الجمعة 12 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

معركة الشيخ بخيت.. عبدالمتعال الصعيدى يعقب: الورطة التى وضع طه حسين نفسه فيها

عبدالمتعال الصعيدى
عبدالمتعال الصعيدى

تورط الأستاذ طه حسين فى دعواه أن الشيخ عبدالحميد بخيت فهم من قوله تعالى «وعلى الذين يطيقونه فدية» ما فهمه بعض المفسرين القدماء، ومنهم الزمخشرى مثلًا، من أن الذين يجدون المشقة فى الصوم يستطيعون أن يفطروا وأن يفتدوا من ذلك بإطعام مسكين، وفى دعواه أنه قد سبقه إلى رأيه فى الصوم جماعة منهم ابن حزم. 

وكان على الأستاذ طه حسين أن يعرف أنه لو صح هذا لم يحدث الأزهريون هذه الضجة، وأنه لو صح هذا لم يقف الشيخ عبدالحميد بخيت ذلك الموقف الجامد، الذى يشبه موقف بعض الأزهريين، وأنه لو صح هذا لكان للزمخشرى وابن حزم ما يعتمدان عليه من الدليل، لأن هذا كان شأن القدامى من المجتهدين، فاعتمد الشيخ عبدالحميد بخيت على مثل ما اعتمدا عليه، ولم يصر إلى موقف العجز عن الدليل، والحقيقة أن المتقدمين جميعًا ومنهم الزمخشرى وابن حزم لم يروا فى الآية مثل ما رأى الشيخ عبدالحميد بخيت فيها من غير دليل. 

وإنما حمل أكثرهم قوله «يطيقونه» على الاستطاعة من غير مشقة، وادعوا أن التخيير فيها بين الصوم والفدية كان شريعة الصوم أولًا ثم نسخ، وحمله قليل منهم على عدم الاستطاعة، ليفر من دعوى النسخ، وأراد من ذلك من يشق عليه الصوم من الشيخ الكبير والمريض الذى لا يرجى برؤه، فلا يشق عليهما بالصوم، وإنما يفطران ويفتديان بإطعام مسكين. 

أما الشيخ عبدالحميد بخيت فقد أباح الفطر مع الفدية لكل من يثقل عليه الصوم، ولو لم يكن هذا عن عذر صحيح، بل لمجرد استثقال النفس، وهذا لم يقل به الزمخشرى ولا ابن حزم ولا غيرهما من المتقدمين، ولا يمكن أن يقوله غير الشيخ عبدالحميد بخيت وأمثاله، ممن يجازفون بالاجتهاد من غير دليل، ولا يعرفون مقدار التفاهة فى دعوى أن الصوم لم يشرع إلا للشغوفين به، كأنه لم يشرع لمصالح يجب أن يؤخذ بها كل من لا عذر له، ولو كان ثقيلًا على نفسه، بل إن هذا أحوج إلى تهذيبه بالصوم أكثر من غيره، ثم لا يعرفون بعد هذا أن مشاكلنا التشريعية كثيرة جدًا، وليس منها تشريع الصوم الذى لا ينكر العلم الحديث فضله، بل يتبارى العلماء وغيرهم فى بيان فائدته كلما أقبل وقته، فمن يريد رأيًا جديدًا فليكن فى هذه المشاكل التشريعية، أو فيما لا حاجة فى تشريعه إلى رأى جديد. وقد رهن الأستاذ طه حسين بهذا دفاعه عن الشيخ عبدالحميد بخيت، والحق أن الدفاع عنه من هذه الناحية إنما يكون ببيان تقصيره فى فهم هذه الآية، وجموده على رأى المتقدمين فيها مع ضعفه، وأن الشيخ عبدالحميد بخيت ربما أراد علاج هذا التقصير فخانه التوفيق، لكنه مع هذا خير ممن يؤثر الجمود، ويقف حجر عثرة فى سبيل كل تجديد. وقد تورط الأستاذ طه حسين ثانيًا فى دفاعه عن رأى الشيخ عبدالحميد بخيت فيمن يجاهر بالإفطار من غير عذر، وتفضيله على من ينافق فيفطر فى السر ولا يجهر به خشية الناس، فيخشاهم ولا يخشى الله وهو أحق بالخشية منهم، وقد فات الأستاذ طه حسين أن المجاهر بالفطر مجاهر بالعصيان، وفى المجاهرة بالعصيان إشاعة له، ولهذا وردت أحاديث كثيرة فى الحث على التستر فيه من يبتلى به، «إذا بليتم فاستتروا» وغير هذا من الآثار. وقد تورط الأستاذ طه حسين ثالثًا فى دعواه أن الشيخ عبدالحميد بخيت قد بلغ منزلة الاجتهاد، لأنه يحمل إجازة مكتوبة معتمدة من الدولة تشهد بأنه عالم من علماء الدين، وقد ظفر بها كما ظفر الأستاذ الأكبر شيخ الأزهر، وزملاؤه من أعضاء هيئة كبار العلماء، وزملاؤهم من علماء الأزهر، لأن هذا يناقض ما ذكره من أن آفة الأزهريين المعاصريين أنهم لا يقرأون إلا كتبًا بعينها قد فرضتها عليهم ظروف الأزهر فى بعض العصور، فلا يقرأون غيرها من الكتب التى كتبها علماء الإسلام فى العصور الأولى، وفى البلاد الإسلامية المختلفة، وهم من أجل ذل يحصرون العلم والدين فى حدود ضيقة جدًا وهى حدود الكتب التى يقرأونها، والعلم أوسع جدًا من هذه الكتب، والدين أوسع جدًا مما يراه الأزهريون. فالشهادة المكتوبة التى يحملها الأزهريون فى هذه الحدود التى ذكرها الأستاذ طه حسين لا تؤهل أحدًا منهم للاجتهاد، ومثلهم الشيخ عبدالحميد بخيت فى هذا العجز بل هم يمتازون عليه باعترافهم بعجزهم عن الاجتهاد، وكان عليه أن يقف عند حدود هذا العجز مثلهم، ولا يجازف بمثل ما جازف به فى ذلك الرأى، وإنما يحملنا على عدم تمكينهم منه أن إعطاءهم هذه السلطة وكثرتهم فى هذا الجمود العلمى والدينى خطر على غيره، ممن يوسع فى علمه ولم يقصر نفسه على كتبهم، وآمن عن كفاية بحاجتنا إلى الاجتهاد والتجدد، وأمكنه الوصول بحق إلى حل شىء من مشاكلنا التشريعية الدينية، فلا يستفيد الشيخ عبدالحميد بخيت فى مسألة إلا من هذه الناحية. 

