بين شكرى وبرادة.. رسائل الورد ورماد القلوب
الرسائل بين الأدباء؛ أحد أنواع الأدب، بل الأجمل والأصدق دون سواه. تاريخ "أدب الرسائل" يمتد لقرون طويلة، منذ أن استخدم الإنسان الرسائل للتواصل والتعبير، طي المسافات وقهر الزمن.
يحتفظ أدبنا العربي الخالد بالكثير من هذا النوع العظيم من الأدب، منذ القرن الثاني والثالث الهجري، إذا ما تجاوزنا رسائل النبي (ص) والخلفاء من بعده حتى عبد الحميد الكاتب في العصر الأموي.
كذلك يزخر تاريخنا الحديث ويفيض بنماذج ملهمة؛ رسائل بين أديبين، بين أديب وأديبة، رسائل للابن أو الابنة.
عالميًا لدينا رسائل جوركي وتشيخوف (ترجمة جلال فاروق الشريف - دار اليقظة العربية - سوريا ١٩٥٣)، رسالة إلى الوالد ـ فرانز كافكا (ترجمة يوسف عطا الطريفي- الأهلية للنشر والتوزيع ـ الأردن ٢٠١٧)، رسائل إلى ميلينا - فرانز كافكا (ترجمة الدسوقي فهمي - آفاق - مصر ٢٠١٧).
بينما عربيًا؛ نحن نمتلك إرثًا بديعًا، يمتعنا حين نستعيده. لا تقف الاستفادة منه عند حدود المتعة الأدبية، وإنما نستزيد من الثقافة والاطلاع على الأفكار والعادات، نكتشف عوالم لم يكن لنا من وسيلة لاكتشافها دون الاطلاع على الرسائل ودراستها.
لدينا رسائل الرافعي لمحمود أبو رية، دار المعارف - مصر ١٩٦٩، رسائل محمود درويش وسميح القاسم، دار العودة - بيروت ١٩٩٠، رسائل طه حسين، دار ميريت - القاهرة ٢٠٠٠، كتابات عبد الحكيم قاسم "كتابات نوبة الحراسة" دار ميريت ٢٠١٠.

من أمثلة الرسائل بين أديب وأديبة ليست الآنسة "مي زيادة" الوحيدة التي مارست هذا النوع من الرسائل، وإن برعت فيه وأجادت، ليس مع "جبران" فقط "الشعلة الزرقاء"، إنما مع أستاذها أحمد لطفي السيد، عباس العقاد، طه حسين، يعقوب صروف، مصطفى صادق الرافعي، عشرات من كبار أدباء عصر النهضة. لدينا أيضًا رسائل غسان كنفاني والسيدة غادة السمان، دار الطليعة - بيروت ١٩٩٩، ورسائل بينها وبين أنسي الحاج (شاعر لبناني ١٩٣٧- ٢٠١٤) دار الطليعة - بيروت ٢٠١٧. أحدث هذه الرسائل كان بين محمود درويش وإيڤانا مارشليان "أنا الموقع أدناه" دار الساقي - بيروت ٢٠١٤، الذي أثار عاصفة من الاستهجان والرفض.
بين الأديب وأولاده؛ لدينا رسائل أحمد أمين "إلى ولدي" هنداوي ٢٠١٣، رسائل يحيى حقي إلى ابنته نهى، الهيئة العامة للكتاب - القاهرة ١٩٩٧.

ورد ورماد
"محمد شكري" (١٩٣٥-٢٠٠٣) لم أشعر بألفة مع كاتب كما شعرت تجاه هذا الرجل، لم أجد تعاطفًا يليق بما كتب وانصهارًا واندماجًا واستقبالًا كم وجدت في روايته "الخبز الحافي". لقد سحرني ليس بلغته، فلدينا مَن هم أعظم منه امتلاكًا لناصية اللغة وأرقى تعبيرًا، لكن لصراحته، نقاء إسلوبه، فطرته، طفل يعبر عما يجول بصدره لنفسه لا العالم، فجاء اعترافه صادقًا دون كذب، بريئًا من غير خبث أو افتعال.
