الإثنين 15 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

مجيد طوبيا.. الرجل الذى قتلته حبيبته وأنصفته قطته «سعدية»!

مجيد طوبيا
مجيد طوبيا

أحب قطته كما الأطفال.. و«ألزهايمر» لم يمحُ من ذاكرته «فريال الإيطالية»

فوجئ بابن له يطرق بابه بعد 14 عامًا على فراق محبوبته كونشيتا باريدزى.. وتبنى أحمد زكى فى «أبناء الصمت»

حين خطت قدماى لأول مرة أرض القاهرة كنت محملًا بإرث من قراءات لا أعرف هل هى كثيرة أم قليلة، لكن فى الفراغ الكبير أمام عينى كانت تتجسد العديد من الشخصيات، بعضها أعرفه والآخر أجهله تمامًا، ولكن هذا لا ينفى وجوده لدى، بل وأحيانًا تخيله فى صورة أحبها إن لزم الأمر، ومن هؤلاء مجيد طوبيا.

كنت قد قرأت «تغريبة بنى حتحوت» و«الهؤلاء» من ضمن هذا الإرث، وحين عملت فى جريدة «الدستور» تواصلت مع الكاتب الصحفى والروائى فتحى سليمان، وقررت الذهاب إلى مجيد طوبيا، ومن هنا بدأت الحكاية.

القطة «سعدية»

كنت أتوقع رؤية مجيد طوبيا فتيًا عصيًا على الرضوخ لمطارق الزمن، أتخيله مثل كتاباته وأفلامه خالدًا لا يشيب ولا يهن، لكننى وجدته كبيرًا جدًا، مع ذلك التكلس فى وجنتيه، وزحف وهن الذاكرة عليه، تلك العلامات التى بدت أشبه بمصفاة مليئة بالثقوب، كل يوم تسرب الأشكال والبيوت والمقاهى والجرائد، شيئان فقط بدا أنهما أكبر من حجم الثقوب، فراحا يتخبطان وفى كل خبطة كان «مجيد» يتذكر، الأولى قطته «سعدية»، والثانية حبيبته «كونشيتا باريدزى».

حين يكبر الإنسان يصل إلى نقطة معينة، ثم يبدأ الجسد فى معاندته، وهنا يستقل العقل بعيدًا عن ذلك التجانس ما بينه وبين الجسد، تلك النقطة تبدو أشبه بمفترق طرق، كل إلى سبيله، يظل الجسد يكبر فيما يرجع العقل ليصغر، ولا يمر بنفس مرور الجسد فى الكبر، وإنما يرجع دفعة واحدة إلى الطفولة.

مع هذه الحالة تبدو المفردات غريبة جدًا، فتجد رجلًا كبيرًا يطلب «مصاصة» مثلًا، أو كيسًا من الفشار أو حلوى «غزل البنات»، لكنه لا يتقافز مثل الأطفال، وإنما يعلن عن محبته لهذه المفردات فى صمت.

هكذا كان مجيد، وكان معه تلك القطة الصغيرة التى بدت أشبه بعالم كبير بالنسبة إليه، هى «سعدية»، وكلما قفزت ضحك وفرح ونادى، يخرج إلى شرفته وينادى بصوت خفيض: «سعدية.. سعدية»، ويقوم العم فتحى سليمان ليبحث لـ«مجيد» عنها، وحين يتصاعد المواء تدخله الفرحة، فرحة لم يجربها «مجيد»، فرحة رجوع ابن من سفر، فحقيقى أن له ابنًا، لكنه لم يعش معه حتى يدرك تلك المشاعر كلها.

كونشيتا باريدزى

أما كونشيتا باريدزى فهى الكائن البشرى الوحيد على ظهر الأرض الذى أصبح عصيًا على النسيان بالنسبة لـ«مجيد طوبيا»، الذى أكل فيه «ألزهايمر» كل ما يمكن أن يأكله، لكنه يأتى على تلك التفصيلة الخاصة بحبيبته، ويبدو مثل قط أليف يتمسح بها ويمضى.

