الجمعة 12 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

علية الجعار.. بنت طنطا التى تلقت الشعر على يد السيدة زينب!

علية الجعار
علية الجعار

مال يبحث عن فردتى حذائه، أمسك بهما كمن وجد كنزًا على الأرض، فى ظل زحام الأقدام، أقدام المحبين الذين تراصوا فى 3 طوابير طويلة، يذكرون الله بطريقتهم، تهتز قلوبهم قبل أجسادهم، ويرددون: «حى حى»، فى إيقاع ضبطته المحبة وصوت الشيخ ياسين التهامى، الذى يقف بهيئته المعهودة وهو يقول فتأوب معه الجبال والطير:

«أنا والقلب والأشعار عشنا يتامى نكتوى يأسًا وحزنا/ تعذب فى حنايا الصدر قلبى بكى من هول وحدته وأنَّ/ وراح الشعر يصرخ مستغيثًا فما رق الغرام له وحنَ/ سألت الله قلبا يحتوينا يبدل يأسنا حبًا وأمنًا/ أفقت من الدعاء وجدت قلبى سعيدًا مستقرًا مطمئنًا/ وعاد النبض للقلب المُعنَى ووقع للهوى لحن فغنى............» إلخ الأبيات المعروفة.

قلت لصاحبنا الذى نجح فى انتعال حذائه، بعد «وصلة ذِكر»: هل تعرف من صاحب هذه الأبيات، التى أصبحت مطلبًا أساسيًا لمحبى «الشيخ ياسين»، كلما صعد إلى المسرح وقال فأروى الظمآن؟

قال مترددًا: «ابن الفارض؟»، سكتُ، زادت حيرته وقال بتردد أكبر: «محيى الدين بن عربى؟».

وضعت يدى على كتفه، وسرت به خارج ساحة الذِكر، وصوت «التهامى» فى الخلفية يخفت تدريجيًا حتى غاب، نظرت إليه وقلت: هذه الأبيات، وغيرها الكثير من روائع «الشيخ ياسين» وغيره، صاحبتها شاعرة وليس شاعرًا، من مدينة طنطا لا بلاد الأندلس، شهدت زمن «الألفية الثالثة»، لا تنتمى لعصور الأوائل، ورحلت عن دنيانا فى 2003.

قال: زدنى، فقلت: أزدك!

ولدت بجوار «شيخ العرب».. وأحمد رامى قدم ديوانها الأول

فى السابع عشر من شهر أكتوبر عام ١٩٣٥ كان ميلاد الشاعرة علية الجعار، هناك بجانب «شيخ العرب» السيد أحمد البدوى، فى مدينة طنطا بمحافظة الغربية. فى سن صغيرة أبدت اهتمامًا كبيرًا باللغة العربية، فحرص والدها- وكان أستاذًا للشريعة- على تدريس مبادئ اللغة لابنته، ما أثر تأثيرًا كبيرًا على مسيرتها الشعرية.

فى هذه الفترة حفظت الكثير من الشعر، وقرأت أمهات كتب الأدب، التحقت بكلية الحقوق جامعة القاهرة، وتخرجت فيها عام ١٩٦٠، لتشتغل بالمحاماة حتى ١٩٦٣، قبل أن تلتحق بالعمل فى التليفزيون، وتتدرج فى المناصب وصولًا إلى مدير عام الشئون القانونية بدرجة وكيل وزارة.

تحمل سيرة علية الجعار عضوية مجالس إدارات أكثر من جهة، بداية من اتحاد الكتاب، والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ورابطة الأدب الإسلامى العالمية، إلى جانب عضوية نقابة المحامين، فضلًا عن تمثيل مصر فى مؤتمرات المحامين العرب، ومهرجان «المربد» الشعرى لعدة سنوات.

يضم بستان الشاعرة الكبيرة ٦ دواوين هى: «إنى أحب» ١٩٦٨، الذى قدمه الشاعر الكبير أحمد رامى، و«اتحدى بهواك الدنيا» ١٩٧٧، الذى يضم مراثى للملك فيصل، ومديح للرئيس الراحل أنور السادات، ثم «غريب أنت يا قلبي» ١٩٨٣، و«ابنة الإسلام» ١٩٨٧، و«على أعتاب الرضا» ١٩٩٣، و«مهاجرون بلا أنصار» عام ٢٠٠٠.. علاوة على تأليف الكثير من الأغانى الدينية، وكتابة العديد من السهرات التليفزيونية والتمثيليات فى مناسبات دينية مختلفة.

