الجمعة 12 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

قيامة البتول الأخيرة

البتول
البتول

- ترانيم الموت والخراب فى رواية ز ياد كمال حمامى

- «قيامة البتول الأخيرة.. الأناشيد السرية» ليست مجرد رواية حرب أو رواية اجتماعية

- «البتول» وقعت فريسة بين أنياب الزمن و تكالبت عليها قوى الشر والظلم والطغيان

عندما يصير الكاتب كتفًا للوطن يتّكئ عليه، يحمل همومه وقضايا إنسانه.. عندما يصير له جناحان يحلق بهما بحكاياته- بحروف أكثر ضجيجًا من ألوان الورد، وكلمات أشد غزارة من المطر- عندما يستمدّ له البقاء من روحه لتنمو فيه الحياة، سينزف اليراع فاتحًا ألف باب للبوح؛ سيرتب الحروف لتصير حكاية مطبوعة فى ثنايا الزمن؛ تمامًا كما يفعل الروائى السورى «زياد كمال حمامى» وهو يطرق مسامير الحروف فى وحشة سطوره السردية، فتشقق غيمة النفس وسكون الصبر، وهو يكتب عن وطن غزاه الموت منتشيًا وطرقت أبوابه المحن، عن أرواح اغتربت فى الوطن وفى المنفى، عن جراح تكتظ بضجيج الآه، عن رصاص يُطلق فى كبد الروح، عن قلوب تنزف طيورًا هجرت أقفاص الصدور، عن أجزاء مبتورة رحلت إلى المجهول، عن سلال الصبر ملأتها الأشواك، عن شعب هو المنجل وهو الحصاد.

 

كاتب يعتنى بكل الجزئيات، يتميز بقدرة فائقة على سبك الأحداث ورسم أبعاد شخصياته بكل تفاصيلها ومؤثراتها وما يؤثر بها؛ يكتب الحقائق برسائل عميقة مبطنة وظاهرة؛ فأية رسالة أراد إرسالها هذه المرة من خلال روايته هذه التى حمّلها عنوانين «قيامة البتول الأخيرة» و«الأناشيد السرية»؟ عن أيّة بتول يكتب؟ أهى تلك المرسومة على غلاف الرواية، تحمل مشعلًا «يشبه الوطن» وسط الدمار والظلام والخراب، والناس تلتف حولها كأنّها تنشد الخلاص؟، أم هى البتول «مريم العذراء» والدة سيدنا المسيح، أم «فاطمة الزهراء» بنت نبيّنا محمد «ص»؟ وماذا عن تلك الأناشيد السرية، وما علاقتها بالبتول؟ -«والأناشيد دومًا ترتبط بالذات البشرية وأحوالها وطقوسها، وتتعلق بالمحيط والمؤثرات الاجتماعية والعاطفية والدينية والفلسفية والسياسية وغيرها»- فهل سنقرأ عن جماعات دينية محددة وأسرار ترانيمها وصلواتها؟ وماذا أراد الكاتب من قيامة البتول الأخيرة؟ وما علاقتها بالكنيس والوحى المقدس- الذى تحدث عن قيامتين: «القيامة الأولى وهى قيامة روحية، اختيارية، تحدث فى الزمن الحاضر، وهى قيامة من الإثم والخطيئة حيث يتجاوب الإنسان مع الله ويعترف بخطاياه فيتمتع بخلاصه الثمين؛ والقيامة الثانية، قيامة جسدية إجبارية، تحدث يوم القيامة، يوم يقوم الناس جميعًا للحساب؟. 

نلج إلى الرواية لنقف أمام صورة فوتوغرافية منسوخة لرسالة من الإله «بعل» إله البرق والعواصف والأمطار- كما كُتِب عليها- ٥٠٠٠ عام قبل الميلاد:

«سورية بلدكم: أينما كنتم، وهذا حقكم، فحطم سيفك، وتناول معولك، واتبعنى لنزرع السلام والمحبة: أنت مركز الأرض».