كانت «كونشيتا» بالنسبة لـ«مجيد» دلالة وعلامة كبيرة على أنه عاش أيامًا يحبها، كانت البرهان الحقيقى على أنه مثل كل الناس، يملك قلبًا ويحب ويتوتر ويأكله الشوق، وحين يراها ترتسم تلك الضحكة الكبيرة على فمه، كأنه ما رأى وجعًا يومًا.

والقدر فى حكاية «كونشيتا» و«مجيد» له الكلمة العليا، فـ«كونشيتا» بنت ولدت فى مصر، لأب وأم إيطاليين، إبان القاهرة «الكوزموبوليتانية»، كان والدها يعمل فى القصر الملكى، وتزامن مولدها مع مولد «الأميرة فريال» فحصلت على الاسم وأصبحت «فريال أخرى».

كبرت فريال «البنت» مع «الأميرة»، لكنها سافرت إيطاليا لتصنع مملكتها الخاصة بعيدًا عن مصر، وعملت فى معهد الشرق بمدينة «فلورنسا» الشهيرة، وبحكم مصريتها كانت تجيد العربية إجادة تامة، ومن خلال عملها الأكاديمى قررت أن تأتى إلى مصر لترجمة بعض الروايات ومنها «تغريبة بنى حتحوت».

لم يكن يتخيل «مجيد» ولو لوهلة أن البنت التى جاءت من إيطاليا وراحت تسأل عنه، تحمل فى جعبتها أفضل وأحلى أيامه، لم يكن يتخيل أنه سيسافر وسيفرح وسيجد صدرًا يمكن أن يرتمى عليه ليشكو له وجعه من العالم.

وقفت «كونشيتا» أمام «مجيد»، وكان القدر يغرز غرزة أخرى فى حبكة القصة، تبسم «مجيد» وتبسمت البنت، وبدآ ينسجان أسطورتهما الخاصة، وعلى مهل.

أحب «مجيد» «كونشيتا» وأحبت «كونشيتا» «مجيد» وهامت به، فى الأساس هى كانت تحمل رواية تخيلت فيها كاتبها، والحقيقة أن الجواب نعم، يمكن أن تحب كاتبًا من خلال عمله، كما يمكنك بالضبط أن تكره كاتبًا آخر لنفس السبب، المهم أن القدر غرز غرزته وتركهما يكملان ذلك الثوب الكبير والجميل فى الحكاية.

حين سألته عن عدد السفريات التى زار فيها روما، أو بالأحرى زار فيها «كونشيتا»، قال ٣٦ مرة، ومن هنا يتبين حجم القصة، كان يأتى لمصر وقلبه معلق بإيطاليا، وكانت تأتى إلى مصر، ثم تترك قلبها فى مصر الجديدة، وتحديدًا فى شقة بسيطة تقع بالقرب من ميدان «تريومف»، حيث عاش مجيد طوبيا.

عندما يخونونك بموتهم!

كان مجيد طوبيا يحمل هاجسًا كبيرًا تجاه الموت، فهو كأديب كبير كان يفكر فى ماهيته، ما الذى يعنيه الموت! وكيف يمكن أن تعيش وفجأة لا توجد؟ كان الأمر عصيًا على الفهم، لكنه تقبله، سواء بإرادته أو رغمًا عنه.

تقبل موت أمه، وعرف أنه لن يراها مرة أخرى، لكنه حمل فى قلبه ذلك الوجع العظيم، ولم يتبق له من عائلته سوى عمته، هو الذى ارتمى فى حضنها، وأحبها محبة كبيرة لم يجبر عليها، فعلى الرغم من كونها آخر العائلة بالنسبة إليه، كانت فعليًا كل العائلة لـ«مجيد»، حتى جاء ذلك اليوم الذى لم يتوقعه ولم يفكر فيه حتى.