لقد تحدث الجميع عن الخبز الحافي" الأدب الذي أسموه مكشوفًا، فاضحًا، سيرة ماجن، سِكير لا يعير للتقاليد اهتمامًا! ذلك لأنهم لم يستقبلوه كما استقبلته. هم رأوه زنديقًا، وأحسست أنا إنسانيته، أدبه الصادق، عبقرية إنسان استطاع أن يتخطى عالم التشرد والضياع إلى عالم الأدب. كيف صار روائيًا عالميًا، له حضور مذهل عربيًا رغم أنف المعارضين، عالميًا لأن لدى الغرب القدرة على قبول الآخر المختلف، التعايش معه، منحه القدر الذي يليق به ويناسبه!
يقول شكري: "ما أكتبه نور.. يراه غيري ظلام" إن الصراحة الزائدة ضرب من ضروب الحماقة والسفه، ومع هذا فإن هذه الرواية الفذة، التي قد يعترض الكثير على نعتها بهذه الصفة، وصفها كاتبها بأنها "رواية شيطانية، خبيثة". لقد لعنها أشد ما يمكن للمرء أن يلعن شيئًا منه، من نتاجه، تفسيرًا لألمه، ترجمانًا لعذاباته.
لقد تغول "الخبز الحافي" حتى ابتلع صاحبه، تفوق عليه، مسح اسمه! لقد كتب شكري الخبز الحافي" من خلال جوعه، تحت وطأة القهر والفقر والانتهاك الجسدي، لكن في الجزء الثاني "الشطار" اللندنية والمعروفة بـ "زمن الأخطاء" في النسخة المغربية،٠كتبها من خلال فلسفته وتأمله، تفكيره باستثناء الفصول التي حاول فيها أن ينقل تجربته في البحث عن العلم والتعلم، وتثقيف الذات بعد أن تجاوز العشرين من عمره.
صار الخبز الحافي حجر عثرة في سبيل تقدم مؤلفه، في طريق إبداعه، لم يعد قادرًا على المواصلة بالنمط ذاته، ولا التأثير على القراء وإثارة الغبار خلف كتاباته كما فعل حين كان حافيًا يأكل خبزًا حافًا دون غموس. ليس لجمود قلمه أو انحصار خياله، ولكن لأن القارئ العربي اعتاد منه الصراحة، التعري وهتك المستور، لكن شكري الذي لا يمر يومًا عليه دون تعلم، وارتواء من نهر الثقافة والعلوم والموسيقى، لم يعد قادرًا على إرضاء ذائقة القارئ المتعطش لإراقة دم الأسرار على قارعة الطريق، رؤية المرء يمزق أسماله البالية، فيبدو أمام المارة عاريًا، لا تستره ورقة توت جافة!
وقف شكري عاجزًا أما م رغبات القراء؛ فانغمس في عالم آخر لا يقل جمالًا عن عالم الكتابة، عالم القراءة، وتبعًا لذائقته صار لديه خزانة كتب يقرأ منها ما يروق له، ومكتبة موسيقية، يتخير منها العربي، الأندلسي، الصيني، بل الموسيقى العبرية كما يقول. لقد عشق شكري الموسيقى كما عشق القراءة وعشق الكلب "جوبا" الذي رافقه أربعة عشر عامًا، حين مات بكى عليه كما لم يبك على صديق في حياته!
يقول شكري: "لقد عشت حياتي طولًا وعرضًا، لكني حين أموت، سأرحل جسدًا ويبقى الرمز". سيبقى محمد شكري رمزًا لهؤلاء المهمشين، المطحونين، المعذبين في عالم شاذ، مؤلم، خبيث!
هذا الرمز الذي يشير إليه شكري؛ ليس إلا فنارة في بحر طنجة، تهدي السفن، ترشد بواخر البحر الضالة: "هنا المرفأ والشاطئ الآمن" هنا ترسو السفينة دون خوف لتحمل ما تشاء من النقاء، الوضوح، الصدق، مع عشق الحياة والاستِئْناس بالروح، الكتاب، الموسيقى.
