الثلاثاء 16 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

محمد المتيم: فيلم «برين» رد اعتبار لفنان شامل وجمعت مادته فى 4 سنوات

المنشد الشعبى الشيخ
المنشد الشعبى الشيخ أحمد برين

- «الوثائقية» وفرت لى كل المصادر المطلوبة بمن فيهم الموز ع الفرنسى آلان فوبير

امتدت شهرته من قرى مركز إسنا فى الأقصر إلى كل محافظات الجمهورية، ونقلته موهبته الكبيرة وأسلوبه الساحر وصوته الفريد من خانة المحلية إلى العالمية، ليتربع على عرش الإنشاد الدينى لسنوات طويلة، ويصبح اسمه مقرونًا بعظماء هذا الفن، الذى تتميز به مصر دونًا عن غيرها، ككثير من الفنون الأخرى.

إنه الشيخ أحمد برين، الذى قدم مئات من الحفلات طاف خلالها مصر من أقصاها إلى أقصاها، فى أعراسها وموالدها ومناسباتها الاجتماعية كافة، إلى جانب مئات مثلها فى العديد من الدول الأوروبية مثل فرنسا وإيطاليا وهولندا وبلجيكا، مرورًا بالمغرب وحتى غينيا بيساو، فى قارتنا الإفريقية الساحرة.

ومؤخرًا، قدمت قناة «الوثائقية» فيلمًا وثائقيًا عن حياة الشيخ «برين»، من إنتاج القطاع الوثائقى بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، إعداد وكتابة للشاعر والباحث محمد المتيم، الذى تحاوره «حرف» فى السطور التالية، لنعرف أكثر عن «برين».. الشيخ والفيلم.

محمد المتيم

■ فى البداية كيف جاءت فكرة فيلم برين؟

- قبل عام ونصف العام تقريبًا، تلقيت اتصالًا هاتفيًا من قطاع الإنتاج الوثائقى بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية يدعونى إلى الحضور فذهبت إليهم، ليسألونى بوضوح: «ماذا لديك؟». فوجِئت بالسؤال، ولم أجد فى جيبى غير أوراقى عن أحمد برين، التى كنت أعمل عليها منذ ٤ سنوات.

قلتُ لهم أعمل على كتاب عن المنشد الشعبى الشيخ أحمد برين، يمكن استثمار مادته فى صناعة عمل فنى عنه. سألونى «ما المميز فى الرجل؟»، قلت لهم كلمة واحدة: «الدراما»، وكنت أعنى المنعطفات الحادة فى حياته، والتى يمكن أن تنسج بجانب موهبته فيلمًا مميزًا. 

كما قلت، كنت قد أمضيت ٤ سنوات أعد كتابى عن تجربة الشيخ أحمد برين الفنية، ومسيرته الحياتية الملغَّمة بالمآسى، والتى لم يكن له من سلاح حيالها إلا الإنشاد والنكتة اللطيفة. وبجانب الدراما فى تجربته الحياتية، على مستوى الإنشاد يمكن اختصار هذا الرجل فى أنه يمثل عصارة الحِسّ الحضارى والفنى والروحانى المصرى فى صورته الشعبية غير الرسمية. وإذا نظرنا إلى الحضور الواسع الذى حظى به خارج القطر المصرى، ولم يتمتع بربعه على الأقل داخل مصر إلا من خلال الجماعة الشعبية، تكون صناعة فيلم عن تجربته بمثابة ضرورة فنية قصوى.

من هنا جاءت المسألة بشكل مفاجئ وغير متوقع أو مرتب، وبعد حوارنا الأول قدمت المعالجة الدرامية للفيلم، وكانت محل رضا كبيرًا وباعث حماس لدى إدارة القطاع الوثائقى بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، فشرعت فى العمل على الفيلم رفقة فريق عمل مميز.

الصفحة الخامسة عشر من العدد الرابع والعشرين لحرف

 

■ ٤ سنوات كاملة تعمل على كتاب برين... أليست هذه مدة كبيرة؟

- إذا تحدثنا عن مسيرة أحمد برين وتجربته الفنية، فنحن بصدد مئات الحفلات التى طاف خلالها مصر من أقصاها إلى أقصاها، فى أعراسها وموالدها... إلخ. كما أننا نتحدث عن عشرات الحفلات وربما مئات الحفلات خارج مصر، فى فرنسا وإيطاليا وهولندا وبلجيكا والمغرب وغينيا بيساو. وهذا المنجز السماعى الضخم يحتاج إلى ساعات طويلة ممتدة من السماع، لتدوين سيرة فنية من واقع ما أنشده الرجل.