ولا يصح أن نعتمد على أنه بلغ درجة الاجتهاد فى ذلك الخطأ الظاهر الذى وقع فيه، وإذا كان فيما ذكرته هنا قسوة ما عليه، وتفضيل لأولئك الجامدين عليه باعترافهم بعجزهم عن الاجتهاد بخلافه، فلأنا لا نحب لمن يؤمن بحاجتنا إلى التجديد مثل هذه المجازفات من غير دليل، ولا الفرار من مشاكلنا التشريعية إلى مثل هذه المجازفات، لأن هذا يضعف دعوة التجديد أمام أعدائها، ويعطيهم سلاحًا قويًا لمحاربتها، ولا نزال مع هذا مصرين على تفضيل سعيه فى التجديد على جمودهم، ونرى أن من يحاسبه على خطئه يجب أن يكون ممن يؤمن بالتجديد لا من أصحاب الجمود، ليعاملوه بما يستحق من الرأفة، لأنه لا عداوة بينه وبينهم كأصحاب الجمود، فلا يكون شأنهم معه إذا حاسبوه كشأن من يكون خصمًا وحكمًا، ومن يكون قد أعلن فى الجرائد أنه يستحق أقسى عقاب قبل أن يجلس لمحاكمته، ثم لا يرى مع هذا أنه لا يصح بعده أن يشترك فى مجلس الحكم عليه. وقد تورط الأستاذ طه حسين رابعًا فى ادعائه أن المسلمين لم يعرفوا هيئة تحاكم الناس على الاجتهاد قبل إنشاء هيئة كبار العلماء، وأنه لا يعرف قبلها جماعة حوكموا على اجتهادهم، فقد رأى ابن حزم مثل رأى الشيخ عبدالحميد بخيت ولم يحاكمه أحد عليه. 

وقد بينا تورطه فى دعوى أن ابن حزم رأى مثل هذا الرأى، ونبين هنا تورطه فى دعوى أن ابن حزم لم يحاكم على اجتهاده ولم يؤذه فيه، فقد أوذى أشد إيذاء، ونال من أهل عصره ما نال من الجحود، حتى شكا منهم فى بعض شعره فقال: وإن أناسا ضيعونى لضيّع وإن زمانا لم أنل خصبه جدبُ وكذلك جرى لابن تَيميَّة وغيره ممن يعرفهم الأستاذ طه حسين، ولا أدرى كيف نسى هنا ما جرى لهم؟ وقد تورط الأستاذ طه حسين خامسًا فى دعواه أن الإسلام لا يعرف سلطة دينية يستأثر بها فريق من رجال الدين، فيحكمون بإيمان هذا الرجل وكفر ذاك، ولا شك أنه بهذا يناقض ما ذكره عن أن من حق الأزهر ومن الحق عليه أن يقول للمخطئ فى أمر من أمور الدين أخطأت، وأن ينهى الناس عن مجاراته فى الخطأ، فإن المخطئ قد يكفر بخطئه، كمن يرى مثلا أن محمدًا- صلى الله عليه وسلم- كان مصلحًا لا نبيًا، فيكون من حق الأزهر ومن الحق عليه أن يقول له كفرت، حتى لا يحسب من أهل الإسلام بغير حق. 

فالحق أنه يجب أن يكون فى الإسلام سلطة دينية لبعض رجال الدين، ليبينوا للناس أمور دينهم، ويفصلوا فيما يختلفون فيه من هذه الأمور، ولكن هذه السلطة يجب أن تكون لرجال يحسنون استعمالها، ولا يحاربون بها الإصلاح والمصلحين، ولا يقلبون بها حقائق الدين، فيكون الجمود عندهم دينا، ويكون التجديد عندهم كفرًا، فمثل هؤلاء يجب أن تنزع منهم السلطة الدينية، لتوضع فى أيدى رجال يعرفون سماحة الإسلام، وينهضون بالمسلمين، ويسيرون فيهم سيرة المصلحين.