هكذا "شكري" كان نصًا بديعًا مذهلًا، استعجلنا قراءته، منا المستمتِع ومنا المستهجِن، غاب جسدًا لكنه تاركنا نتصارع حول إرثه، ذاته، حقيقته، أهو جادٌ أم هازل، أكان مُحسنًا مصيبًا أم مذنبًا مخطئًا؟
ترك لنا سيرته في ثلاث روايات سيريه "الخبز الحافي" ١٩٧٢، عندما صدرت بالإنجليزية، ثم بعدها بعشر سنوات صدرت بنسختها العربية. "الشطار أو زمن الأخطاء" دار الساقي ١٩٩٢، "وجوه" دار الساقي عام ٢٠٠٠. كذلك رواية "السوق الداخلي" ، "غواية الشحرور الأبيض" ، "مجنون الورد" وجميع هذه الأعمال لا تقل أبدًا عن روايته الأشهر إبداعًا وجمالا أدبيًا صادقًا، وحصل عام ٢٠٠٠ على جائزة البوكر العربية على روايته "البحث عن الزمن الضائع"..
محمد برادة (١٤ مايو ١٩٣٨- ) كاتب وناقد مغربي، ولد وتعلم في الرباط، أكمل تعليمه الجامعي في جامعة القاهرة عام ١٩٦٠، ثم حصل على الماجستير من جامعة الملك محمد الخامس بالرباط عام ١٩٦٢، ثم الدكتوراه من السوربون عام ١٩٧٣.

في جامعة محمد الخامس عمل أستاذًا في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ورئيسًا للبرامج الثقافية في الإذاعة المغربية، وترأس اتحاد الكتاب المغربي ثلاث دورات متتالية (١٩٧٦-١٩٨٣). زوجته السيدة "ليلى شهيد" عملت سفيرة لدولة فلسطين في أوروبا. "محمد برادة" يؤمن أن الرواية عمل أدبي عملاق، يستوعب جميع الأجناس الأدبية، رغم أنه لم يكتبها إلا متأخرًا، أهم أعماله الروائية "لعبة النسيان" ١٩٨٧، "الضوء الهارب" ١٩٩٤، "امرأة النسيان" ٢٠٠٢، "حيوات متجاورة" ٢٠٠٩، "بعيدًا من الضوضاء قريبًا من السكات" ٢٠١٤، "موت مختلف" ٢٠١٦، "رسائل من امرأة مختفية" ٢٠١٩. له ترجمات مهمة، منها "الدرجة الصفر للكتابة" لرولان بارت، "الخطاب الروائي" لميخائيل باختين، "من المنغلق إلى المنفتح" لمحمد عزيز الحبابي.
كذلك قدم إلينا هذا الكتاب الذي نحن بصدده اليوم "ورد ورماد" رسائل بين شكري وبرادة الصادر عن دار المناهل عام ٢٠٠٠.
