيتها فى كلية العلوم، أضيفت إلى كلية الإعلام التى كنت أحضر بعض محاضراتها، كلية الآداب، لم أكن أحضر المحاضرات بل كنت أتسلل إلى حجرة أساتذة قسم اللغة العربية الذى كان شهيرًا بأنه خلية المعارضة فى الجامعة ومدرسة المشاغبين من حاملى الدكتوراهات! دخلت فى البداية على استحياء من باب عرض ما أكتبه من قصص قصيرة عليهم، ثم تطور الأمر إلى مناقشات سياسية، ومنها إلى صداقات مع البعض، لأن خيوط التواصل ظلت حتى بعد تخرجى فى الكلية، فيما بعد فى فترة الامتياز قضيت عدة أشهر فى مستشفى بولاق الدكرور، الذى كان بالصدفة قريبًا من مساكن أعضاء هيئة تدريس جامعة القاهرة ومنهم أساتذة فى كلية الآداب، وكان أقرب صديق حينذاك فتح لى باب توطيد الصداقة، هو د. سيد البحراوى الذى كان فى ذلك الوقت مدرسًا صغيرًا فى قسم اللغة العربية، أما فى وقت إعدادى طب فقد جذبنى مغناطيس هذه المجموعة المتمردة التى كانت تمثل لى وقتها وجهًا آخر يختلف عن الوجه التقليدى الأكاديمى لأساتذة الجامعة الآخرين، فقد سمعتهم وهم يواجهون مسألة الدراسات العليا للسيدة جيهان السادات، ويتصدون للضغوط الجامعية عليهم، ويناقشون بكل صراحة الأحوال السياسية وينتقدون سياسات الرئيس السادات الانفتاحية، وكانت أكثر النقاشات صدمة لى فى ذاك الوقت نقاشاتهم حول التراث الإسلامى التى كانت فى ذاك الوقت جديدة على وعيى الحائر الذى تشكل فى مجتمع محافظ ومتدين، لا يقترب من هذا التراث إلا بالتقديس، كان ما جذبنى إلى مجموعة اليسار فى قسم اللغة العربية ليس د. جابر عصفور فى البداية، ولكنه أستاذ آخر لم يأخذ حظه من التقدير وهو د. عبدالمحسن طه بدر، الذى كنت قد قرأت له كتابًا عن تحليل روايات وشخوص نجيب محفوظ، سحرنى هذا الكتاب، ومنه تعرفت على أهمية النقد الأكاديمى واختلافه عن النقد الانطباعى العابر، ذهبت اليه لأناقشه فى الكتاب خاصة قضية اختيار نجيب محفوظ أسماء أبطاله التى كان له فيها وجهة نظر بكر وطازجة ومدهشة، فقد كان منها الرمزى المباشر مثل «عرفة» فى «أولاد حارتنا» ومنها المراوغ مثل «حميدة» فى «زقاق المدق».. إلخ، المهم أنه كان بداية طرف الخيط، ثم بدأت دخول هذه المغارة السحرية التى لم أكن أتصور أنها تحوى كل هذه الكنوز، فقد كان التصور السائد عن أساتذة اللغة العربية أنهم متحفظون بل متزمتون، لكنى عندما قابلتهم فى هذه السن وتلك الفترة عرفت أن جينات طه حسين قد انتقلت إلى الأحفاد، فقد كانت تلميذته سهير القلماوى وهى من الجيل الوسيط بينه وبينهم، ما زالت تحضر إلى طلبة الدراسات العليا، ولها حضور وثقل وكاريزما، عرفت فيما بعد أن ابنها نابغة من نوابغ طب الكلى عندنا فى كلية الطب، وورث عنها جدية البحث وصرامة المنهج العلمى، كان بجانب الأساتذة الكبار فى القسم كان هناك شاب يخطو خطواته الأولى فى سلك البحث الأكاديمى، هذا الشاب كان نصر حامد أبوزيد، الذى لم أتوقع أن يؤثر كل هذا التأثير فى جيلنا، كان هدوء نبرة صوته وخجله الريفى لا يمنح الجالس معه أى نبوءة عن العواصف والزلازل التى سيحدثها فى مناهج البحث التى تتعامل مع التراث وحتى مع النص المقدس، لم أشاهده بعدها فى قسم اللغة العربية ولكنى شاهدته فى المحاكم قبل رحلة النفى إلى هولندا بعد حكم التفريق العبثى بينه وبين زوجته.

كانت ميزة فترة إعدادى طب أن اتساع ورحابة جامعة القاهرة خففت من وطأة المزاج السلفى الذى كان قد بدأ على استحياء، لكنى وقتها ومع انغماسى مع شباب اليسار فى كليات أخرى داخل الجامعة، وقتها لم أرصد بدقة ما كان يحدث خارج مدرجى «والى» و«مشرفة»، مكان محاضراتنا، كان مسجد أسد بن الفرات فى الدقى يجمع الزملاء خاصة أبناء الريف من سكان المدينة الجامعية، هذا المسجد صار بؤرة التجنيد للجماعة، وبدأ عدد كبير من الطلبة يحضر دروس الشيخ «إبراهيم عزت»، وهو داعية شهير أسس جماعة التبليغ والدعوة؛ وهى جماعة كانت بعيدة عن السياسة رغم أن مؤسسها إخوانى قديم، وكان مقر الشيخ عزت هو مسجد «أنس بن مالك» بالمهندسين وهى أيضًا منطقة ليست بعيدة عن المدينة الجامعية، تزامنت مع سطوة المسجد ومشايخ الجماعة، سطوة المعمل حيث مجموعات شرح المواد من «د. عاصم»، مدرس علم الحيوان، الشاب الملتحى الهادئ الذى كان هو الآخر يجند للجماعة معظم طلاب المدينة الجامعية وغيرهم من المحبَطين الحائرين، كنت لا أفهم وقتها سر كراهية بعض الطلبة الذين كانوا يحضرون دروس «عاصم» صغير السن لأستاذه د. حلمى بشاى وهو واحد من كبار أساتذة علم الحيوان فى مصر، بدأت الانتقادات من هؤلاء ضده بحدة، والهجوم عليه بشراسة، وعرفت بعدها أن عاصم قد بدأ زرع بذرة الفتنة الدينية وسط المصطلحات اللاتينية. 

فى وسط كل هذا الزخم وتلك اللقاءات مع شباب من نفس السن وأساتذة من جيل سابق، وشاب يتحسس طريقه، يتشرب ما حوله، يتصور أن الحياة والثقافة مجرد كتب وحوارات ونقاشات ساخنة وأصوات عالية فى ندوات مغلقة، فوجئت وأنا فى الكلية ووسط هذا الجو بمشاهد لم أكن قد رأيتها أنا أو جيلى من قبل فى حياتى، بمظاهرات يناير ١٩٧٧، أو ما أطلقوا عليه «انتفاضة الخبز».