الجمعة 12 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

«نٌورالنٌّبٌوٌّة».. دراما السيرة النبوية فى ليالى رمضان

حرف

الأمسيات الدينية ذات الطابع المسرحى تقليد عرفه المسرح المصرى منذ سنوات فى شهر رمضان، حيث تضاء خشبات المسارح مع هذه الأمسيات المسرحية التى تستلهم السيرة النبوية من زوايا متعددة مع الإنشاد الدينى، البعض يقدم أمسيات دينية تحكى وتسرد فى مزيج من الشعر والنثر لمحات ومحطات من السيرة النبوية من خلال رؤية ذات طابع  روحانى وأيضًا أقرب إلى التوثيق دون معالجة درامية واتجاه آخر يأخذ من السيرة النبوية ذريعة لمناقشة الحاضر من خلال معالجة درامية تستلهم السيرة من خلال معالجة مسرحية مثل أعمال الكاتب المسرحى يسرى الجندى وما قدمه تحت عنوان «الليلة المحمدية» التى كتبها عام 1994 وأخرجها عصام السيد كانت نموذجًا. 

ناقش من خلالها يسرى الجندى ما يعانيه العالم من حروب ومآس، من خلال قراءة جديدة للواقع.. محاكمة حضارة القرن العشرين.. رصد حقيقى للأحداث الجارية وتحليلها.. مزج الماضى بالحاضر وربما استنتاج واستشراف المستقبل.. لتختلط الأزمنة والأحداث التاريخية على مدى قرون عديدة من العصر الجاهلى وحتى الآن فى محاكمة رائعة لقوى الشر التى تتنازع العالم الآن، ومن خلال مستويات متعددة فى النص المكتوب «تجمع بين الماضى والحاضر، يلعب  فيها الرواة  دورًا رئيسيًا وهو حلقة  الوصل بين الأحداث والأزمنة ويمثلون الزمن الحالى مع مساحة للتمثيل تعرض الأحداث والوقائع التى من الزمن الماضى القريب والبعيد أيضًا بالإضافة إلى الغناء مع عرض نماذج لشخصيات من اللحظة الراهنة، وغالبًا يلجأ كتاب المسرح إلى هذا الشكل الذى يمزج بين الماضى والحاضر من خلال فكرة مغزاها اللجوء إلى زمن النبوءة وقيم العدل والتسامح والمحبة التى نادى بها الأنبياء، فى مواجهة الشر والحروب التى يعيشها العالم وما يعانيه الإنسان فى الزمن الحاضر. 