الأمر الآخر الذى استدعى طول المدة هو أن أحمد برين للأسف لا يوجد أرشيف مكتوب عنه فى الصحافة نستطيع اللجوء إليه، فالرجل الذى عاش قرابة ٧٥ عامًا لم أعثر له على لقاء صحفى أو تليفزيونى واحد داخل مصر. اللقاء التليفزيونى الوحيد الذى أجرى معه كان قد أعده التليفزيون الفرنسى، فى ثمانينيات القرن الماضى تقريبًا، إذ أفرد له ساعة كاملة لعرض حفل له وعقْد حوار معه، وفقًا لكلام مستر آلان فوبير.

بالتالى لم تكن بين يدىّ مادة أرشيفية صلبة، ما اقتضى أن أبحث وراء المعاصرين له من فرقته ومن أهله وأولاده ومن جمهوره، وجمع هذه الشهادات والخروج منها بملامح واضحة لهذه السيرة التى تبدو ضبابية، خاصة أن المواد الصحفية التى نُشِرَت عنه هنا وهناك كانت تحمل معلومات مضللة فى جانب كبير منها، ما يُصَعِّب عملية البحث، بل ويُضَلِّل الباحث أثناء العمل على مثل هذا الكتاب. 

بالطبع ٤ سنوات كانت مدة طويلة نسبيًا، لكنى حاولت أن أقترب من «برين»، وأعايشه معايشة الصديق للصديق، للاقتراب من جوهره المكنون قدر الإمكان قبل الكتابة عنه. كما أن هذه السنوات انتابتها فترات توقف، لكن المدة طالت بسبب ما ذكرته آنفًا.

ظل هذا إلى أن واتتنى الفرصة لكتابة فيلم عن الشيخ أحمد برين، من واقع المادة البحثية التى جمعتها عنه. بالتأكيد أنت فى الفيلم لا تقول كل شىء، فلا تستطيع أن تقول كل شىء عن أى موضوع فى ساعة تليفزيونية واحدة. لكن الفيلم يمثل تلويحة محبة للشيخ أحمد برين، وإضاءة على المحطات المفصليَّة والرئيسية فى تجربته، وتأكيد قيمة وأثر هذا النموذج الفنى المصرى، ومدى حضوره على خارطة الفن الشعبى والإنشاد الدينى. 

أحمد برين

■ لماذا الشيخ أحمد برين تحديدًا؟

- هذه مسألة يطول فيها الحديث، فالشيخ أحمد برين ولِدَ فى أسوان، ثم انتقل إلى قرية «الحلة» التابعة لمركز إسنا فى الأقصر، حيث أخواله، ومنها انتقل إلى قرية «الحليلة» فى مرحلة وسطى قصيرة، ثم انتقل إلى قرية «الدير»، وهناك استقر وازدهرت تجربته الفنية، ومكث فيها حتى رحيله.

قريه «الحلة» التى كانت محطّ الرِحال الأول له، هى قريتى أنا، وقرية «الدير» التى استقر بها ليست ببعيدة عنى، تبعد مسافة ٤ كم ربما، فأنا جغرافيًا أنتمى إلى البيئة نفسها التى ينتمى إليها الشيخ «برين»، ومن هنا أستطيع فهمه واستيعابه جيدًا. 

الأمر الثانى أننى سمعته كثيرًا وحضرت له حفلات متعددة فى طفولتى وصباى وحتى مرحلة المراهقة إلى أن اعتزل فى ٢٠١٣ ربما أو ٢٠١٢. بجانب الرابط الجغرافى والنفسى، أنا أعتبره شاعرًا فى المقام الأول، فمع كتابتى للشعر بدأت أدرك قيمة هذا الرجل التى لم أدركها وأنا طفل، فقد كان بوابةً من البوابات التى فتحت لى العالم الشعرى، من خلال الجملة المجازية الفاتنة التى يقدمها، وكيف يعمل المجاز فى المخيلة، وكيفية صناعة جملة شعرية، حتى إن كانت بلغة عامية أو دارجة، تحمل فى طياتها شعرًا كبيرًا وافرًا، ولذا أعدُّه من آبائى الشعريين المفضلين وذوى الأيدى البيضاء علىّ. من هنا تأتى قيمة أحمد برين بالنسبة لى، ورغبتى فى صناعه فيلم عنه.

