الجمعة 19 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

حديث المؤرخ.. الدراما التاريخية تتيح للسيناريست حرية اختراع شخصيات.. والعامية المصرية وسيط جيد فى «الحشاشين»

محمد عفيفى عدسة:
محمد عفيفى عدسة: مصطفى سعيد

- يوسف شاهين وظّف خياله ونسج شخصية «عيسى العوام» فى «الناصر صلاح الدين» 

- صنعنا ريادة درامية تعلم منها الأتراك والإيرانيون 

- الدراما التاريخية لدينا تواجه مشكلة الاحتياج الدائم إلى إنتاج ضخم ومكلف

لو أردنا أن نصف نتائج أو تأثير مسلسل «الحشاشين» على الشارع المصرى، منذ بداية عرضه، فستكون «الرغبة فى المعرفة» هى النتيجة الأهم، فمَن منا لم يقض وقته على محركات البحث، للتعرف على أسرار تلك الفرقة الباطنية، التى نشرت الرعب فى العالم الإسلامى، وارتكبت أبشع الاغتيالات السياسية فى فترة من الفترات؟!

أحدث مسلسل «الحشاشين» حالة من الجدل الصحى الإيجابى، أثمرت بدورها، عن نقاشات متعددة حول وقائع تاريخية بعينها، وحول كون العمل وثيقة تأريخية أو دراما مستوحاة من التاريخ، وحول مدى دقة استخدام اللهجة العامية المصرية، كلغة حوار داخل المسلسل، وحالات جدل أخرى حول الكثير من عناصر العمل الفنى.

كل هذا الجدل الصحى، أعادت ندوة «الدستور» طرحه خلال استضافتها الناقد والمؤرخ الكبير الدكتور محمد عفيفى، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب جامعة القاهرة، الذى تناول مقومات العمل الفنى، مفندًا الكثير من الإشكاليات واللغط، الذى أثير حوله بالأدلة والبراهين العلمية والتاريخية.

محمد عفيفى

الأمنية التاريخية

فى البداية، وضع الكاتب الصحفى الدكتور محمد الباز، رئيس مجلسى إدارة وتحرير جريدة الدستور، ركيزة أساسية للنقاش حول العمل، وهى أنه يجب استثمار الجدل المثار، الذى كان بعضه منظمًا والآخر عشوائيًا، حول المسلسل، بهدف استنباط الحقائق والوصول إلى صيغة للعلاقة بين الدراما والتاريخ، خاصة أن البعض قال إنه مسلسل تاريخى، والآخر قال إنه مستوحى من التاريخ.

وتساءل «الباز»، أيضًا، عما إذا كانت هناك فروق بين المسلسل التاريخى، والمسلسل المستوحى من التاريخ، من واقع الجدل حول «الحشاشين».

بدوره، استهل الدكتور محمد عفيفى حديثه بالتأكيد على أهمية السؤال، كونه يحاول حل إشكالية كبيرة فى الدراما التاريخية بشكل عام؛ سواء التى خرجت فى شكل مسلسل، أو فى شكل الفيلم.

ولفت إلى أن هذه الإشكالية لها ضلعان، الأول هو المتلقى، أى المشاهد، والثانى يتعلق بالمنتج أو المخرج أو الكاتب، قائلًا «فيما يتعلق بالمتلقى العربى بشكل عام والمصرى بشكل خاص، فإن الإشكالية تكمن فى أنه يصدق بسرعة الأحداث المكتوبة، فى ظل ما يمكن أن نصفه بالأمية التاريخية، خاصة أننا تربينا على تصديق الكتب التاريخية الدراسية لأنها قائمة على التلقين».

وقال: «المشاهد العربى والمصرى لم يترب منذ البداية، على نمط تعليمى يحثه على أن يتفاعل أو يناقش أو يشتبك مع الموضوع الذى يشاهده، وبالتالى عندما يتعرض لعمل درامى أو سينمائى تاريخى، يقدم طرحًا مغايرًا عما تلقاه، فدائمًا ما تجده يدخل فى طور الصدمة، وهو ما حدث على سبيل المثال عند عرض فيلم (وا إسلاماه)».

