الجمعة 12 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

A s a s s i n .. جدود «الإخوان».. «الحشاشين» فى الروايات الغربية: أصل الإسلام السياسى.. والفرقة الأكثر رعبًا

الحشاشين
الحشاشين

على الرغم من أن وقائعها وحوادثها ارتبطت بالبلاد العربية والإسلامية، تخطى تأثير فرقة الحشاشين تلك الحدود منتقلًا إلى الآفاق العالمية، باعتبارها واحدة من الفرق التأسيسية، لفكرة الاغتيالات السياسية تحت نزعات دينية. وتوسعت الدراسات البحثية الأجنبية، فى دراسة المناهج التى تأسست عليها الفرقة، من ناحية العقيدة المذهبية والدوافع الدينية، إلى جانب كيفية تجنيدها عناصرها، وخططها فى السيطرة على الأتباع والترويج لأفكارها. وحاولت تلك الدراسات معرفة الآليات، التى كانت تعمل وفقها تلك الجماعة، خاصة مع انتشار ظواهر العنف القائم على الدين، خلال العقود الأخيرة، وباعتبار أنها الملهم الأول والأب الروحى لجماعات الإسلام السياسى المتطرفة، وهى الدراسات التى تستعرضها «حرف» خلال السطور التالية.

الخداع بالتنويم المغناطيسى

نشرت جامعة «أواتشيتا» فى ولاية أركنساس الأمريكية، عام ٢٠٢٢، دراسة تحت عنوان «جواسيس وقتلة»، تحدثت فيها عن طائفة الحشاشين فى الشرق الأوسط، وجماعة «الشينوبى» أو «النينجا» فى اليابان، وتناولت أوجه التشابه بينهما كسفاحين وقتلة محترفين.

وقالت الدراسة الأمريكية، إن «الحشاشين» ضمت مجموعة من القتلة باسم الدين فى الشرق الأوسط، فى العصور الوسطى، والذين آمنوا بنسخة شيعية من العقيدة الإسلامية، لافتة إلى أن كلمة «قاتل» فى اللغة الإنجليزية، مستنبطة فى الواقع من مصطلح «الحشاشين».

وقالت إن أعضاء الفرقة كانوا يتناولون الحشيش الذى وصفته، بأنه شكل بدائى من «الماريجوانا»، واعتمد مؤسسها حسن الصباح فى بداية نشاطه، على السرية والتنظيم، لأنهم يشكلون أقلية فى المجتمع الإسلامى، إلا أنهم اعتقدوا أنهم قادرون على التغلب على الأغلبية، وفى نهاية المطاف على العالم كله، من خلال التنظيم، ولهذه الغاية أنشأوا عددًا من الخلايا التى ارتكبت جرائم اغتيالات.

وزعمت أن المجتمع السرى لـ«الحشاشين»، كان لديه أفضل الكتب العلمية، وأعظم الأدوات الدراسية المتاحة لإبهار الطلاب والمجندين فى الفرقة، واستخدموا «تقنيات الإرباك»، لغسل أدمغة الأتباع، وكان «الصباح» بالنسبة للأعضاء، هو من يملك مفاتيح المعرفة السرية والقوة الخفية، وكانت الوسائل التعليمية فى الجماعة، تشبه إلى حد كبير السحر واستحضار الأرواح، وتضمنت شكلًا آخر من أشكال التنويم المغناطيسى، وتعليم الطلاب كيفية التأثير على الآخرين.

الاغتيالات استراتيجية للإخضاع 

فى فبراير من العام الجارى، نشرت قناة «ديسكفرى» البريطانية، على موقعها الإلكترونى، دراسة تحمل عنوان «الحشاشين: جذور طائفة سرية»، حاولت الدخول فى أعماق تلك الجماعة، التى زرعت الخوف والرعب فى قلوب خصومها، عن طريق شن الهجمات واغتيال القادة المؤثرين.

