الثلاثاء 13 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

شيزوفرينيا المليجى.. رحلتى مع إمبراطور الشر

حرف

- تفاصيل مثيرة عن طقوس الغرفة السرية للانضمام للمحفل الماسونى الذى ترأسه يوسف وهبى 

أن تعيش مع الفنان الكبير العملاق «توفيق الدقن» عامين من البحث والتنقيب لتكتب سيرته الذاتية.. فهذا قدر.. فهو العم الغالى.. أما أن تعيش عامين آخرين مع الفنان الكبير محمود المليجى.. فهذا هو الاختيار والقرار المحبب لقلبى، لأنى أعلم أن ما أنجزه وأكتبه عن العملاق الكبير سيسعد العم الغالى الذى كان يعتبر محمود المليجى أخًا أكبر وصديقًا مقربًا وأستاذًا فى المهنة والحياة.

ويوم وفاته 6 يونيو 1983- حسبما حكى لى المستشار ماضى توفيق الدقن- بكى كما لم يبكِ من قبل.. فعندما سمع خبر الوفاة ظل يصرخ ويبكى وينادى «عمك محمود مات».

الصداقة الممتدة بين الاثنين- الدقن والمليجى- بدأت عندما واجهه لأول مرة فى فيلم «أموال اليتامى» ١٩٥٢... دارت الكاميرا، لكن توفيق الدقن بدا تائهًا، والمخرج جمال مدكور يصرخ: «يا أستاذ دقن ركز فى الدور»، وفى هذه اللحظة شعر المليجى بارتباك هذا الممثل الصاعد «آنذاك»، وأن أمرًا ما يشغل تفكيره، وطلب من المخرج وقتًا للراحة، واصطحب معه الدقن إلى غرفته. 

صحَّت توقعات «غول التمثيل» حينما قال الدقن: «سبب ارتباكى هو أنت.. هل تعلم يا أستاذ محمود أن والدتى تقف بجانبى كى أعمل بالتمثيل بينما أبى يرفض أن أمتهن هذه المهنة، ولكن والدتى لها شرط وحيد»، فسأله المليجى: «إيه هو الشرط ده؟» فقال: «أن أكون مثل محمود المليجى»، فضحك الأخير قائلًا: «اعتبر نفسك محمود المليجى».

كان ذلك الموقف بداية صداقة وزمالة وأُخوة حقيقية بين المليجى والدقن، وظل الأخير ملازمًا لـ«الشرير الطيب» فى كل أعماله، لا سيما أفلام «الأكشن» ليصبح الضلع الثالث فى مثلث «الشر» مع فريد شوقى «ملك الترسو» وغريمه «شرير الشاشة» فقد سبقاه إلى النجومية، وظل يتبارى معهما فى الأداء، وتنوعت أدواره مثلهما بين الطيبة والشر ليؤكد بصمته الخاصة فى السينما والمسرح والدراما التليفزيونية.

إذن الكتابة عن الفنان الكبير محمود المليجى هى نوع آخر من العرفان والمحبة للعم الغالى توفيق الدقن، وفى الوقت نفسه هى نوع من التوثيق لرحلة رجل أثرى حياتنا الفنية لعقود طويلة، اختفت مذكراته التى أعلن عنها قبل رحيله، وهذا جعل من عملية التوثيق رحلة شاقة لكنها حقًا ممتعة.

والثابت أن حوادث عاصفة واجهت المليجى، ودفعته فى سنوات لاحقة إلى أن يؤجل كتابة مذكراته الشخصية، التى قرَّر أن يسطرها بقلمه، وكتب بالفعل أجزاءً كثيرة منها بخط يده مثلما صرَّح هو بنفسه فى العدد ١٥١٩ من مجلة الكواكب حين أكد أنه انتهى من تلك الأجزاء قبل أن يعلن ثانية ما عرضته عليه دار نشر كبيرة فى إحدى البلاد العربية والتى قررت شراء مذكراته بمبلغ كبير.

المليجى أكد أيضًا فى التقرير نفسه الذى نُشر فى التاسع من سبتمبر عام ١٩٨٠ أنه رفض هذا العرض مفضلًا الانتظار مدة لأسباب خاصة به، ولكن الغريب أننا لم نعلمْ شيئًا بشأن تلك المذكرات فيما بعد.