هذه واحدة، الثانية أننى بعد التحاقى بالجامعة اكتشفت أن هذا الرجل له حضور واسع وفريد فى أوساط اجتماعية وثقافية تختلف عن سياق القرية الجنوبية. كما وجدت أصدقاء من دول عربية عدة يسمعونه ويتابعونه بمحبة وإكبار شديد.

ثم لمّا ربطت هذا بالحفلات التى كنت أعرف أنه يحييها خارج مصر، بدأت أدرك أن هذا الرجل تجربته أوسع من كونها تجربة منشد دينى أو مداح عادى أو عابر، لكنه فنان بالمعنى الشامل لكلمة فنان.

■ نشأت فى قرية «الحلة» كما قلت، التى أقام فيها الشيخ «برين» لفترة قبل انتقاله إلى قرية «الدير».. كيف ينظر الأطفال والأجيال القادمة لتجربة الشيخ «برين»؟

- هذا يردنى إلى مسألة أثر الشيخ أحمد برين على المحيط الاجتماعى الخاص به. أتصور أن حياته، بما اكتنفها من فقدان البصر ورقَّة الحال، بجانب اليُتم المبكر والواقع المغلق، كل هذه الأشياء تشير إلى أن الرجل تمتع بشخصية فولاذية، استطاعت بإرادة صلبة أن تتغلب على ظروفها الخاصة، لتنتج فنًا عابرًا للثقافات والجغرافيا، فنًا خالصًا لوجه الفن. كل هذا فى ظنى يعطى دافعًا أو حافزًا لأجيال قادمة فى هذه القرى النائية ليزاحموا بالأكتاف ويتدافعوا نحو مستقبلهم بإرادة صلبة مماثلة لإرادة الشيخ أحمد برين.

■ يتناقل الجنوب سيرة الشيخ شفهية، بينما تخلو الدائرة الإعلامية من الشيخ «برين».. هل يمكن أن يسد الفيلم هذا الفراغ؟ 

- فى ظنى يمثل الفيلم رد اعتبار للشيخ أحمد برين، وللحقل الذى ينتمى إليه، أعنى حقل الفن الشعبى والإنشاد الدينى. نحن نقف على منجم ذهب، حقل شاسع، مخزون استراتيجى ضخم ومرعب من الطاقات الفنية المخزونة فى الشخصية المصرية والشارع المصرى، لغةً وإنشادًا وفنًّا وموروثًا، على كل المستويات وفى كل البيئات، وليس فى الصعيد فقط.

فى الصعيد وفى سيناء وفى البيئة السواحلية وفى النوبة وفى الواحات، فى كل بقعة مصرية ثمة منجم إبداعى رهيب، وصناعة فيلم عن الشيخ أحمد برين من خلال قطاع الإنتاج الوثائقى بالشركة المتحدة هى أول ضربة فأس فى هذا المنجم، يمكن من خلالها إعادة الاعتبار للفن المصرى الشعبى، ودراسة وفهم كيف تفكر الجماعة الشعبية أو فيمَ تفكر. رد الاعتبار أيضًا يشمل وضع التجربة مكتملة بكل ملابساتها فى دائرة الضوء، بدلًا من تركها نهبًا للمواد الصحفية الركيكة، أو تركها للضياع المطلق.

الشيخ أحمد برين

■ اعتمدت على مصادر مهمة فى حياة الشيخ منها ابنه وابنته وأولاد الشيخ الرنان تلميذه.. هل وقت الفيلم المحدود مكنك من الاستعانة بمصادر كنت تود وجودها؟

- فى الحقيقة، كل المصادر الحيَّة التى طلبت وجودها والاستعانة وفَّرتها قناة «الوثائقية». حتى العائق الوحيد الذى ربما كان سيواجهنى، وهو التسجيل مع مستر آلان فوبير، الموزع الموسيقى الفرنسى الذى جذب الشيخ أحمد برين من الأقصر وذهب به إلى فرنسا وطاف به العالم، وكانت بينهما تجربة أو مسيرة فنية امتدت لقرابة ١٥ عامًا، هذا الرجل كان مرتكزًا رئيسيًا بالنسبة لـ«برين»، ومع أنه مقيم فى باريس، لم تخذلنى «الوثائقية» واستطاعت التسجيل معه، ومثَّل إضافة كبيرة للفيلم.