وكشفت الدراسة عن أن قصة «الحشاشين» انتشرت بشكل كبير فى أوروبا، لدرجة أن اسمها، صار مصطلحًا معروفًا فى اللغة الإنجليزية، تحت اسم «Assassin» أو «القاتل المحترف»، وهو مصطلح يطلق بشكل أكبر، على الشخص الذى يقتل لأسباب سياسية أو دينية، أو أى أسباب تغذيها السلطة.

ولفتت إلى أن قصة «الحشاشين» تعود إلى عام ١٠٩٠ بعد الميلاد، حيث تأسست الفرقة بعد صراع على الحكم بين الشقيقن المستعلى بالله ونزار، ولدَىّ الخليفة الفاطمى المستنصر بالله، ودب الشقاق داخل البيت الشيعى حينها وتوزعت الولاءات بين الذين دعموا الأمير نزار الذى قُتل فى هذا الصراع، والذين فروا إلى بلاد فارس، وبين شقيقه المستعلى الذى أصبح الخليفة.

وتحت قيادة حسن الصباح الذى سمى بـ«أبوالإرهاب الحديث»، أنشأ النزاريون معقلًا لهم فى قلعة «آلموت» فى شمال إيران، ووجدت هذه المجموعة الصغيرة، نفسها مضطهدة ومحاطة بأعداء أقوى منها بكثير، وبسبب عدم قدرتها على التعامل مباشرة مع خصومها الأقوياء فى ساحة المعركة، اختار حسن الصباح نهجًا أكثر استراتيجية، وهو استهداف قادة الجيوش وليس الجيوش نفسها.

ونفذت «الحشاشين» على مدار السنوات الثلاثمائة التالية، عمليات اغتيال لشخصيات بارزة، ولم تكن هذه مهمة تافهة، بل تطلبت كثيرًا من المهارة والتدريب، علاوة على ذلك، كانت السمة المميزة لعمليات القتل، هى أنها كانت علنية بقدر الإمكان، لزرع أقصى قدر من الخوف فى النفوس.

ووفقًا للدراسة البريطانية، لا تعتبر «الحشاشين» أول من نفذت اغتيالات سياسية، لكن يُعتقد أنها أول من استخدمها بشكل استراتيجى، واكتسب عناصرها سمعة باعتبارهم قتلة وجواسيس ومقاتلين ماهرين، وكان منهم عملاء يتظاهرون بأنهم متصوفون، وبعضهم تسلل إلى صفوف الحرس الملكى، ونفذوا عمليات القتل الأكثر شهرة، ومنها اغتيال وزير الدولة السلجوقية نظام الملك، والخليفة الفاطمى الآمر بأحكام الله فى القاهرة، وكونراد دى مونفيرا ملك بيت المقدس فى عهد الصليبيين.

ومن القرن الحادى عشر إلى القرن الثالث عشر، ارتبطت «الحشاشين»، بسلسلة من عمليات القتل، التى كانت غالبًا ما تنتهى بموت منفذيها، وهذا أكسبهم سمعة الالتزام الصارم بقضيتهم، ولم يكن الاغتيال التكتيك الوحيد لهم، بل التجسس والاستيلاء على المواقع الاستراتيجية، استخدموا أيضًا آليات تجنيد الأتباع لتوسيع نفوذهم، وفى ذروة وجودهم، كانت لديهم سلسلة من القلاع الجبلية شديدة التحصين فى إيران وسوريا.

وأشارت الدراسة إلى أن قوة «الحشاشين»، بدأت فى التراجع فى أواخر القرن الثالث عشر، فى مواجهة تحديات كبيرة من السلطان المملوكى ركن الدين بيبرس، والمغول، وسقطت معاقلهم واحدًا تلو الآخر، وتضاءل نفوذهم السياسى والدينى، وزاد ذلك التضاؤل فى القرن الرابع عشر، مع الانقسام بين الإسماعيليين النزاريين السوريين والفرس.

عقيدة القتلة

كشفت مؤسسة سميثسونيان فى دراسة نشرتها على مجلتها الأكاديمية عام ٢٠٢٣، وتحمل اسم «عقيدة القتلة»، أن لعبة الفيديو التى تحمل نفس الاسم، تعتبر تصورًا أوروبيًا لحسن الصباح وأتباعه من طائفة الحشاشين، وكانت القصة مصدر إلهام لسلسلة ألعاب الفيديو الشهيرة، والتى تدور بين جماعة من القتلة ضد جماعة فرسان الهيكل، فى صراع على الإرادة الحرة يمتد لآلاف السنين.