كان يتصور أنها ستخلد فى هذا العالم، مثل صورة الشهيد مارى جرجس، أو حتى صليب المسيح، وأن هنا ملكوتها الخاص، لكنها خانته وماتت، تركت له إرثًا كبيرًا من وجع، خاف معه أن يصادق الناس، أو أن يحبهم أو يتعامل معهم، لأنهم سيخونونه ويموتون.

ترك كل العالم وراح إلى «كونشيتا»، وكان يخاف منها أيضًا، يخاف أن تغدر به وتتركه يواجه كل هذا العالم بصدر عار، وحين طلبت منه الزواج لم يوافق، والأمر يبدو غريبًا بعض الشىء فـ«مجيد» لم يحب مثلها، لكنه رفضها كزوجة حتى لا تموت، وإن ماتت ربما يعيش بعدها لكنه سيكون ميتًا أيضًا، وما أصعب من أن تموت حيًا، أن تأكل وتشرب وتتنفس، وتقوم وتقعد وتشعر بكل شىء، لكنك ميت أيضًا.

بعدها جاء ذلك اليوم الذى بدا أشبه بجبل جثم على الصدر، تركته «كونشيتا» لأمر لا يمكن معه التفاهم، وغادر «مجيد» إيطاليا بقلب مكسور، ورجع يحمل معه خيبته الكبيرة، حين عرف أن له ابنًا من «كونشيتا»، ابنًا يقيم فى إيطاليا مع والدته.

كان «مجيد» فى بيته، بعد ١٤ عامًا قضاها مع كونشيتا باريدزى، وفى يوم سمع طرقات على الباب، وحين فتح وجد أمامه شابًا جميلًا، قال له: «أنا ابنك»، تفرس الولد قليلًا فى ملامح الأب، وتفرس الأب فى ملامح الابن بتساؤل، وظل الولد قليلًا وغادر.

ربما رأى ما لم يتوقعه، ربما كان الولد يحمل فى داخله ذلك القلق الكبير من ناحية والده، لكنه على كل حال زاره ورآه ومنحه لحظة من تساؤل راحت تخبط جدران ذاكرة «مجيد» كثيرًا، لكنها انزلقت وغادرت، بعد أن حكى لـ«فتحى سليمان» ما جرى، وترك الأمر كله ليفكر فى طفولته، وفى القطة «سعدية»، وفى أيام سيقضيها ثم يمر ليقابل الأحباب، والدته وعمته.

يشبه كل الطيبين

ولأن «مجيد» كان طيبًا فقد كان يشبه كل الطيبين، يشبه أحمد زكى حين يأتى ويستلقى على الأريكة، ويظل يضحك معه، ولم ينس «زكوة» له وقفته ومساندته له فى فيلم «أبناء الصمت»، وكيف أنه فرض اسمه على المخرج السيد راضى.

كان «مجيد» يرى فى أحمد زكى نموذجًا جميلًا لبطل مصرى حتى النخاع، آمن به، وأحس بموهبة «الولد الأسمر»، ومنحه ما أراد ليخطو إلى عالم المعرفة والشهرة.

وفى المقابل، لم ينس «زكى» لـ«مجيد» كل هذا، حين اشتهر وعرفه العالم، أمسك بحقيبة وملأها بالنقود وذهب إلى «مجيد» لمكافأته على كونه السند، لكن «مجيد» رفض الأمر تمامًا، وذكره بأنه آمن به لموهبته وليس لأنه يحبه فقط.

وحين تعرض «مجيد» والسيد راضى لأزمة فى شركتهما التى افتتحاها معًا تحت اسم «رابيا»، تنازل معظم الفنانين عن بعض أجورهم من أجل الشركة، ومنهم أحمد زكى وسهير رمزى، وغيرهما.

