الإثنين 24 يونيو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

ناحوم أفندى.. كتاب يكشف قصة الحاخام الأخير لـ«يهود مصر»

الكاتبة سهير عبدالحميد
الكاتبة سهير عبدالحميد

يمكننا بإصدار كتاب «ناحوم أفندى.. أسرار الحاخام الأخير ليهود مصر» للكاتبة سهير عبدالحميد، والصادر عن «الدار المصرية اللبنانية»، رصد جرأة تناوله لقضية حساسة كوضع اليهود بمصر، وتطرقه منها إلى القضية الصهيونية والفصل بين الصهيونية والديانة اليهودية، وبعدها تقديم الحكاية الكاملة لجذور وأسرار تخلل الكيان الصهيونى ومؤامرات الماسونية وأغنياء اليهود ومتآمرى مدينة السالونيك فى الدولة العثمانية، وإسقاط حكم عبدالحميد الثانى مشتركةً فى ذلك مع يهود الدونمة، الذين أسسهم مدعى نبوة ادعى الإسلام ونُفى لألبانيا وحشد عددًا من يهود الدونمة، التى تعنى اليهود المرتدين، لإسقاط الدولة العثمانية واستيطان أرض الميعاد، فلسطين، وكان منهم زوجة السلطان سليم الأول، كما تحكى سهير عبدالحميد قضية ليهودى طلب شراء أراضٍ فلسطينية وطرده عبدالحميد الثانى يدعى إيمانويل قنه صوه، أيضًا تقص حكاية ماسون سالونيك والخطط الصهيونية المشتركة مع منظمة الاتحاد والترقى لإسقاط حكم عبدالحميد الثانى، وتوضح دوافع الدولة الصهيونية الاجتماعية ومناداة الأدب والفن اليهودى بإنشاء مستوطنات بفلسطين التى تركوها منذ نحو ١٨ قرنًا قبل إعلان الحركة الصهيونية، بتلك الطريقة تؤرخ سهير عبدالحميد لتفاصيل القضية وجوانبها الهامشية، بين الإنسانى والسياسى، بدءًا من مؤتمر بازل ودعم أثرياء اليهود لإنشاء الصهيونية واعتراض بعض من حاخامات العثمانيين، وتصل مروية سهير عبدالحميد إلى جذر القضية والسردية الكاذبة المُقدَّمة من الصهاينة القائلة إن أهل فلسطين باعوا أراضيهم لهم، تؤكد الكاتبة عدم صدق ذلك الادعاء بسردها ارتشاء موظفى الدولة العثمانية وبيعهم للأراضى وتركهم لليهود بالدولة العثمانية، كذلك صبحى بك الذى قبض ثمن بيع أراضى فلسطين لليهود، رغم رفض عبدالحميد الثانى، وغضب الفلسطينيين، كذلك ما روته من أحداث كبرى، وأحداث فى هامش ذاكرة المؤامرات..

الصفحة الرابعة والعشرون من العدد الحادى والعشرين لحرف

تقدم الكتاب رئيسة طائفة اليهود بمصر ماجدة هارون بسردية حول حياتها كمصرية يهودية، ومعاناة اليهود فى مصر ومحاصرة معابدهم، وتطرح مزج نظرتها مع القضية الإنسانية مع الديانة اليهودية، لتؤكد حزنها لأحداث ما بعد ٧ أكتوبر بغزة، واصفة ما يحدث لأهل غزة باللا إنسانية.. سرد ماجدة هارون للوجود اليهودى بمصر تؤكده الكاتبة سهير عبدالحميد بفصل كامل يتحدث عن اليهود فى مصر، الذى بدأ منذ الحكايات الدينية والهرب من أرض كنعان ودخول يعقوب ومن معه مصر آمنين لأخيهم يوسف، حتى وجود اليهود بعد الاحتلال الإنجليزى عام ١٨٨٢، وتأثيرهم، فنجد حارة اليهود ومحال مثل عمر أفندى بالقاهرة، ونجد منطقة سموحة بمدينة الإسكندرية، تلك التى سميت على اسم يهودى عراقى. ذلك الفصل من الكتاب يقدم رؤية شاملة لحياة اليهود بمصر فى القرنين التاسع عشر والعشرين بين الاجتماعى والسياسى والروحى، متناولًا التقسيم الدينى والتقسيم الاجتماعى والقضايا الهامة لهم. تروى الكاتبة ظروف تسلم حايم ناحوم لمنصب الحاخام بمصر تبعًا للحاخام رافائيل بن شمعون وسط ظروف هنيئة عاشها اليهود بمصر، فعاشوا فى حرية واختلطوا بالمجتمع، وتروى تفاصيل وصوله مصر وما حاطها من خلفيات سياسية واجتماعية فى فصل بعنوان «الحاخام الأكبر ليهود مصر»، فكان حايم ناحوم الأكثر تميزًا بين حاخامات مصر؛ بدءًا من توليه منصبه الصادر عن مرسوم ملكى، وممارسته سلطة أكبر من تلك المقررة لمنصب الحاخام، كما ورد بكتاب «تاريخ يهود النيل» للباحث جاك حاسون.