ولفتت إلى أن سبب الهوس الأوروبى بـ«الحشاشين»، بدأ فى عام ١٢٩٥، عندما عاد التاجر والمستكشف الإيطالى ماركو بولو إلى مدينة فينيسيا، بعد أكثر من عقدين من السفر عبر آسيا، ووثق ما رآه فى رحلاته، حيث روى قصة تلك الطائفة.

وزعم أن زعيمها رجل عجوز فى الجبل، كان يستدرج الشباب إلى خدمته، بإعطائهم كميات وفيرة من الحشيش، وتسكينهم فى حدائق مزينة ومليئة بالفتيات الجميلات، وكان يخبرهم بأنهم قد اختبروا للتو، الجنة التى تنتظرهم فى الحياة الآخرة إذا اتبعوا أوامره، وكان هؤلاء الشباب يتعهدون بالدفاع عن زعيمهم بأى ثمن.

وقال «بولو» فى كتابه «أسطورة الفردوس»: «لقد اعتبر الجميع أنفسهم سعداء، بتلقى أوامر سيدهم، وكانوا مستعدين للموت فى خدمته»، متابعًا: «كانت نتيجة هذا النظام، أنه عندما يشعرون بالاستياء من قادة سياسيين، يتم إعدامهم على يد هؤلاء القتلة».

الرعب منهج تأسيسى

نشر جيمس جيلمر، الباحث فى جامعة «كارديف» البريطانية، فى عام ٢٠١٥، دراسة حملت عنوان «دماء ورمال: صعود وسقوط الحشاشين»، وصاغها بطريقة أدبية، تحكى قصة الجماعة ومؤسسها.

وقال «جيلمر» فى مقدمة الدراسة: «كان يومًا صيفيًا هادئًا، عندما استقبل المهدى، أمير قلعة آلموت، معلمًا متواضعًا على ما يبدو. وسرعان ما تبين أن هذا المعلم هو حسن الصباح، العقل المدبر لحركة دينية جديدة خطيرة، كانت تجتاح بلاد فارس. عندما استدعى المهدى حراسه، ابتسم حسن، وأخبره بأنه لم تعد هناك حاجة لخدماته. لقد سقطت آلموت؛ لقد بدأ صعود الحشاشين».

وتابع: «فى القرن الحادى عشر، كانت بلاد فارس، أرضًا مقسمة بين الإسلام السنى والشيعى، حيث انقسم العالم الإسلامى بين السلطة السلجوقية السنية فى الشرق، والخلافة الشيعية تحت حكم الفاطميين فى شمال إفريقيا ومصر، وكانت سوريا منطقة حدودية متنازعًا عليها بشدة بين الاثنين». وأكمل: «كان حسن الصباح شابًا درس ليصبح رجل دين، وأثناء انخراطه فى الدراسة، تحول للمذهب الإسماعيلى الشيعى، ثم غادر بلاد فارس للدراسة فى القاهرة فى سنة ١٠٧٨، وفى هذه الفترة، عين الخليفة المستنصر، بدر الدين الجمالى وزيرًا للجيوش، وأصبح الحاكم الفعلى للبلاد، وكانت سياساته لا تعجب حسن الصباح، فسجنه وطرده من مصر، ليعود مرة أخرى لبلاد فارس ويؤسس طائفة جديدة». وواصل: «وعد حسن المتحولين إلى مذهبه الإسماعيلى النزارى، بالجنة، وخُدعوا بمعرفته العميقة بالقرآن والفلسفة، وتمكن من الاستيلاء على قلعة آلموت، لأن العديد من حراسها تحولوا لمذهبه، واستطاع أن ينصب نفسه قائدًا عليها، وذاع صيته فى بلاد فارس، وبث الرعب فى نفوس قادة الخلافة فى ذلك الوقت، عن طريق الاغتيالات المستمرة، واستمرت طائفته فى نشر الخوف وزرع بذور الفتنة». واختتم «جيلمر» دراسته، بقوله: «فى النهاية مع توحد السنة فى الشرق الأوسط، وإدراك المغول خطر جماعة «الحشاشين»، تم القضاء عليهم نهائيًا».