بعد ذلك، اعتراف بقلم الكاتب، قد يكون المفتاح الغارق بين السطور، والذى يشرّع الباب للأحداث، إذ يقول:

«قد يكون الواقع أقرب من الخيال، وأشد وطأة، وقد يكون اللامعقول فى غرائبيته هو الواقع نفسه، أو هو الحقيقة المخفية، وأعرف إذ ذاك، إن ما نخشى منه، لا بد من الولوج فيه؛ والمغامرة من أجله، ولهذا، أردت أن يدرك المرء ما يخفى فى نفسه، وفى محيطه، وما يُصاغ فى الأقبية السرية، وفى الحارات وفى الأزقة الشرقية، ويحاكيه، ويحاكمه، بلا توجس أو خوف أو خجل، وهو ظاهر فى حياتنا، ولكننا نخشاه، ونتستر عليه وقد تعودنا بحكم العادة والأعراف والتقاليد، ومن عدوى الخوف والظلم، ومن الاستبداد الرجيم، ألا نكشف عوراته الفاضحة، وألا نخوض فى أسراره، وهذا أحد أسباب تخلفنا واستعبادنا، وعندما يتأكد المرء من ذلك، ويحاكم ذاته أولًا، سيعرف حتمًا كيف سيشيد حياة مستقلة حرة، ولن أراها، أعرف ذلك، ولكنها ستكون حياة مختلفة، لم نعشها، ولم نتمتع بها، ولم نتفيأ فى ظلالها الدافئة».

■ العنوان الثانى للرواية «الأناشيد السرية» فما كان إلا الرسائل المخفية التى غزلها الكاتب وحمّلها دوار البحر، تصارع الإعصار لتطفو على السطح وتصير أجراس قديسة تُقرع بعد كل مدّ أو جزر؛ نقرأ مثلًا:

■ ص٧١..... «على صورة أقدامها يسمع نشيد الثأر السرى بأجراسه العالية.....».

■ ص٨٢-٨٣....» يستمع إلى موسيقى « البيتلز «، النشيد السرى، بآلاتها النحاسية الصاخبة.... «.... تلك التى تمتزج مع الموسيقى التمجيدية السرية لسيد النار والظلام....». 

■ ص١٦٧.... «يتمتم أبراهام ببعض الترانيم التى كان ينشدها أثناء الصلاة، ويرد عليها بكلمة عبرية واحدة:_بوتزيم، بمعنى أغبياء أو جهلة....».

■ ص١٧٤...«لا أحد يعرف سر مملكة الحمام الزاجل، ومعانى ألوان علمها المقدس، ونشيدها السرى، غير رجل يؤمن بها وبحريتها، وبحقوقها المسلوبة...». 

■ ص١٨٨..... «قبل أن يبدأ بممارسة طقوسه، تتعالى فى أذنيه موسيقى البلاك ميتال الظلام الأسود، الصاخبة، عالية التشويش، يدمدم بنشيده السرى: حين تدفنونى وأنا سكران......».

■ ص٢٢٢..... «فجأة عم الظلام الدامس أرجاء الغرفة الدائرية، وقد مالت الرءوس بعضها إلى بعض، أطرقت متلاصقة على صدر الطاولة المستديرة. تصاعدت همهمات غريبة لكلمات سرية، وتمتمات، وقد بدأ نشيد الإنشاد السرى يعلن ترانيمه الجديدة، على وقع ترانيم موسم الموت والخراب».

■ ص٢٤٣... «كأنك داخل أسطورة قديمة بأناشيدها السرية.....».

هكذا: لم يكن العنوان وحده مركبًا من جزأين متداخلين، متلازمين، بل كذلك مقاطع وفصول هذه الرواية المبنية بناء محكمًا متداخلًا لغويًا، وفكريًا وثقافيًا، وفنيًا وجماليًا، هادفًا ومشوقًا، استطاع من خلاله «زياد كمال حمامى» رسم صورة المكان والبيئة المحيطة، وأبعاد شخصياته والأحداث المؤثرة فيها معنويًا، حسيًا، ونفسيًا، وفكريًا وعمليًا؛ وليستفز مشاعر وعقل قارئه الباطنى، مزج بين الواقعى والمتخيل «عندما ظهرت البتول لـ(عبدالسلام) أثناء احتضاره، وظهور الحمامة البيضاء فى سماء المتحف، وتهاديها قرب جثته»؛ كذلك أنسن الحيوان والجماد مستخدمًا الترميز والمقاربات الساخرة والجادة معًا «حالة الكلب ميمو ومشاعره الوجدانية، وتأوهات قلعة حلب»، كذلك تسمية الحيوانات والأماكن بأسماء تفصيلية ذات دلالات واضحة، واستخدام المحاكاة لإيصال رسائله للمتلقى «محاكاته مجلس الأمن من خلال اجتماع نساء الحارة فى عزاء البتول، إشارة لحال العرب المؤلم فى فرقتهم وضياعهم». 