استلهام السيرة النبوية جاء فى صور متعددة، سواء من خلال معالجة درامية ومناقشة قضايا الواقع، كما فعل يسرى الجندى وآخرون من خلال رؤية تنظر بعين إلى السيرة النبوية وأخرى على الواقع الذى نعيشه، أو تستلهم الشخصيات فى قالب مسرحى خالص، كما قدمها الراحل عبدالرحمن الشرقاوى من خلال «الحسين ثائرًا والحسين شهيدًا» أو عرضها بشكل مباشر أقرب إلى التوثيق، كما يحدث غالبًا، سواءً فى شهر رمضان أو ذكرى المولد النبوى وسواهما من الاحتفالات الدينية وذلك من خلال بنية تعتمد على السرد ما بين الشعر والنثر من خلال الرواة والإنشاد، سواء ما كتب حديثًا أو إنشاد من التراث والتمثيل من خلال تجسيد بعض الأحداث والوقائع، وقد عرض المسرح القومى ضمن برنامج لشهر رمضان أمسية عنوانها «نور النبوة» تحكى وتجسد مواقف وأحداثًا من السيرة النبوية بعرض مراحل فى حياة الرسول، صلى الله عليه وسلم، منذ ميلاده مرورًا بانتشار الدعوة وصولًا لعرض شخصيات من آل البيت، والأمسية كتبها  محمود حسن وإخراج  محمد الخولى، وبطولة منال سلامة وناصر سيف وأحمد أبو عمير مع مشاركة فرقة صدفة قيادة المنشد أحمد حسن، وديكور مى كمال، ووضع المادة الفيلمية مينا إبراهيم، وقد اختار الكاتب والمخرج عرض السيرة أو مواقف ومحطات مؤثرة وفارقة فى تاريخ الدعوة ما بين السرد والإنشاد الذى قدم مجموعة من الابتهالات والأغانى الدينية التراثية والحديثة.. مع الشاشة التى وضعها المخرج فى عمق المسرح لتعرض لمجموعة من الصور السينمائية والفوتوغرافية، سواء مشاهد طبيعية تدل على إعجاز الخالق أو مشاهد من أفلام ومواد وثائقية عن السيرة النبوية لتحيل هذه الصور الجمهور إلى زمن الصورة الذى يؤكد أهمية البعد الكيفى فيما يتعرض له من فنون تشكيلية مثل الرسم والنحت، وبذلك يُدخل التجربة المسرحية فى سياق ترتيبى زمنى إلى تجربة تنشطها انطباعات الحواس ويسودها عامل المكان.. لتبدأ الأمسية بسرد يوحى أيضًا بالمكان «النور الطالع من مكة مشكاوات كنجوم الليل معلقة فى كل سماء/ يخرج من آمنة بنت وهب لينير الشام وكسرى وتمر سحابات الخير بأرض الله فينهمر الماء»، ثم يتبادل الرواة الثلاثة منال سلامة، ناصر سيف، أحمد أبوعميرة سرد الحكايات والمواقف وصولًا إلى الهجرة إلى المدينة مع فاصل إنشاد من فرقة صدفة ليعرض النص المكتوب  بعد ذلك لشخصيات من آل البيت ويبدأ بعلى بن أبى طالب وخديجة بنت خويلد وفاطمة الزهراء، وأم كلثوم ورقية والسيدة زينب، والحسن بن على والحسين بن على..  ومن خلال هذه الشخصيات يعرض النص لفترة حكم الخلفاء الراشدين ويشير إلى الأحداث السياسية التى شهدها وعاشها المسلمون، ويصف النص هذه الشخصيات أوقل يصفها من خلال أفعالها وما قدمته فى سبيل الدعوة، فعلى بن أبى طالب «كان على قدرُمن أقدار التاريخ وصنّاعه مثل حمامات الغار/ وكان حوارىّ رسول الله حامل أختام الدولة مذ كان صبيًا ينفق دمه فى ساعات الهجرة حتى لا تعلم يده اليسرى ما بذلت يمناه «أما الحسين بن على فيقول عنه النص «للجنة شهداء ورجال وعلاماتٌ فى الوجه وبين عيون النخبة والسادة، الجد نبىّ والوالد قصر العلم، وأم السيد زهراء ولادة «وكما ذكرت هذه المعالجة أقرب إلى توثيق درامى لمواقف وأحداث من السيرة،  وفى النهاية يردد الرواة الثلاثة «الدولة يا سبط رسول الله هى الشعب، وبناء الدولة لا يرفعه إلا وطنى ومثابر» وهذا الختام الذى يربط بين الماضى والحاضر يعتمده تقريبًا كل من يستلهمون السيرة النبوية وأيضًا السير التاريخية. 

وفى نفس السياق قدم المسرح القومى أمسية أخرى عنوانها «عرفت الهوى» فكرة وإعداد وإخراج خالد عبدالسلام، ألحان وغناء محمد عزت وفرقته مع وعد وملكه ماهر، والأمسية اعتمدت على الإنشاد والأغانى الدينية  من خلال أشعار رابعة العدوية، وابن الفارض والحلاج والسهروردى، وأمير الشعراء أحمد شوقى وآخرين، وهذا القالب يبتعد  تمامًا عن السرد والحكى ويعتمد على الغناء والإنشاد والموسيقى، ولكنه يعتمد على استلهام هؤلاء الشعراء للسيرة النبوية ويقدمها من خلال اللوحات الموسيقية.