الجمعة 12 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

مقطع من رواية «باب إفريقيا»، للكاتبة الروائية المغربية فضيلة الوزانى التهامى

حرف

فى لحظات كثيرة من العمر تتمنين لو أنك لم تكونى موجودة فى هذه الدنيا أصلًا، أن تكونى عدمَا، لأن القادم المحتمل هو أكبر من أن يحتمل؛ هذه كنت أنا فى تلك اللحظة، صبية فى العاشرة، تجلس على حافة أمام جثة صبى ربته بعينيها، ما كان عساى أن أفعل؟
لم أفكر، لم أنتظر، تركت كل شىء وانطلقت أعدو فوق الأرض الرطبة، فوق الصخور، تخطيت الجذوع. كنت أريد أن أبتعد عن المكان، عن خطيئتى، وأن أدفعها عنى. سأقول إنى لم أكن معه، ربما الجرو هو من بقر بطن أخى، ربما راعٍ أخطأ الرمى، سأقول أى شىء، لن أعترف برعونتى التى أوقعت الغالى على الوتد.
كانت ربوة البلوط خالية إلا منى، وكان من الممكن أن أقول أى شىء، لكنى تسمرت وأنا أنظر إلى الرجل الذى كان يربت على وجه جواد حتى يهدأ، ربما ارتاع لنباح الكلب الشديد؛ كان هو نفسه، الإسبانى، حارس الغابة، صاحب البارودة، الدائم الوقوف تحت شجرة الزيتون البرية. هو نفسه النصرانى صاحب الكلب المغدور، وربما كان صاحب هذا الجرو اللعين أيضًا.

فضيلة الوزانى التهامى


من أين خرج هذا الرجل؟ نظراته كانت تتفحصنى، وعيناه غشيهما انقباض، وهما تحدقان إلى يدى، انتبهت، فرفعتها لأنظر إلى حيث ينظر. كانتا ملطختين بالدم الطرى، والبقع تنتشر على قميصى الطويل، الذى لا أعرف كيف صار لونه حينها. تراجعت إلى الوراء، ثم أطلقت ساقى للريح، لم أكن أعرف أية وجهة سأسلك.
لم أعد أسمع النباح، بل دقات قلبى الذى حسبته سيخرج من صدرى. أبى وقد حمل بارودته وصوبها باتجاهى، ورأسى المشطور إلى نصفين، ونظرتى الجامدة إلى السماء، وفمى المفتوح على قول يائس طار فى الهواء مع شظايا من رأسى:
- أبى أنا لم أقتل الغالى.
واصلت العدو، طويت تحت رجلى الأرض، والسواقى والمرتفعات والمنحدرات، وعندما توقفت أخيرًا، بدا لى مرج بشجيرات الكينا والدفلى، وصلنى هدير البحر، أشعة الشمس خفّت حرارتها، وحرارتى ارتفعت، حتى خيل لى أنى أسمع صوت غليان الدم بعروقى، ارتميت على حافة المرج، وممدت يدى إلى الماء ألتمس منه ما يصل حلقى الناشف. الزنابق البيضاء بدت لى طويلة، ساكنة، هادئة، قوية رغم صغرها، وكنت إزاءها منهكة. خيوط الشمس تغيب، أو هكذا بدت لى بين الأغصان، كنت أفقد إحساسى بما يحيطنى. أغمضت عينى على صورة الزنابق يحركها نسيم بارد بروائح مختلطة؛ زهور الدفلى، أعشاب مرة، ملوحة البحر، تراب موحل، ورائحة عرق ودم.
عندما فتحتهما كان الظلام يتلاشى، والأصوات تجبرنى على أن أفتحهما لأرانى محاطة بنسوة، إحداهن تحتضن رأسى، يد خشنة تنبعث منها رائحة عشب طرى. امرأة قبالتى يظهر جسدها السمين أسود لقلة الضوء، اللون الوحيد الذى التقطته حواسى كان أزرق غامقًا لقميص طويل ينتهى بقدمين كبيرتين محشوتين فى نعل:
- كانت ملقاةً فى الوحل.
يصلنى صوت رجل مع نحنحة حمار. كنت بحاجة إلى أكثر من الماء الذى ترشه المرأة على وجهى. روائح خضار طرية تحفز حواسى؛ جزر ولفت وفجل، رائحة نعناع منعشة، تسرى فى عروق رأسى، لسعات الأوراق تحت ذراعى. جؤنة خضراء تهتز يمينًا ويسارًا مع مشى الأتان التى كنت فوقها، الاهتزاز يصير أحيانًا عنيفًا، يد صلبة تمسك بى حتى لا أقع، المنحدرات تجبره على الوقوف، كتفى تؤلمنى من وخز النباتات، عارية إلا من إزار صوف فقَدَ وبره، أشد طرفه التماسًا للدفء، وأستسلم لإيقاع مشى القافلة. أنام على أصوات ماشية وكلاب.
كتفى تؤلمنى من وخز النباتات
عارية إلا من إزار صوف فقَدَ وبره