ودائمًا عندما تمضى فى عالم «زياد كمال حمامى»، عليك امتلاك الوعى والثقافة التى تساعدك فى البحث والتعمق لفك شيفرة الحروف والكلمات والصور، برمزيتها ودلالاتها وإيحاءاتها_ رغم بساطة الألفاظ وسلاسة تراكيبها وإشعاع ألوانها_ لتقرأ الرسائل المختبئة بين السطور.

■ ثلاث مائة وخمسة وعشرون صفحة «٣٢٥»، حملت بين طياتها سلسلة من الأحداث المتلاحقة، المحبوكة بعناية بين الماضى والحاضر، والتى تنوعت بين سرد حدثى وآخر وصفى، وتخللتها صورتان فوتوغرافيتان، توثقان مصداقيتها، «صورة أكفٍّ وأيدٍ فى بنصر كل منها خاتم عليه نجمة داود- النجمة السداسية- وهى صورة تشير إلى جماعة (أبناء الحليب) الماسونية؛ وصورة أخرى لتمثال الحرية العربى الآمورى السورى، وإلى جانبه تمثال الحرية الأمريكى الذى يشبهه».

البداية مع «عبدالسلام» الفنان والنحات الذى تنفتح الرواية عليه وهو ينحت تمثالًا للحرية، على شكل نسر له وجه امرأة- يمثل وجه البتول الملائكى- تخرج من الرماد، تحضن أولادها، ترضعهم من حليب ثدييها اللذين يشبهان قلعة المدينة؛ والمدينة مدينة حلب السوريّة «المكان الذى تدور فيه الأحداث، والزمان زمن الحرب السورية التى بدأت عام ٢٠١١ وحتى اليوم»، وهذا التمثال، ذاته، الذى رُسم على داخل جسد النص الروائى.

ونحن نستمع ونتابع عبدالسلام «بطل الرواية_ التى تبدأ وتنتهى به_ نتعرف على «البتول»، صاحبة مشعل النور والحرية، وهى أجمل بنات حارة «البندرة»، التى انتحرت بعد أن اُغتصبت مرارًا وتكرارًا من قبل عصابات إجرامية شاذة، واختفت جثتها، دُفنت فى أحداق أبناء الحى، لتنبت طيفًا تحت الشمس، توازى الريح وتعاند الجاذبية، تسطر تاريخ الوجع، وتُقرأ كتعويذة للصبر على القلوب الكسيرة.

«البندرة» حى يهودى قديم فى حلب، يسكنه خليط من كل الأطياف والطوائف الدينية والجنسيات المختلفة، كان أهله متحابين، متعاونين، يجمعهم تاريخ وجغرافيا ووحدة مصير رغم اختلافاتهم وخلافاتهم، وما إن قامت الحرب الظالمة فى سورية والتى تمثلها حلب، هنا، حتى سقطت الأقنعة وتكشفت النفوس، وصارت الحارة والمدينة والبلد برمتها ساحة للصراعات الدينية والسياسية والاجتماعية؛ تفشى الفساد وساد اللصوص، ماتت القيم وانتحر الصفاء والنقاء والطهر وكل القيم الإنسانية والموروثات الجميلة؛ و «زياد كمال حمامى» ابن حلب السورية، عاش فيها وعايش أحداثها، اختبر كل جزء فيها وفى وطنه الكبير «سورية»، فكتب بألم وإبداع، وأمام عينيه آلاف الصور، وفى رأسه تتطاحن الذكريات، صدره ينزف، وروحه ترقص على إيقاع المنافى والغربة، من شدة الألم والفقد والحسرة على حلم بالتحرر والحرية طال انتظاره.