فهل يتم كشفها فى المستقبل القريب؟، أم أنها دُفنت لتلك الأسباب الخاصة التى لم يتعرضْ لها المليجى فيما بعد لنخسر بذلك كنزًا كبيرًا من الأسرار.. لتظل حياته الخاصة كجبل من الثلج لا تظهر منه سوى قمته ليغيب فى ذروة التألق ومعه كثير من الأسرار، وكأننا إزاء شريط سينمائى غامض، وحلقات مفقودة أسقطها كاتب سيناريو موهوب عن عمد ليعلق فى ذهن المشاهد هذا الصعود المتنامى لممثل أسطورة عركته التجارب حتى صار أحد أبرز النجوم فى تاريخ السينما المصرية.

رحلة البحث خلف «المليجى» كانت شاقة وممتعة فى الوقت نفسه.. سعادتى كانت لا توصف كلما وجدت مقالًا له يتحدث فيه بنفسه عن بداياته.. وكلما وجدت حوارًا «تليفزيونيًا أو إذاعيًا أو صحفيًا» يذكر فيه واقعة توثق معلومة عنه وعن حياته المثيرة المليئة بالدراما... مئات المقالات والحوارات الصحفية والإذاعية والتليفزيونية عشت فيها أيامًا وليالى طويلة.. والمفاجأة أن الاستمتاع بما أقرأ وأسمع وأعيش تفاصيله أرجأ الكتابة كثيرًا.. استسلمت تمامًا لحالة الاسترخاء والاستمتاع ولا أريد لها أن تنتهى لدرجة أنى فكرت طويلًا فى عملية البحث والاستمرار فيها بدلًا من الجلوس إلى مكتبى لأبدأ الكتابة عن هذا العملاق الكبير الذى سجل أرقامًا قياسية لعدد مرات ظهوره على الشاشة «٧٥٠ فيلمًا» ولا ينافسه فى ذلك سوى فريد شوقى.. فقد دخل «الطيب والشرير» فى «ماراثون» غلب عليه التشويق والإثارة، ولم يجربْ أحدهما أن يرتدى قناع الآخر.

مع البحث والكتابة جاءت الاكتشافات المثيرة.. كمية التشابهات بينه وبين توفيق الدقن مرعبة.. الاثنان لعبا «بوكس» فى الصغر.. الاثنان ظلا مطلوبين للعمل حتى آخر يوم فى حياتهما.. وظلت كل الأجيال تستعين بهما ليضيفا ثقلًا للمسرح أو السينما أو التليفزيون.. وظلت كل الأجيال عاشقة لهما وتدين لهما بالفضل فى الكثير والكثير من المواقف.

تشابه كبير محير فى شائعة طرده من بيت والده وأنه رفض عمله بالفن لتتماثل مع شائعة وفاة والدة توفيق الدقن غاضبة عليه لامتهانه العمل الفنى وفى الحالتين الحكاية مكذوبة... أيضًا وفاة الشقيقة.. والتى أطلقها البعض على النجمين وتشابهت الحكاية.. وفاة بسبب المرض ثم لا أموال للدفن وسلفة من فنانة زميلة.. والمثير أن فى الحالتين لم تحدثْ الواقعة.. فشقيقات توفيق الدقن لم تتوفَ أى منهن قبل رحيله هو شخصيًا... أما محمود المليجى فلم يكنْ له شقيقة من الأصل فقد كان وحيدًا... فكيف دفن شقيقته حية؟

الأكثر إثارة هو التشابه الغريب والمريب فى شائعة عن «المخرج مصطفى العقاد»... ففى حالة الدقن قالوا إنه ذهب إليه معاتبًا لعدم إسناد دور له فى فيلم الرسالة، حتى لو دور أبولهب.. وفى حالة المليجى قالوا إنه قام بنفس الدور الذى قام به النجم العالمى «أنتونى كوين» فى النسخة العربية من فيلم القادسية... والمفاجأة أنه لم يكنْ هناك نسخة إنجليزية من فيلم القادسية.. والمفاجأة الأكبر أن محمود المليجى نفسه لم يعملْ فى فيلم القادسية.