وتابع «وقت عرض (وا إسلاماه) لم يكن هناك سوى عدد محدود من النقاد فى بعض الصحف، بخلاف الآن، حيث لدينا ملايين النقاد بشكل يكاد يجعلنى أستغرب ما يحدث فى تلقى مسلسل (الحشاشين) وردود الأفعال حوله».

ولفت إلى أن المتلقى الأجنبى لن يعيش حالة جدل مثل التى يعيشها المشاهد العربى الآن، لأن النمط التعليمى فى بلاده، يجعله قادرًا على ألا يصدق ما يُعرض له من أعمال على نحو سريع وأن يكون متفاعلًا».

وأعاد التذكير بأنه عند استضافته فى برنامج «الشاهد»، الذى يقدمه الدكتور الباز، بيَن أن كتاب التاريخ فى مناهج الصف الأول الثانوى فى النمط التعليمى الأوروبى، دائمًا ما يقدم العديد من الاختيارات للطالب، ويطرح وجهات النظر ويترك الإجابة مفتوحة له، ليقدم وجهة نظره فيما يتعرض له من أحداث.

وأشار إلى أنه على الجانب الآخر، لدينا دراما وصناعة سينما رائدة، تعلم منها الأتراك والإيرانيون، لكن على المستوى التاريخى، نواجه مشكلة تتمثل فى احتياجنا الدائم إلى إنتاج ضخم ومكلف، وهى ظاهرة موجودة على مستوى العالم كله، وبالتالى جهات الإنتاج المحدودة من الشركات، لا تستطيع الإقدام على الخطوة كثيرًا، ولدينا مثال واضح، فى فيلم «الناصر صلاح الدين»، الذى لم تستطع منتجته آسيا استكماله وكان سيتوقف؛ لولا تدخل الدولة فى عملية إنتاجه.

وأكمل: «واجهنا هذه المشكلة فى العقود الأخيرة، خلال إنتاج هذه النوعية من الأعمال الفنية التاريخية فى مصر، وبالتالى تراجع هذا الإنتاج، ما أدى إلى سحب البساط من تحت أقدام مصر لصالح دوائر إقليمية ثانية، مثل تركيا وإيران».

وواصل: «مع ذلك أنا سعيد بعودة الدراما التاريخية المصرية مرة ثانية، خاصة بعد فترة توقف كبيرة، وبالتالى من الوارد أن يحدث بعض الأخطاء خلال عودة الدراما التاريخية، ولكن ليس هناك داعٍ إلى أن نجلد ذواتنا، لأننا إذا فعلنا ذلك، قد يعنى أننا قد نتوقف مرة ثانية».

محمد عفيفى

أزمة الدراما التاريخية

وطرح الدكتور الباز سؤالًا مهمًا حول إشكالية العلاقة بين النص التاريخى وبناء العمل الدرامى، متسائلًا: «هل مطلوب من النص الدرامى النقل الحرفى من التاريخ، فى وقت يعتبر النص التاريخى ظنى الثبوت؟».

وأجاب «عفيفى» قائلًا: «فى العالم كله، هناك التزام بالأساسيات أو الحقائق التاريخية المتداولة، على سبيل المثال لا أستطيع أن أقدم عملًا عن ثورة ١٩١٩ وأظهره للناس بتاريخ ١٩٢٩، أو أن البطل ليس سعد زغلول».

وبيَن أن الدراما التاريخية تتمتع بهامش حرية كبير جدًا، يسمح لها بتناول ما نسميه «المسكوت عنه فى التاريخ»، أو «المختلف عليه»، وهى مساحات مهمة، يمكن للسيناريست أن يتدخل بشكل كبير دون أن يؤخذ عليه أى شىء، وكذلك المخرج، يستطيع أن يقدم ما نسميه «التخيل التاريخى» المقصود منه اختراع شخصيات فى العمل ليست موجودة فى الحدث التاريخى ذاته، لكنها تتسق مع السياق التاريخى بشكل كبير.