العنف باسم الإيمان

نشرت دار النشر الأكاديمية الأمريكية «ساج» فى عام ٢٠٠٤، دراسة تحت عنوان «العنف باسم الإيمان: الإرهاب الدينى»، قالت فيها إن الإرهاب باسم الدين المستلهم من «الحشاشين»، أصبح هو النموذج السائد فى العصر الحديث.

وأوضحت أن الإرهاب الدينى، أو ما سمته بـ«الإرهاب المقدس»، هو نوع من العنف السياسى، يحفزه الاعتقاد المطلق بأن قوة دنيوية أخرى، قد أجازت وأمرت بالإرهاب من أجل حكم العالم.

وقالت إن الفرقة تأسست على منهج يسمى «مجد الإيمان»، ينص على أن الأفعال المرتكبة باسم الدين، سيغفرها الله وسيُكافَأ عنها مرتكبوها فى الحياة الآخرة، حيث يضفى الإيمان الشرعية على عمليات العنف، من وجهة نظر الشخص المتطرف.

وأضافت أن الإرهاب الذى يُمارس باسم الدين، سمة موجودة فى تاريخ الشعوب والحضارات والأمم والإمبراطوريات، والتى لم تخلُ من متطرفين ينخرطون فى العنف تنفيذًا لمعتقداتهم. وضربت الدراسة عدة أمثلة تاريخية على العنف الدينى، منها طائفة «الحشاشين»، حيث اعتنق مؤسسها حسن الصباح نسخة متطرفة من الإسلام الشيعى، وأسس الفرقة للدفاع عن تفسيره لهذه العقيدة، مضيفة أن بعض الخبراء يقول إن أتباع «الصباح» كانوا يتناولون الحشيش قبل ارتكاب أعمال العنف باسم الدين، ولذلك أطلق عليهم «الحشاشين». وأشارت إلى أن «الحشاشين»، كانوا ماهرين جدًا فى التنكر والتسلل، وعمليات القتل الدقيقة، وكانت قضيتهم ومناهجهم قائمة على أن القتل وسيلة أساسية للانتصار للدين، وشىء يضمن لهم مكانًا فى الجنة بعد الموت.

وأوضحت أنه على الرغم من أن تأثير الطائفة السياسى كان ضئيلًا، وتم القضاء عليها فى عام ١٢٥٦، فإن «الحشاشين»، تركوا علامة نفسية عميقة على عصرهم، وفى العصر الحديث أيضًا، حيث تتبنى الحركات المتطرفة وجماعات الإسلام السياسى نفس أيديولوجية الفرقة.

الإرهابيون الأوائل

فى نوفمبر ٢٠٠٢، نشر برنارد لويس المؤرخ البريطانى الأمريكى، المتخصص فى «علاقة الإسلام والغرب»، كتابه «الحشاشين: طائفة متطرفة فى الإسلام»، والذى وصف فيه الفرقة بالإرهابيين الأوائل فى التاريخ.

وقال «لويس»: «كانت «الحشاشين» أول مجموعة دينية، تستخدم القتل بشكل منهجى، كسلاح سياسى فى القرنين الحادى عشر والثانى عشر، وكان هدفها الإطاحة بالنظام السنى القائم فى الإسلام، واستبداله بنظامهم الخاص، لقد أرهبوا أعداءهم بسلسلة من عمليات القتل الدرامية لزعماء إسلاميين، وكذلك لبعض الصليبيين».

وتتبع المؤلف فى كتابه، تاريخ هذه الجماعة المتطرفة، وتعاليمها وتأثيرها على أفكار جماعات الإسلام السياسى المتعصبة، حيث أصبحت «الحشاشين»، مرادفًا للقتلة ذوى الدوافع السياسية والملهمة لمنفذى الهجمات الإرهابية.