من خلال الرسائل المتبادلة بينهما، نستطيع أن نتعرف إليهما عن كثب بشكل صادق وقوي
في إشارة مهمة؛ بدأ بها محمد برادة كتاب "الورد والرماد" الذي يضم بين دفتيه رسائل جمعت بينه وبين شكري منذ عام ١٩٧٥حتى عام ١٩٩٤، يقول برادة:
"أول مرة تعرفت فيها على شكري، حين التقيته خلال عطلة صيف ١٩٧٢ بشارع بستور بطنجة... كنت قد قرأت له نصوصًا بمجلة "الآداب" وسمعت أخبارًا مليئة بالمبالغات عن حياته الخاصة. تواعدنا على اللقاء في المساء، ولفت نظري خلال محادثتنا التي امتدت إلى ساعة متأخرة من تلك الليلة، أن شكري أبعد ما يكون عن الصورة التي يرسمها له المعجبون: كان رزينًا في حواره، عقلانيًا في حججه، جريئًا في طروحاته ونقده لما يقرأ. لم يكن مشدودًا إلى "أسطورة" ماضيه، بل كان مفتَّح العينين على حاضره، يعيش أقرب ما يكون إلى الواقع المعقد المتسارع في تحولاته... منذ لك اللقاء، أخذت أواصر الصداقة تنتسج بيننا، واقتنعت بأن تجربة شكري في الحياة والكتابة تستحق أن تُعرف وأن تُقرأ لأنها تُمتح من نُسوغ (تُستخرج من منابع) غير مألوفة في كتابات وتجارب زملائنا الآخرين... وأظن أن كتابة الرسائل تستجيب للحظات جد حميمية نستشعر فيها رغبة البوح والمكاشفة، والتفكير بصوت مرتفع. وللأسف أن تقاليدنا في المراسلات بين الأصدقاء المبدعين قليلة إن لم تكن منعدمة. من ثم وجدت، ومعي الصديق شكري، أن نشر هذه الرسائل قد تكون مضيئة لبعض التفاصيل التي التقطتها الرسائل، وهي في حالة مخاض، وقد ترسم ملامح أخرى لا يتسع لها النص الإبداعي"
لقد صدق برادة في إشاراته المهمة هذه؛ نحن من خلال الرسائل المتبادلة بينهما، نستطيع أن نتعرف إليهما عن كثب بشكل صادق، قوي، نستكشف من خلالها حالة شكري الصحية والنفسية تحديدًا، اهتماماتهما، رغباتهما. من خلال هذه الرسائل نلمس علاقة شكري بذاته، بوالده، كل أسرته، جيرانه، خادمته، أصدقائه، حيواناته الأليفة، كل مَن تعامل معهم في مجتمعه، علاقته الأهم بالكتابة، القراء، دور النشر، المترجمين، ثم القراءة والموسيقى، الفنون بكل أنواعها.
في أول رسالة من "شكري" إلى "برادة" بتاريخ ٣/٢/٧٧ - طنجة، يقول: "منذ حوالي ساعة، زارتني السيدة سميرة، سلمت لي رسالتك الرائعة، ومعطفك الذي فُصِّل على قدي، شكرًا لك... وجدتني سميرة أسعل سعالًا حادًا... العام مازال شابًا، لكنه مشؤوم بالنسبة لي، لقد حدثت لي فيه أشياء جد مزعجة حتى أنني فكرت في الانتحار عدة مرات في الأسبوع الماضي... أنا أكتب لك رسالتي وأنا آكل الجزر غير المطبوخ مغموسًا في عسل دافئ على بخار الماء وفي الحاكي (الكاسيت) السيمفونية الخامسة لبيتهوفن وسجائر ميني كازا وأشرب "les vieux papes".
الابتذال: إنها كلمة أفظع من سعالي. في الأسبوع الأول من الشهر الماضي، ذهبت إلى تطوان لزيارة أسرتي، كانت أمي مريضة تبصق دمًا، وأبي يعاني من الربو. لكنه يقاوم مرضه. أخي عبد العزيز (٢٥ عامًا) عنده الملايين التي ربحها من تجارته الرائجة. لكنه بخيل مع الأسرة رغم أن سلوكه لطيف. لا ينفق أموالًا إلا على الجمركيين والبوليس كما قيل لي. أتقاضى ٨٨٠ درهمًا أعطي منها مائة أو مائة وخمسين لأمي. لقد كدت أبصق على وجه أبي عندما سمعته يقول لها عني: "إنه يلبس معطف المخنثين. وله لحية شيطان، وشعر "هداوة". أنت قد تقول لي بأنها أشياء بسيطة يقولها أب عن ابنه، لكنها سفالة."
أحيانًا أفكر في أن الإبداع يصير لعبة صادقة وحياة أصحابها صدقًا كاذبًا. وضعت في الحاكي الآن موسيقى من زائير اسمها "Bella Zamba Bella" أي الغابة أو الحقل كما قال لي شاب سنغالي. إنها موسيقى تشعرك بمرح جسدك." (ورد ورماد - ص ١٠).