ورأى أنه من الوارد حدوث ما يسمى بـ«الأخطاء التاريخية»، خاصة بعد توقفنا فترة كبيرة عن إنتاج هذا النوع من الدراما، متسائلًا «هل نحن نصنع فيلمًا روائيًا أم وثائقيًا؟»، مشيرًا إلى أن الفيلم الوثائقى يلتزم بعرض الآراء المختلفة، حول حدث أو شخصية تاريخية، على عكس الروائى الذى يلتزم بالخط الأساسى للحدث أو الشخصية، مع إمكانية الإشارة إلى بعض الاختلافات فى العمل ذاته.

وأشار إلى أن المشكلة الأساسية الآن، تتمثل فى ضرورة أن يوضح المخرجون وكُتاب الأعمال التاريخية منذ البداية، ما إذا كان العمل روائيًا أم وثائقيًا، ضاربًا مثالًا بشخصية «عيسى العوام» فى فيلم الناصر صلاح الدين، التى نسجها المخرج يوسف شاهين من بعض المسارات المُتخلية.

ورأى، أيضًا، أن المشكلة الكبرى التى تواجه صناعة الأعمال الدرامية التاريخية أو السينمائية، هى عدم اعتمادها على العمل وفق نظام «الورشة»، التى تتضمن فى أعضائها مستشارًا تاريخيًا وليس مجرد مراجع، ومستشارًا أثريًا لمراجعة الأماكن والملابس فى العمل، إضافة إلى كاتب السيناريو، والمخرج.

وواصل: «هذه الورشة تجتمع بشكل مستمر منذ كتابة العمل، مرورًا بتصويره، حتى يخرج العمل على نحو جيد، وهو ما يوجد فى كل الأفلام التاريخية العالمية؛ وهو ما نفتقده بشكل عام فى الدراما التاريخية، حيث ينفرد الكاتب بالعمل بمفرده، ولذك يحدث أحيانًا خلاف بين الكاتب ومخرج العمل».

محمد عفيفى

مسلسل «أرضغرل»

وتحدث الدكتور الباز عن قضية إسقاط أحداث الأعمال الدرامية على الحاضر، بشكل يمكن من خلاله استخلاص العبر، بالنظر إلى أن علم التاريخ ليس فقط علم الماضى، بل هو مساحة للتأمل والتعلم.

واتفق الدكتور عفيفى، مع طرح «الباز» الذى وصفه بالدقيق، لافتًا إلى أن هذا الأمر لا ينطبق فقط على الدراما التاريخية، بل على الدراسات التاريخية أيضًا، حيث يرى بعض المؤرخين أن أثرها يمتد إلى الحاضر وإلى المعاصرين.

وضرب مثالًا على ذلك قائلًا: «دراسة الدكتوراه الخاصة بى لم تكن فى البداية عن الأقباط، بل عن الأوقاف، ولكن أثناء إعداد رسالتى وقع حادث انفجار قنبلة فى كنيسة مسرة بشبرا، ومات عدد من المسلمين أكبر من الأقباط آنذاك».

وأكمل: «وقتها كنت أجلس مع المؤرخ رءوف عباس حامد وأناقشه فى هذه الحادثة، وكيف كانت شبرا مثالًا على النسيج الوطنى، والتضامن بين المسلمين والأقباط، ووقتها طلب منى إعداد الرسالة عن الأقباط».

وضرب مثلًا آخر باحتفاء الدولة المصرية عام ٢٠٠٥ بمرور ٢٠٠ عام على تولى محمد على الحكم فى مصر، قائلًا: «اشترك فيه كل مؤسسات الدولة المصرية، وكان الاحتفال بعنوان (٢٠٠ سنة على الدولة المدنية الحديثة فى مصر)، وكان هذا مقصودًا للتأكيد على مدنية الدولة فى معركتها مع التيار الدينى».

