الخميس 23 مايو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

ابتهال الشايب تكتب: خارج

خارج
خارج

«الكتابة وسيلة لإثبات أن الإنسان غير موجود بشكل كامل»

إحدى الجمل التى كتبها الشخص غير المرئى فى دفتره.. الذى وجد بداخل منزله مغطى ببعض قطرات البول، وكلمتين طيبتين، وابتسامة واحدة لطيفة.

بعد عدة صفحات فارغة.. كانت هناك بعض الملاحظات المدونة فى ص ٢٠:

- لا أحد يحاورنى أو يلتفت إلىّ، ألقى التحيات فى الصباح والمساء وتهانى الأعياد وحفلات الزفاف.. لا أحد يرد. 

- قال لى جارى وهو واقف خلف باب شقته، ورأسه بارزة إلى الأمام فى احتراس وكأنه مختبئ خلف درع، إن هناك رائحة كريهة تصدر من شقتى خاصة من النافذة المستطيلة المطلة على المنور، وإنه أحيانًا يسمع صوت أمواج تصطدم بباب الشقة بشدة. نظرت له مبديًا اهتمامًا بما يقول، ثم هززت رأسى حتى أوحى له أننى أدركت كلامه جيدًا. فتحت باب شقتى للدخول وأنا أفكر: لماذا لم أخبره أن هذا كان يحدث فى شقته هو؟

- قرأت فى إحدى الصحف التى اشتريها كى أضع عليها الطعام.. إن عددًا من الأشخاص باتوا لا يعرفون ما يقولونه أو يفكرون فيه أو يتبرزونه، يجهلون ماهية العرق، البلغم، المخاط، الدم، الدموع، والبول.

- علمت من صديق لى أن أحد أقربائه ذات يوم هب من مكانه فجأة وكأن شيئًا وزه، ثم أخذ يصيح فى منزله بصوت عالى، ويستنجد وهو يرتجف من شدة الرعب، قال لزوجته وأولاده وهو يصرخ.. إن أصابع بشرية على هيئة أسياخ، تبرز من كل مكان حوله، تقترب منه لتنغرز فى جسده، حتى بدأ يختفى تدريجيًا وهو يحاول أن يريها لهم، كان يشير بيديه إلى الفراغ.

- المفتاح لا يتحرك، أقفلت فتحة قفل باب شقتى بواسطة شىء ما اليوم، عبث فيها بأظافرى وكررت المحاولة وصبرى يكاد ينفد، لكنها بدت مغلقة بشىء سميك، بعد عدة ثوانٍ، وجدت إصبعًا بشريًّا رفيعًا أسود على شكل سيخ يبرز منها إلى الخارج ببطء.

- تبرز من جميع ثقوب الأجهزة الكهربائية والأثاث والأدوات المنزلية، والنوافذ، وأقفال الأبواب، والكهرباء فى الحوائط، والبالوعات.. أصابع.

- البشر بائسون.. يتحركون وينظرون إلى البالوعات فى الشوارع دون اكتراث، تبرز منها الأصابع البشرية.. وهم فاقدو التركيز.

- دخلت اليوم حمام إحدى الشقق لأصلحه، البالوعات خالية من الأصابع.

- أسمع أصواتًا واهنة.

- لا أری أحدًا.

- أترك دراجتى على أحد جوانب مدخل عمارة، الجو بارد، ينتظرنى من هاتفنى عند باب شقته، يرشدنى إلى الحمام، أدخل حاملًا حقيبتى الجلدية المهترئة، أضع أدواتى على الأرض بهدوء دون النظر إلى شىء، أتجه ناحية الحوض الذى بدا وكأنه فم واسع مفتوح، أخبرنى أن الحنفية بها عطل، تقع عيناى على بلاعة الحوض، يبرز من كل فتحة منها إصبع بشرى. يتحدث صاحب الشقة باهتمام وكأنه اعتاد رؤية المشهد، أو أنه لا يراه من الأساس. أصابع واقفة، ثابتة، أطرافها مسننة، رفيعة، غير مميزة إن كانت لذكر أو أنثى، أظافر متساوية. 

يتركنى صاحب الحمام قليلًا، أجد كتلة من القاذورات فى بلاعة الحمام الكبيرة، مكونة من قطع براز متوسطة الحجم، مخاط أنف، بقع صفراء لفتاة حنونة، بعض قطرات ماء- متجمعة فى منتصف البلاعة- من حولها تبرز نهايات أصابع بشرية مختلفة الألوان، تناسب صغر حجم الفتحات، تبدو وكأن صاحبها يستغيث، ربما كانت لجثة. 

أرفع غطاء البلاعة المعدنى، أدخل يدى وسط القاذورات، أحرك الأصابع كى أزيلها، أجدها صلبة، أحضر منشارًا لأقطعها، مازالت سميكة، أقطعها بالطول، تتجمع قطع جلدية غليظة على حواف أسنان المنشار، أغرز سكينًا مدببًا فيها، يظهر دم متجلط.

- كانت بالوعاتى خالية من الأصابع، تسير القاذورات بداخلها فى عجلة، نظرات الاحتقار، تلويحات اليد المزعجة، التفافات الرأس عند التجاهل، الوجوم عند الرغبة فى عدم الرد، الإهانات، قلة الصبر، الشعور بالاشمئزاز. بت لا أملك أية رغبة فى معرفة ما أفعله، شيئًا فشيئًا بدأت الأصابع تبرز واحدًا تلو الآخر، بيضاء وسمراء، وقمحية، تخرج بكثرة من كل مكان، ومن كل ثقب.. أى ثقب. 

- كل شىء مبلل.

- تزداد قطرات العرق مع ارتفاع درجات الحرارة وتوقف مروحة السقف بسبب انقطاع الكهرباء، حفرت خدوش رفيعة فى يدى أثناء عملى، تفرز قطرات دم قليلة، تتكاثر الكلمات فى فمى وتتسابق بالقرب من الفتحات الدقيقة جدًا فى الهاتف، يزداد البلغم مع السعال الذى يصيبنى فجأة، تنتحر نوايا صالحة على الأرض دون قصد.. تزداد الأصابع البشرية.

- أشعر أنها ستثقب عينى ذات يوم.. أظافر وأصابع مختلفة الطول والحجم.

- تندفع روائح كريهة من الحوائط.

- هل أصبح غير موجود حقًا؟!