من حيث المصادر، الحمد لله استطعت التوافر على جميع المصادر التى أردت التصوير معها. بالتأكيد هناك أشخاص كثيرون كان يمكن الاستعانة بهم. لكن فى النهاية الإطار الزمنى للفيلم لا يحتمل عدد ضيوف أكبر من هذا، وكان غرضى فى المقام الأول الاستعانة بضيوف وثيقى الصلة بتجربة الشيخ أحمد برين. لم أكن أُعنى بجماهيرية الضيف وشهرته، بقدر ما كنت أريد الاستعانة بأشخاص أو مصادر أو ضيوف عايَنوا التجربة وعايشوها، ولديهم وجهة نظر كاملة وصادقة ومحِبَّة ومتنوعة تجاه الشيخ أحمد برين. 

■ تحفل سيرة الشيخ برين بالعديد من الأخطاء على المواقع ومنصات التواصل الاجتماعي.. هل كان الفيلم محاولة لتصحيح كل هذه الأخطاء ولوضع سيرة حقيقية أمام الباحثين؟

- الفيلم، كما أسلفت، تلويحة محبة لتجربة مصرية أصيلة، افتأت عليها الصحافة والمواقع كثيرًا دون تثبُّت أو تحقق. فعلى سبيل المثال الشيخ أحمد برين لم يدرس فى كلية أصول الدين كما ادَّعى بعض المواقع، هو خريج كتاتيب، ولم يُنشد فى دير السيدة العذراء بقرية درُنكة فى أسيوط، ولا تربطه صلة قرابة بتلميذه الأنجب الفنان محمد العجوز، اللهم إلا الصلة الفنية بين أستاذ وتلميذه، كل هذه أكاذيب لطالما روَّجت لها الصحافة، تكاسلًا وجهلًا وجريًا وراء «الترافيك».

■ قدمت خدمات جليلة للشيخ «برين» باتاحة كل ما يمكن من معلومات عنه.. لو فكرت فى عمل سيرة أخرى فلمن ستكون؟

- لا أستطيع أن أدّعى أننى قدمت خدمات جليلة للشيخ أحمد برين، ففى واقع الأمر أنا المدين له بديون متعددة، ربما لا يسعنى الوقت لتعدادها. لكن كما أسلفت هو شاعرى الأول الذى فتح لى بوابة الشعر قبل ٢٠ عامًا أو أكثر. الأمر الثانى هو يمثِّل لى- كما ذكرت من قبل- خزانة مشاعر لأسرة ممتدة من ٣ أجيال؛ جدى فأعمامى فأنا، لذا فأنا المدين له على كل المستويات.

وفى الحقيقة لا أعرف إذا فكّرت فى تناول سيرة فنان آخر، بعد «برين»، من سيكون، لأننى حتى فى العمل الوثائقى أو الصحفى لا أستطيع التخلى عن المنطق الشعرى من حيث الإيمان والمعايشة والمحبة، لكنَّ قوس الاحتمالات مفتوحة على كل حال. 

الشيخ أحمد برين

■ كيف ترى احتفاء المثقفين بفيلم «برين»؟

- فى الحقيقة كانت سعادتى غامرة بتلقى الفيلم لدى الجماعة الثقافية المصرية، والمشاهدين المصريين، وعموم المهتمين بالفن الشعبى والإنشاد الدينى. سعدت جدًا بانطباعاتهم عن الفيلم. كنت أخشى لا شك أن أخذلهم فى محبوبهم. لكننى كنت أتوقع أن فيلمًا عن أحمد برين سيجد من ينتظره، هذه نقطة لم أكن أشكُّ فيها إطلاقًا، فأنا أعرف جيدًا الصدى والحضور الواسع لهذا الرجل، حتى وإن كان حضورًا غير مُعلن، أو ليس له ما يدعمه فى وسائل الإعلام.

شعبيًا من خلال استطلاعى أثناء العمل على الكتاب، كنت أعرف أن هذا الرجل له جماهيرية كبيرة، لذا لم أكن متخوفًا من مسألة الإقبال على المشاهدة. لكن ما كنت متخوفًا منه هو كيف سيتم تلقّى الفيلم. والحمد لله بعد إذاعة الفيلم وعرضه وتوفّره على الإنترنت كانت الانطباعات جيدة جدًا وإيجابية فى عمومها، وكانت محل قبول ورضا كبير بالنسبة لى، الآن أشعر أن هذا الفيلم «قَدَمَ سعدٍ»، سأظل معتزًا بها ما حييت.