أبدعت 7 من أشهر قصائد التهامى

أنشد الشيخ ياسين التهامى عدة قصائد من كلمات الشاعرة علية الجعار، تعتبر من أبرز ما قدمه لعالم الإنشاد والمديح النبوى، أولها ما يعرف بين محبيه باسم «أنين القلوب»، التى يقول فيها: «جذبتنى فى بحر حبكم نظرة/ غيّبت عقلى فى أعمق سكره/ قيدت قلبى الذى أسلم للمقدور أمره/ مسنى سحرُ من الحب ومن يبطل سحره؟.....».

سحرنا «ابن التهامى» أيضًا من كلمات الشاعرة الكبيرة بقصيدة «الحُبُّ منك إليك»، التى تقول فيها: «الحب منك إليك أنت خلقتــه ووهبتنى قلبًا يحس ويخفــق/ أهوى الوجود جميعه أرنو له فيهزنى حسن بديع مشرق/ هذا الوجود بصمته وجلالــه ببديع حسنك يا إلهى ينطــق....».

قل لى إنك لم تسمعه من قبل فى رائعته «يا مُلهمى»؟! نعم من صاغ هذه الكلمات التى ستقسم على الله أن من كتبها هو الحلاج أو واحد من كبار شعراء الصوفية، كانت الشاعرة علية الجعار: «أيا مُلهمى مَنْ أنتَ أنتَ تعرفُ منْ أنَا أنا فيكَ أحيا منذُ بدئكَ كانَ/ ولاشىء يَفصل بيننا فغرامُنا فيه اختلطنا مُهجةً وكيانا/ أنا إن قُلت أنت فإننى أنتَ الذى أعنى وأقصد بالنداء إيانا/ غُيبتُ عنكَ لفترة ورأيتنى فعرفتُ أنّ لقاءنَا قَد حانَ/ الحُب وَحدنا فصرنَا نبضةً يمضى بهَا عبرَ الحياة كلانَا».

القصيدة الرابعة هى «طينتى»، التى ينقل فيها قلب ولسان «الشيخ ياسين» عن قلب الشاعرة الكبيرة: « كم وكم تحلق فى سماء الوهم روحى وتغرق فى بحور الشعر عشقًا/ أعود لواقعى فتثور نفسى وأبكى ظلم أيامى وأشقى/ تعربد طينتى فأكاد أهوى وإيمانى يطهرنى فأرقى/ وتهدأ ثورتى وتطيب نفسى فحب الله رب الناس أبقى».

خامس قصائد «سلسال الحب» بين «ثنائى العشق الإلهى» هى «أنا والقلب». قاطعنى صاحبنا قائلًا: «أنا والقلب والأشعار عشنا يتامى نكتوى يأسًا وحزنًا».. هذه التى بدأنا بها هذا الحديث، قلت: أصبت!

أما السادسة لـ«كتاب الله»، وهى مأخوذة من ديوان «على أعتاب الرضا»، وتقول فيها عن الذكر المُنزَل: «قمة الصدق والحقيقة فيه منذ بدء الوجود والأكوانِ/ لم يبدله حاقد أو دعى لم تغيره كرة الأزمانِ/ لم يزل شامخًا كريمًا عظيمًا طاهر الحرف كامل البنيان/ جاء من عالم الخلود ليبقى كيف شاءت إرادة الرحمنِ».

بينما القصيدة السابعة هى «غريب أنت»، وهو اسم أحد دواوينها أيضًا، وتقول فيها: «غريب أنت ياقلبى فى دنيا الزيف والأوهام/ وحيد أنت ياقلبى وحولك لُجة وظلام/ تسافر مطلقًا حرًا تجوب الكون كالأنسام/ وتنشر عالمًا بكرًا بلا حقد ولا آثام/ تلقى من رحاب النور فيض الطهر والإلهام/ يلفك من حنان الله ذل عامر فتصبه على خير وفى سلام».

ومن القصائد الشهيرة الأخرى التى يعرفها «أهل المدد» لعلية الجعار، قصيدة «على أعتاب الحسين»، التى أنشدها إبراهيم البدراوى، وتقول فى مطلعها: «أتانى الشعر بسامَ الْمُحَيَّا وأهدانى القوافى والرَّوِيَّا/ توضأ من سنا الإيمان حتى تبدّى فى خيالى لؤلؤيا/ ورحت أصوغ من أسمى المعانى نشيدًا صادق النجوى شجيًا/ وجئتك سيدى أشدو وأشدو يعلو فى المدى صوتى قويًا/ وقد أوقفت بالأعتاب قلبى حسينى الهوى صبّا وفيًا/ فَمُرْ تُفتح له الأبواب وصلًا وأطفئ شوقه وأنظر إليَّا/ فإن حزت الرضا أرضيت ربى فحبك سيدى فرض عليا».