ولفت إلى إنتاج تركيا مسلسل «أرطغرل»؛ بهدف خدمة ما وصفه بـ«السياسة الأردوغانية» فى المنطقة، لدرجة أنه أقحم فيه حكاية أن «أرطغرل» كان يدافع عن القدس؛ رغم أن تلك الشخصية حولها خلاف تاريخى كبير، والبعض شكك فى أنه كان مسلمًا من الأساس.

وأضاف أن «أرطغرل» قُدم على ٣ أجزاء، تضمنت ١٥٠ حلقة، بإنتاج ضخم، رغم أن شخصية البطل، الذى هو والد «عثمان»، الذى ينسب إليه تأسيس الدولة العثمانية، لم يأت ذكرها فى كتب التاريخ الموثوق فيها، إلا بشكل لا يتجاوز ٥ أسطر، وما وردت عنه من معلومات كان فى صورة أساطير، وكتبت عنه بعد وفاته بـ٢٠٠ سنة؛ ومع ذلك تم اختراع الكثير من التفاصيل عنه وقدمت فى هذا العمل، وهذا كله جاء فى إطار مشروع التوظيف السياسى للنظام فى تركيا.

إضعاف العامية المصرية

ورأى الدكتور «الباز»، أن هناك معركة أكبر من فكرة «الشوشرة» على المسلسل ذاته، تتعلق بمهاجمة العامية المصرية، وهى إشكالية قد تكون محل صراع فى المنطقة العربية، فى ظل ثقافات أخرى ترفض سيطرة تلك اللهجة.

واتفق «عفيفى»، مع ذلك الطرح، قائلًا «إن اللغة فى الأعمال التاريخية على مستوى العالم، عبارة عن وسيط بين المنتج والمتلقى، لذلك نجد أن فيلم (نابليون) الذى عُرض مؤخرًا، قد قدم باللغة الإنجليزية، رغم أن الشخصية فرنسية؛ وهو ما يكشف عن طبيعة المتلقى الذى تم توجيه العمل إليه من قبل صناعه، مضيفًا أنه عند تقديم منتج إلى أى متلقٍ، من الطبيعى تقديمه عبر وسيط ناجح، ضاربًا مثالًا بالدراما التركية التى تمت دبلجتها للمنطقة العربية وتقديمها باللهجة السورية».

بدوره، أشار «الباز» إلى أن العامية المصرية تواجه إشكالية تتمثل فى كونها فقدت سطوتها على الأجيال الجديدة فى المنطقة العربية؛ وهو ما قد يكون وراء رد الفعل الحادث على مسلسل «الحشاشين» واللهجة المقدم بها، مرجعًا ذلك أيضًا إلى موجة الأعمال الرديئة التى قدمت بعد ٢٠١١ مباشرة، وأسهمت فى إضعاف اللهجة العامية.

واتفق «عفيفى» مع ذلك الطرح، قائلًا: «عند زيارتى المغرب قبل عام ٢٠١١، التقيت أحد أساتذة التاريخ، وقال لى إن اللهجة المصرية أصبحت هى اللغة العربية المعاصرة، وبالتالى كان من المقصود أن تتراجع اللهجة المصرية، وأن يتم طرح دراما غير مصرية مدبلجة بلهجات أخرى، بهدف تحجيم دور مصر، وهو ما جعل هناك ضرورة لاستعادة اللهجة العامية فى أعمالنا الفنية، وهو ما يحدث الآن فى (الحشاشين)».

وأشار إلى أن هناك ما يسمى بـ«اللغة الوسيطة»، وهى تجمع بين الفصحى والعامية، وتم دمجها فى بعض الأعمال الروائية لنجيب محفوظ، ورأيناها مع الطيب صالح فى روايته «موسم الهجرة إلى الشمال»، ورأى أنها الأنسب لتقديم الأعمال التاريخية الآن.