حتى الحياة الخاصة للنجمين تشابهت فى كل شىء.. شقاوة الشباب.. والخوف من الغد وعدم الأمان المادى.. فحياتهما لم تكنْ يسيرة بما يليق بأعظم «المشخصاتية» فى تاريخ المهنة، فقد كان أجرهما أقل كثيرًا من غيرهما حتى الاضطرار أحيانًا كثيرة إلى تقديم أعمال فنية لا تليق، وهو تناقض جديد يضاف إلى حزمة التناقضات التى لا تُحصى فى حياة النجمين.

الكتاب الذى سيصدر عن دار غايا للطباعة والنشر، بعنوان «محمود المليجى.. إمبراطور الشر الطيب».. لا أتناول فيه فقط السيرة الذاتية للفنان الكبير، كاشفًا العديد من الأسرار التى تنشر لأول مرة عن الراحل الكبير الذى كان قد كتب مذكراته بنفسه ثم تراجع عن نشرها رغم أن دار نشر عربية كبيرة حاولت إغراءه بمبلغ ضخم.

الكتاب يرصد الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فى فترة شديدة الثراء فى تاريخ مصر.. مثل علاقة محمود المليجى بالسياسة منذ صغره وإصابته بطلق نارى فى قدمه أثناء مشاركته فى ثورة ١٩١٩ وعمره لم يكن قد تجاوز التاسعة.. ثم مشاركته فى مظاهرات ١٩٣٠..والقبض عليه ليظهر اسمه لأول مرة فى الصحف ضمن المقبوض عليهم.

وصداقته للسياسى والمحامى الشهير فيما بعد أحمد حسين ودوره الواضح فى مشروع القرش، وهو مشروع قومى التف حوله الشعب المصرى وذلك بعد أزمة اقتصادية عنيفة عام ١٩٢٩..

صداقته للرئيس الأسبق محمد أنور السادات بعد أزمة فيلمه «الله معنا» والذى ظل الفيلم حبيس أدراج الرقابة، لمدة ثلاثة أعوام، وانتهت الأزمة بحذف شخصية محمد نجيب أول رئيس مصرى بعد حكم أسرة محمد على، بعد أن شاهدته لجنة أشرف عليها الرئيس السادات.. والذى اختار المليجى فيما بعد ليكون أول فنان عضوًا بمجلس الشورى.

وفى يوم ١٤ مارس ١٩٥٥، حضر الرئيس جمال عبدالناصر ومعه الرئيس السادات وعبدالحكيم عامر، الافتتاح فى سينما ريفولى بالقاهرة، ليقطع حبل الشائعات التى دارت حول منع «الله معنا» وبعد انتهاء العرض، أثنى على الفيلم، وصافح أبطاله ومن بينهم محمود المليجى، وطلب إليهم أن يقدموا مزيدًا من هذه الأفلام الوطنية. 

رحلة البحث خلف العملاق محمود المليجى.. كشفت لى تفاصيل مثيرة عن انتسابه للمحفل الماسونى المصرى والغرفة السرية التى تتم فيها طقوس ضم عضو جديد معصوب العينين ومباركته بسيف خشبى على كتفه والذى كان اسمه «الفنان» وترأسه الفنان يوسف وهبى، ضم الكثير من أهل الفن، فمع محمود المليجى ويوسف وهبى كان هناك محسن سرحان، حسين رياض، حلمى رفلة، عيسى أحمد، فؤاد شفيق، يعقوب الأطرش، كمال الشناوى، سراج منير، زكى طليمات، أنور وجدى... وإن كان البعض يقول إن المحفل لم يكنْ سياسيًا بالمعنى المفهوم ولم يخرجْ عن كونه نوعًا من المظهر الاستعراضى دون جدية. 

ومن المفارقات العجيبة أيضا أننى طوال رحلة البحث والتدقيق فى حياة الراحل الكبير محمود المليجى شغلنى سؤال من سيكتب مقدمة الكتاب؟

كتبت قائمة قصيرة من خمسة أسماء أراها الأنسب لهذه المهمة.. وبعد أن انتهيت من الكتاب وقبل أن أختار واحدًا من القائمة.. جاءنى الأستاذ محمود المليجى بنفسه طالبًا أن يكتب هو مقدمة كتابه!

صدفة غريبة جعلتنى أعثر على مقالين للأستاذ محمود المليجى منشورين فى أعداد قديمة من مجلة الكواكب.. أحدهما باسم «الرب فى التدبير» والثانى «تعلمت الشجاعة من القط».. المقالان مناسبان جدًا كمقدمة للكتاب... وهو ما كان.