كانت تعزف على العود والبيانو وعبدالوهاب نصحها بالغناء

تحظى الشاعرة علية الجعار بشهرة كبيرة بين الأوساط الشيعية، فى ظل قصائدها التى صاغتها فى حب «آل البيت»، ولا تزال تُغنى وتُنشد حتى الآن بينهم فى عدة دول عربية، خاصة العراق.

وتُعرف الشاعرة المصرية بقصة مشهورة بين الأوساط الشيعية، وكذلك محبى آل البيت فى مصر، تقول إن علية الجعار كانت فى زيارة إلى مقام السيدة زينب، وبينما هى فى حضرتها وجدت نفسها تكتب: «إنى أحبك أنتِ»، بعدها توقف المدد الربانى، قلبت كل الحروف فى قلبها ودماغها، لكن الوحى تمرد، أبى أن يجرى على لسانها كما كل مرة.

رجعت شاعرتنا إلى بيتها، وفى ليلتها نامت، ونعم- كما أسمعك تقول الآن- أتتها السيدة زينب فى المنام، وقالت لها أكملِ يا علية: «إنى أحبك أنتِ يا بنت أكرم بنتِ/ يازهرة قد تسامت فى نور أطهر بيتِ/ مصر بكم قد أضاءت لم بها قد سكنتِ/ فأقبلينى ياكريمة يا سعـــد من قد قبلتِ/ أدخلينيِ فى حماكِ يافوز من قد حميتِ».

وأضافت: «يا بضعة من على وللبتول انتسبتِ/ فى ظل طه نشأتِ ومن يديه ارتويتِ/ النور بالنور يُسقى والخير بالخير يأتِ/ يا بنت بنت حبيبى وسيدى يا ستى/ أقبلتُ نحوك أسعى إليك لما أشرتِ/ لأملأ الأفق شدوًا يعلو به اليوم صوتى/ فاستقبلينى خذينى منى إلى حيث كنتِ/ وفى رضاك أغمرينى يا عز من حميتِ/ أنا بالباب أرجو فضلًا فهل لى منحتِ».. إلخ القصيدة المشهورة.

وأكد أحمد الكحلاوى، ابن المنشد الدينى الكبير محمد الكحلاوى، صحة هذه القصة، مبينًا أن الشاعرة الكبيرة هى من حكتها بنفسها، وحدثت لها خلال زيارة إلى «المشهد الزينبى»، رفقة إمام «المسجد الأحمدى» فى طنطا. 

ورغم ما يمكن أن يُفهم من مسيرة علية الجعار من التزام دينى شديد، فضلًا عما تمتعت به من قوة شخصية لافتة للنظر فى عملها، تكشف الإعلامية هالة الجعار، ابنة شقيق الشاعرة الراحلة، جانبًا مهمًا من حياتها، وهو حرصها على تعليم بنات العائلة موسيقى ورقص «الفالس» و«التانجو».

وتضيف ابنة شقيق الشاعرة الكبيرة: «موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب نصحها بالغناء، فقد كانت تتمتع بصوت جميل جدًا، صوت مطربة متمكنة من أدواتها، كما أنه نصحها بالتمثيل، خاصة مع إجادتها هذا الفن أيضًا، إلى جانب عزفها على العود والبيانو»، واصفة إياها بأنها «فنانة شاملة» بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

كما اُشتهرت علية الجعار بقصة طريفة، تقول إنها سمعت بامرأة تحاول التقرب من زوجها وإغرائه، فكتبت لها رسالة تهديد ووعيد، أثبت فيها أن المرأة تظل مرأة، سواء كانت «لا تفك الخط»، أو «تتلقى الشعر من السيدة زينب»، جاء فيها: «‏أنا مَن تغارُ على فتى أحلامها وتودُّ لو تطويه فى بَرديها/ ولقد علمتُ بأنَّ أخرى حاولَت إغراءهُ صُفِعت على خديها/ ‏يا وَيلها منّى إذا لاقيتها سأدسُّ إبهامَىّ فى عينيها/ وأعضّها مِن نَحرها فى قسوةٍ وأشدّ قِرْطَا مال مِن أُذنيها/ وسأنزع الشعر الذى اختالَت به ورمَتهُ فى دلّ على كتفيها/ ‏وبكلّ حقدى سوف ألوِى جِيدها وأقيّد الحمقاء مِن قدميها/ وأُهِيلُ كومًا مِن ترابٍ فوقها/ لتدوس أقدام الرجال عليها».

ضحك صاحبى، وكنا قد عدنا إلى «الليلة»، فوجدنا «التهامى» يسدل ستار الذكر ويختتم قصائده، فأخذنا نردد معه: «يا عالم بكل علوم يا سامع دعا المظلوم لا تجعل فى حضرتنا شقيًا ولا محروم»، فى انتظار «مدد» جديد وقصائد أخرى يطربنا بها، لشاعرة ألهمتها السيدة زينب.