هذه الرسالة القصيرة اختصرت المسافات بيننا وبين شكري، ربما استطعنا فك طلاسم روحه، سلوكه، أفكاره، جرأته التي يرفضها النقاد والذين يدعون الفضيلة! إن عشق شكري للموسيقى يظهر في كل رسالة يخطها بيده إلى برادة. في رسالة بتاريخ ٩/٣/٧٧ يقول شكري: "أحييكما أنت وليلى وأبارك لكما هذا الرباط السعيد... أكتب لك رسالتي على أنغام موسيقية من أرمينيا، تركيا، اليونان، إسبانيا القديمة، صقلية، اللاووس، بالي، جاوة والتبت، (هل تعرف أن السحيمي بلغة التبت معناها القط) كل هذه الألحان والأغاني مسجلة في كاسيت واحد. كما أنني اقتنيت مؤخرًا موسيقى من إيران والصين القديمتين، وسيريلانكا، مدغشقر، إسرائيل (فلكلور)، كندا، هنجاريا، بولونيا، روسيا القديمة، أفريقيا الوسطى، أحواش، الخوطة الأراغونية، اليابان، البيرو، وبوليفيا. فقط تنقصني أستراليا. كتبت ثلاث قصص في عشرة أيام، إنها الآن في الاختمار. الكتابة الحقيقية هي التنقيح." (ورد ورماد - ص ١٦).
كان شكري كثير الوضوح في رسائله، على الرغم من قلتها مقارنة بما بعث به برادة من رسائل إليه
كان شكري كثير الوضوح في رسائله، على الرغم من قلتها مقارنة بما بعث به برادة من رسائل إليه. لكن قدرة شكري على البوح هائلة. كانت رسائل برادة تتناول الأدب، الكتابة، العمل الثقافي العام، نشاطات اتحاد الكتاب، الذي يأخذ قسطًا كبيرًا من وقته، إلى جانب تحضير المحاضرات التي سيلقيها على طلبته في الجامعة كذلك الدراسات الأكاديمية. هذا بعض ما جاء في رسالة من برادة بتاريخ ١٨/١١/٧٧ قال في ثناياها: "لقاءاتنا مع عبد الرحمن منيف كانت لا بأس بها. دفعنا العدد الثاني من آفاق إلى المطبعة، ونحن عاكفون على تحضير ملف مجلة الآداب. ارسل لنا شيئًا. ملحوظة: سنصدر قريبًا صحيفة شهرية مشتركة بين اتحاد الكتاب وبين جمعية الفنانين التشكيليين. موادها عرض الكتب المغربية والمعارض، مع قصص جد قصيرة وقصائد وتعليقات... إذا كان لك شيء يناسب هذه النشرة زودنا بها..." (ورد ورماد - ص ١٨).
لن يتخيل القارئ الكريم كيف كان رد "شكري" على هذه الرسالة شديدة الوقار، بلغتها الرسمية إلى حد بعيد!
كتب شكري في رسالة بتاريخ ٢٥/١١/٧٧:
"عندما استلمت رسالتك كنت شبه فاقد وعيي: جد سكران، بدت لي رسالتك كأنها رموز هيروغليفية. وضعتها في جيبي ولم أقرأها إلا بعد يومين. عندما صحوت. كنت جد متخاصمًا مع نفسي وأيضًا مع الناس الذين بدوا لي كأنهم "مصارين" محشوة بما يقرفني. أثناء الاحتفال بعيد الأضحى صحوت في بيوت أعرفها وأخرى جديدة... هدمنا العالم وأعدنا بناءه، قلت لشخص -مزاحًا- إن اسمه عبد النبي مكروه في الإسلام. فعاركني إلى حد الإدماء. مثل هؤلاء هم الأشخاص الذين أستطيع في هذه المدينة الداعرة أن ألتقي بهم. مع الأجانب لا تحدث لي مثل هذه المشاكسات. السعادة؛ هي أن تعثر على إنسان ذكي ولو كان شريرًا، عدوًا... معي ألف فرنك. ديوني ما عدت أحصيها. ربما تربو على خمسة آلاف درهم. أكتب لك من مقهى روكسي. لم أشرب في الصباح. هذا أول كأس مسائي. الويسكي بالماء بدأ يُغثيني، الثاني سيكون بدون ماء حتى يكون مفعوله أقوى. لا أملك ثمنًا لكأسي الثالثة..." (ورد ورماد - ص ١٩).