فى حارة «البندرة» نتعرف على «الحاج عبدالقادر الهلالى» الأب الروحى للحارة، والذى كان ناصريًا قوميًا وحدويًا متدينًا، ثم تبدل وصار شخصًا آخر مختلفًا تمامًا عن ماضيه؛ وابنه «يحيى» خريج كلية الشريعة، عاشق البتول المتصوف، الذى يحتفظ بعشقه سرًا، ويقسم أن يكون الثأر مدويًا مهما كان الثمن_ ويصاب بالرصاص فى صدره وصورة البتول لا تفارقه: ص٥٣ «يشير وكأنه يتذكر عوالم خفية، لا يريد البوح بها، وليريد أن يتفشى سر عشقه الصوفى لها.....».

نتعرف على عائلة اليهودى «أبراهام فارح» حارس معبد «الصفراء» والذى يمتلك وثائق مهمة عن هذا المعبد وأنه أقدم معبد فى العالم، كما هو معبد «كنيس إلياهو» فى حى جوبر بمدينة دمشق؛ ثم ابنته «ليزا» حبيبة عبدالسلام منذ الطفولة والتى تفضل المال والذهب على الحب.

العم «أبوالرمز» الفلسطينى المهجّر، أستاذ مادة التاريخ وصاحب أكبر أرشيف يوثق معاناة الشعب الفلسطينى وقضيته الكبرى ونضاله وتاريخه العريق. «أبوالنصر» والد البتول وحافظ أسرار والد «عبدالسلام» والذى قتلته المجموعة الإرهابية التى اغتصبت ابنته أمامه، ثم هشمته بكل قسوة وقذارة. ونمضى مع شخصيات هذه الرواية وحكاياتها سوزان السائحة الكندية التى تعرّف إليها عبدالسلام فحملت وعادت بجنينها إلى بلادها، الخوجة عيشة، ست الكل، العرافة «خاتون»، أم القطط، وأختها العمياء «الثريا»، وغيرهم وفى كل حكاية، كان يظهر طيف البتول وكأنها تقوم من موتها قيامة بعد أخرى، إلى أن ظهرت لـ«عبدالسلام» وهو يحتضر فى النهاية لتكون قيامتها الأخيرة كما كان العنوان.

■ أخيرًا، إن «قيامة البتول الأخيرة الأناشيد السرية» ليست مجرد رواية حرب، أو رواية اجتماعية توثيقية أو تاريخية تتحدث عن حقبة زمنية فى حياة شعب يسقط كل ساعة ثم ينهض، يسقط وينهض، ثم يزحف قهرًا إلى برّ الأمان فى سباق مع موت يسقيه دم النهاية؛ وليست سيرة للبتول تلك، أو سردًا تعريفيًا لأناشيد شديدة الحياكة والتمويه، خاصة بتنظيمات أو جماعات ضمن علاقاتها الاجتماعية والدينية؛ أو وصفًا لأحوال أمة مغدورة، وقعت فريسة بين أنياب الزمن، تكالبت عليها قوى الشر والظلم والطغيان، هدمت بنيانها، سرقت آثارها ونهبت خيراتها، اغتصبت كبرياءها وطهرها ونقاءها، خلال حرب شعواء طحنت البشر والحجر؛ بل هى رسالة تنطوى على رؤية فكرية عميقة لواقع ما زال حاضرًا، تحثّ الذات الإنسانية على التحرر والتخلص من تشوهاتها وانحرافاتها، معلنة قيامتها الخاصة، كما قالت «الثريا» صاحبة البصيرة لـ«عبدالسلام»: «لا تكن وصمة عار، تحرر، ابحث عن الحب الأعظم»؛ وقد تجلت هذه الرؤية بداية الرواية بحثًا عن الحرية، وفى نهايتها سلام وحب ووفاء؛ ويبقى يراع «زياد كمال حمامى» حكيمًا يجول بين الضجيج ووجع الإنسان، ويبقى وطنه «البتول» ينتظر حارس الأحلام قادمًا من أقصى أقاصى العروبة باحثًا عن بتوله التى ضاقت بها الدنيا، وأحرقها الخنوع، فى ليل الغدر والخيانة والظلم والاستبداد.