يمارس الكتاب فعل التأريخ والتحليل، نابشًا عن التاريخ الشخصى والسياسى للحاخام قبل الأخير بمصر ناحوم، صاحب الشهرة الكبيرة، والرؤى العديدة والمختلفة لانتماءاته، بين الانتماء لمصر والتعاطف مع الحركة الصهيونية، النابعة من مبدأ بروتوكولات صهيون المقر باستخدام الخبث فى الأمور السياسية، وكذلك خطة الدولة الصهيونية لتكون مصر المحروسة معبرًا لليهود إلى أرض الميعاد، بفضل دول رأسمالية إمبريالية فرضت سلطتها بالشرق بـ«إسرائيل»، ومواقف غير مقصودة لبعض زعماء العرب المؤمنين بالتعايش، ودعم الماسونية لثلاثة محاور متتابعة للدولة الإسرائيلية من التعايش فالاستيطان والاحتلال.. وهو ما يمهد لمحور الكتاب وهو التأريخ لسيرة ناحوم أفندى، وهو الانطلاق من تلك السيرة للنبش عن الصهيونية فى الشرق، مستخدمةً الكاتبة تقنيات التقريرى والإبداعى فى حكايتها وتحليلها لناحوم أفندى وأبناء طائفته فى مصر والدول العثمانية والصهيونية.

ناحوم أفندى

بعد ذلك التقديم من سهير عبدالحميد الكاشف عن خلفية الحياة السياسية والدينية لناحوم أفندى، تبدأ الكاتبة سهير عبدالحميد طرح سردية تأريخية تتناول الحاخام الأخير، وهو يعد الحاخام قبل الأخير لمصر لكن من تولى بعده كان منصبه شرفيًا، بين ثنائية العام والخاص، بين السيرة الشخصية والسيرة السياسية، حيث ولد لأسرة مهاجرة فقيرة، أحب التعليم، فأصبح من أوائل من علموا التركية من الحاخامات الصغار، ومن تلك السيرة تدافع سهير عبدالحميد للقضية الأهم فى حياته وهى موقفه من الكيان الصهيونى، فتستعين بكتابات المستشرق الأمريكى ستانفورد ديه شاو، الذى أكد عدم دعمه للكيان الصهيونى والمؤامرات الصهيونية، رغم تغير رأيه قسرًا بعد ذلك حتى إن يهود تركيا وقتها لم يبالوا بالكيان الصهيونى كقضية تخصهم، واهتموا بالقضايا والانقسامات الداخلية حول منصب الحاخام.. لكن يوجد أيضًا بعض الدلائل التى تنفى الرؤية الأولى، فتطرح الكاتبة: «على الجانب الآخر، نجد كتابات مغايرة تؤكد أن ناحوم أفندى كان له دور فاعل فى مساندة الصهيونية، فيشير المؤرخ الأمريكى نيفيل ماندل إلى أن ناحوم أفندى رئيس الحاخاميين فى تركيا العثمانية عن طريق صداقته لطلعت باشا الصدر الأعظم استطاع إقامة مستوطنات يهودية فى فلسطين فى الوقت الذى كان يؤيد التدخل الدبلوماسى من قبل القوى العظمى بغية إقرار حق السيادة على فلسطين»، كذلك يؤكد الأمريكى طلب الحاخام ناحوم رفض القيود فى تمليك الأراضى لليهود، وتقييد هجرتهم إلى فلسطين، التقييد الذى وُجد عن طريق «جواز السفر الأحمر»، وهو أمر يؤكده مؤرخ مصرى يهودى يدعى ليفى أبوعسل، مانحًا دور البطولة فى إلغاء تقييد الهجرة إلى حاييم ناحوم.