كوكتيل مواهب

كان مجيد طوبيا حالة خاصة، مثله مثل صلاح جاهين، كان متعدد المواهب، يكتب الرواية، يرسم لوحات تشكيلية، يكتب للأطفال، ويكتب السيناريو، وله العديد من الإسهامات فى أمور أخرى، مثل كتابته للمقال بشكل أدبى جميل.

كان يرى أن الفنان عليه أن يكتب ويبدع ويرسم، وأن الفكرة يمكن أن تصلح كلوحة وكقصيدة شعرية وكرواية وقصة قصيرة، تصلح لكل صنوف الإبداع، لكن الفكرة هى من تحدد إطارها الذى ستتشكل فيه، هى من تلح للخروج فى رؤية بعينها حددتها مسبقًا، وما على الكاتب أو الفنان سوى صفها فى الشكل الذى اختارته مسبقًا.

من هنا كان «مجيد» يمارس كل تلك الفنون، حقيقى أنه برع فى الرواية ونبغ فيها، حتى أن روايته «تغريبة بنى حتحوت» انضمت لقائمة «أفضل ١٠٠ رواية عربية فى القرن العشرين»، لكن «مجيد» لم يقسُ على كل الفنون الأخرى ويهملها تمامًا، على العكس مارسها بانتظام، وبحسب رؤيته.

«تمام يانجب»

من خلال كتابته فى «الأهرام»، عرفه نجيب محفوظ، ووطد الزمن علاقتهما بقوة، وكان «نجيب» يشيد كثيرًا بـ«مجيد»، واعتبر بعض النقاد أن «مجيد طوبيا امتداد طبيعى لمحفوظ».

وقال مجيد طوبيا عن «أديب نوبل»: «كان يشيد بى كثيرًا، ويذكر اسمى فى محافل كثيرة، هم لم يعرفوا أن نجيب لم يتكلم عن مجيد الإنسان، لكنه تكلم عن مجيد الكاتب».

كان بين الاثنين مزاح كبير ومحبة صادقة، ولعملهما معًا فى «الأهرام»، كان نجيب محفوظ يقول له «يا زمل»، و«مجيد» يرد التحية بقول «تمام يا نجب».

ووصف «طوبيا» نجيب محفوظ بأنه رقيق جدًا، ومُجامِل باحترام ووقار، وفى أحد الأيام، قال أحمد هشام الشريف، وهو قاص موهوب، مخاطبًا «نجيب»: «هو مفيش غير مجيد طوبيا»، فرد عليه صاحب «الثلاثية»: «آه مفيش غير مجيد طوبيا».

وفى إهداءات نجيب محفوظ لـ«مجيد» نتوسم تلك المحبة، إذ يكتب له قائلًا: «الفنان والمبدع مجيد طوبيا.. محبة وإعجاب»، وهو الإهداء الذى تكرر فى روايات: «رحلة ابن فطومة»، و«رأيت فيما يرى النائم»، و«قشتمر»، وغيرها.

طوبيا الذى ذهب إلى الملكوت

غادر مجيد طوبيا فى ٧ أبريل ٢٠٢٢، ولم يرحل قبل أن يتدخل القدر بغرزة أخرى فى ثوب حكايته، اسمها فتحى سليمان، الذى رافقه لسنوات طويلة، ظل فيها يرعاه مثل ابن، ويحمل مسئولية الرجل العجوز كثيرًا، لم يهن ولم يستنكر الأمر، بل أكمله بعطاء كبير ومحبة خالصة.

كان فتحى سليمان نموذجًا حقيقيًا للإنسان الذى ينبغى أن يكونه الإنسان، هذا الذى يربت على ظهر قطة أو يجبر جناح طائر، كان سندًا لـ«مجيد طوبيا»، وقبل مغادرته، ولأنه يعرف أنه عاش ومر مثل مسافر، أوصى «مجيد» بمكتبته لـ«جمعية الشبان المسيحيين»، ولم يترك وراءه إلا رواياته التى تقول: «هنا عاش مجيد طوبيا».