هذه الرسالة من أجمل رسائل شكري، لا لشيء إلا لبراءتها، صدقها، فلسفتها العارية، دون تجمُّل أو تكلُّف. قال شكري عبارات تكسوها السخرية، لكن في قلبها تسكن الحكمة: "أقرأ، ليس باستمرار. أستمع إلى الموسيقى الفلكلورية العالمية. عندما أمتلئ غضبًا أبول على الأشخاص ويبولون عليَّ ثم أبول على نفسي فرحًا أو حزنًا لأحقق للكلبيين زمنهم المنسي. في كل عصر يوجد ناس من كل العصور وأنا لا أريد أن أكون نسخة من التكرار الأبدي، أريد أن أكون وحيد نفسي وعصري وحياتي ولعنتي ورضائي وموتي وبعثي وتشبثي بما أنا وما لست أنا وما لست بعد إياه بالذي كان ولم يكن، وهذا الويسكي الثاني والنادل الجشع والكسل اللذيذ وأجمل ما في العالم القديم والنظرة التي أدهش بها الآن كل مَن ينظر إليَّ بفضول، وهذه السيجارة في يدي والساعة الآن السادسة وأربعون دقيقة حسب الساعة التي أهدتها شركة كوكاكولا إلى الحانة، وهذه الرقصة اليابانية في التليفزيون والرشفة الثانية من هذا الكأس والغضب الذي يصعد الآن إلى رأسي وبواب عمارتي الذي يستضيفني لآكل معه لحم العيد الكبير، واللاتي انخفض ثمنهن في هذا العيد المبارك، والناس المنهزمون في أعيادهم... إمضاء.. المسيخط شكري" (ورد ورماد - ص ٢٠).
نأتي إلى الرسالة الأهم من وجهة نظري؛ أرسلها برادة إلى شكري بتاريخ ٩/٩/٨٠، أُورِد للقارئ بعض ما جاء فيها، لجمال الأسلوب، صدق المشاعر، النصائح المضيئة، عين الصديق الذي يلخص بصدق حياة "محمد شكري" في عدة سطور. وأخيرًا كي يستقيم القول، فلا أميل نحو شكري معرضًا عن الطرف الآخر -برادة- الذي يناطح صديقه في الموهبة، ويتفوق عليه بكونه أكاديميًا تعلم في السوربون.
يبدأ برادة رسالته بإعلان تردده في كتابتها؛ فهو يعلم حساسية شكري، يعرف تمامًا اكتئابه، صدره الضيق، يده الفارغة من الأهل والصحاب والمال! لكنه يأبى كصديق أن تكون العلاقة بينهما علاقة "برانية" لا تتطرق إلى الأعماق، يحكمها الصدق، النقد المألوف بين الأصدقاء، المدعم لمحبتهم. يبوح برادة:
إن الصداقة لا تُبرَّر عقليًا... لذلك فإنني من خلال هذه الرسالة القصيرة، أبيح لنفسي أن أتحدث إليك بقلب مفتوح، قلب صديق لا يريد لصداقتنا أن تتوارى خلف مواقف مصطنعة أو تتحرج من المكاشفة
"بالنسبة لك الكتابة هي طوق النجاة، في هذا العالم الخطير المبني على كثير من التناقضات والمهازل. طبعًا الكتابة لا تنوب عن الحياة. لكن لكل واحد منا مرتكزًا أساسيًا يواجه من خلاله العالم والناس ويحقق توازنه في الحياة. وخلال فترة من حياتك استسلمت للحياة اليومية في أشد مظاهرها ابتذالًا وتخليت عن الكتابة لأنه لا فائدة من ذلك، ما دامت أبواب النشر مقفلة، والناس لا يقدرون المواهب...إلخ. وستكون الخمر ملجأ، والتسكع (بمعناه الواسع) متنفسًا بالنسبة لك..وحول ذلك تنسج "أسطورة" رغم إرادتك أحيانًا، عن "الطفل المرعب" L’Enfant terrible والبوهيمي المتمرد! لكني حين تعرفت عليك، سعدت لأن وعيك بالناس والأشياء أعمق من "أسطورتك"، ولأنك قادر على أن تذهب بعيدًا في تجربتك الحياتية والأدبية.

