الجمعة 24 مايو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

عالم مو.. محمد صلاح فى ميزان الفلاسفة

محمد صلاح
محمد صلاح

ليست كرة القدم مجرد رياضة يلتف حولها ممارسوها، فهى «اللعبة» الأكثر جماهيرية، وساحة المرح وأحيانًا الضيق فى حياة الشعوب، لا سيما الشعب المصرى، كما أن الجماهير المُحبة غالبًا ما تعتبر نجوم كرة القدم أشبه بأصدقائهم المقربين. قد تثير كرة القدم أسئلة متخصصة حول أسباب صعود هذا النجم أو ذاك، أو أخرى عامة مثل أسباب ذلك الارتباط الكبير بها، ولكن ما الذى يمكن أن تستكشفه الفلسفة حول هذه الرياضة من جانب وحول واحد من أبرز نجومها المعاصرين من جانب آخر؟ 

من هذا المنطلق، يأتى كتاب «عالم مو.. عندما يركل الفلاسفة الكرة»، لأستاذ الفلسفة ياسر قنصوة، وهو الكتاب الصادر عن «دار ريشة»، ففى هذا الكتاب يسعى قنصوة إلى أن يُفلسف «كرة القدم»، عاقدًا المقاربات بين ما يحدث فى كرة القدم وما يجرى فى الحياة، انطلاقًا من أن الفلسفة كانت مرتبطة بالحياة منذ بدايتها مع الفلاسفة اليونانيين فى العصر القديم. 

شذرات فلسفية

يكتب قنصوة بالكتاب شذرات فلسفية وأدبية تتيح الفرصة للقارئ أن يتأمل بعمق ويشارك من منظور مغاير فى الحوار حول عالم كرة القدم، من هذه الشذرات ما يطرحه حول العلاقة بين العدالة وكرة القدم، فيعتبر المؤلف أن الاستدارة الكروية تلخص مفهوم العدالة؛ فكل نقطة على سطح الكرة تبعد بنفس المقدار الذى تبعده كل نقطة عن مركز الكرة، والكل متساوٍ فى حظوظ الفوز باللعب، وهو المشهد الذى يصدق على مشاهد أخرى من الحياة. 

وبتحليل أقل تجريدية، يرى المؤلف أن كرة القدم قد أزالت كل العوائق غير العادلة أمام المساواة والفرص، وتجربة محمد صلاح «مو» خير دليل على ذلك، فهى دالة على صورة من صور التمييز الإيجابى تحت عنوان: ابن المقاولين العرب فى ليفربول، وهى تجربة تكررت مع لاعبين آخرين استطاعوا أن يرسخوا أقدامهم فى نوادٍ أجنبية متغلبين على حواجز العنصرية والتفوق الغربى. 

يتحدث قنصوة عما سمّاه ملامح «عولمة كروية»، فيعقد المقارنات بين ماضى الإمبراطوريات الاستعمارية وراهن النجاح العربى بالأندية الأوروبية، فبينما فشلت الحملة الفرنسية على مصر، فإنها أخرجتها إلى عصر النهضة الحديثة، وفيما لم ينجح ليفربول فى الحصول على الدورى فى أول موسم لمحمد صلاح معه، فإنه قدم صلاح إلى العالم نجمًا ذائع الصيت. 

يقول قنصوة: أراد بونابرت أن يصنع إمبراطورية فى الشرق تكون قاعدتها مصر تحمل التاج الفرنسى، غير أنه بعد قرنين من الزمن لم تندهش فرنسا وهى تصفق لنجمها الأشهر زين الدين زيدان، من أصل جزائرى يحمل كأس العالم لكرة القدم بديلًا عن تاج الإمبراطور الذى ولى زمنه، وبالموازاة لم يستغرب أحد فى ليفربول إمبراطورية ظلت ردحًا من الزمن لا تغرب عنها الشمس لاستقبال ملك مصرى يدعى «مو»، إنها ملامح عولمة كروية من نوع خاص ومدهش. 

ويرى المؤلف أن كرة القدم أسقطت الحواجز بين البشر؛ إلى من ينظر إليهم أنهم الأدنى أو الأقل قدرة وحظًا، فالفرق الصغيرة تستطيع أن تصنع لنفسها اسمًا فى عالم كرة القدم بالمناسبات الكبرى، وأن تخطف انتصارًا كرويًا على الخصم. 

الغاية تبرر الوسيلة فى كرة القدم

يحلل قنصوة أشكال بروز الشعار الميكافيللى «الغاية تبرر الوسيلة» فى كرة القدم، ويعتبر ذلك مسألة فلسفية تطرح نفسها من جانب أخلاقى اجتماعى كامن فى فلسفة كرة القدم، حيث تتحول المبادئ الأخلاقية الراسخة إلى أخلاق متغيرة ونسبية، ومن مظاهر ذلك أن لا يحصل الفريق الأفضل لعبًا وأداء على البطولة أو الكأس، بل قد يخرج خالى الوفاض من المنافسة، متى تم اللعب بتكتيك معين وتخالف الحظ فى هجمة وحيدة فيحرز هدفًا ينهى المنافسة وتأتى النتيجة مخالفة للأفضلية تحت شعار «الغاية تبرر الوسيلة». 

ومن مواضع حضور الشعار ذاته فى كرة القدم أن نجد الهجوم خير وسيلة للدفاع متى امتلك الفريق لاعبين مهرة وذوى إمكانات متفوقة فى إحراز الأهداف وتحقيق الفوز، وهنا تكون الوسيلة هى الهجوم من أجل الدفاع، وتحقيق الفوز بإحراز الأهداف، أى الضغط هجوميًا والتحكم فى سير المباراة بأسلوب خاص يجلب الاستحواذ على الكرة والسيطرة. 

محمد صلاح وتحقيق الذات

يسرد الكتاب قصة تحول محمد صلاح من طفل صغير يلعب الكرة ويتابع «الخطيب» ولمساته الساحرة، واحترافية حسن شحاتة وفاروق جعفر، إلى شاب بسيط يقطن إحدى القرى البسيطة ولا يملك سوى حلم وطموح لا حدود لهما، ثم هذا اللاعب العالمى الذى صار حديثًا للجميع، تروى عنه آلاف الحكايات، تارة عن بطولاته وتارة أخرى عن سقطاته. 

يربط المؤلف بين رحلة اللاعب المصرى محمد صلاح نحو تحقيق ذاته، والسؤال الفلسفى عن الوجود، فيعتبر أن سعيه كان بمثابة رحلة نحو تحقيق الوجود الأصيل، ويوضح ذلك بقوله: يمكن تفهم موقف مو من الكرة من خلال ما ذهب إليه الفيلسوف الوجودى سارتر من تحليله للوجود العينى المفرد، فالوجود الحقيقى هو الذى تشعر فيه الذات الإنسانية بأنها قائمة بنفسها، مسئولة عن وجودها وقادرة على اتخاذ القرارات بوعى كامل بالأوضاع المحيطة، أما الوجود الزائف فإنه انفصال الفرد عن إمكاناته الذاتية. 

أقام قنصوة فى كتابه روابط ما بين الواقع الكروى بكل حضوره لدى الجماهير العريضة، وتغلغله فى حياتهم إلى حد الاندماج الكلى أحيانًا فى قضاياه، وبين الفلسفة بنخبويتها وأسئلتها الخاصة التى تجافى التناول الجماهيرى اليومى، وهى مقاربة قد تكون مثيرة لاهتمام المشجع الكروى مثلما قد تستحث القارئ للفلسفة على التفكُر بالتأملات المطروحة.