إن الصداقة لا تُبرَّر عقليًا... لذلك فإنني من خلال هذه الرسالة القصيرة، أبيح لنفسي أن أتحدث إليك بقلب مفتوح، قلب صديق لا يريد لصداقتنا أن تتوارى خلف مواقف مصطنعة أو تتحرج من المكاشفة.
وأود أن أؤكد لك أن حديثي إليك لا تُمليه الوصاية أو الحرص على الأخلاقية والسلوك الحميد، فأنت تدري أن مثل هذه الأشياء لا تحدد تصرفاتي وعلائقي، وأنني لا أفعل ذلك إلا مع من أعتبرهم أصدقاء فأخول لنفسي مصارحتهم كما أكون سعيدًا بمصارحتهم لي. لا يتعلق الأمر أيها العزيز شكري، بإثارة انتباهك إلى استسلامك للكأس وتخليك عن الكتابة والقراءة وتحليل العالم من حولك، بل الأمر أعمق من ذلك: إن أي أحد في هذا العالم، ليس "محظوظًا" بالقدر الكافي وهناك دائمًا جراح خفية، سرية، ومعوقات، وبؤس داخلي.
إنما لا أوافقك على أن تغرق المسألة في كونك "غير محظوظ" خاصة بعد أن استطعت أخيرًا أن تنفذ إلى عالم النشر وأن تكون "محظوظًا" فيه بما لم يتوفر لأي واحد من زملائك الكتاب المغاربة..." (ورد ورماد - ص ٤٤).
بعد أن أخلص "برادة" النصيحة لصديقة، وفاض وأجاد، اختتم الأديب الكبير "محمد برادة" رسالته الرائعة بقوله: "أتردد في إرسال هذه الورقات، لكن صداقتنا تحتم عليَّ ذلك ..." (ورد ورماد - ص ٤٧).
هذا البوح الشفيف، كتابة بكر، تنهمر كالشلال، دون ضجيج، لا عناء في اختيار الألفاظ أو ترتيب للأفكار، يجعلك تمارس فعل القراءة، كأنك الطرف الآخر، استلمت رسالتك منذ لحظات. الزمان والمكان ينصهران بلطف وهدوء، تكاد لا تشعر بانصرافهما أبدًا، فقط اندماج في سطور الرسالة وانخراط في الأحداث التي تُروى لك، مشاركة إيجابية ورغبة أكيدة تدفعك إلى الرد دون أن تدري استحالة الكتابة!
هكذا "الورد والرماد" (١٧٤ صفحة) كل رسالة فيه، تهبك السعادة، تجعلك في أجواء ممتعة، فريدة، لهذا لم أرد أن أحرم القارئ رحلة استكشافٍ خاصة يقوم بها بذاته، يبحر بين دفتي كتاب رائع، ليضع يده على عوالم لم يطء أرضها من قبل، خاصة إذا كان من أبناء المشرق، إذ نادرًا ما يصل إلينا خبر من مغربنا الحبيب أو عنه، إلا إذا كانت عن غزوات كرة القدم!
لم يبق إلا أن أنبه القارئ إلى أن الكتاب يضم في نهايته دراسة نقدية قدمها الدكتور محمد برادة عن رواية محمد شكري "الخبز الحافي" بعنوان سيرة لقراءة الذوات المغيبة" هذه المقالة ألقاها برادة عام ١٩٧٣، ونشرها الدكتور "غالي شكري" في مجلة "القاهرة" التي يرأس تحريرها عام ١٩٩٣.


