الثلاثاء 16 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

سعد عبدالرحمن.. عاشق الثقافة والأدب

الشاعر سعد عبدالرحمن
الشاعر سعد عبدالرحمن

- قابلته أكثر من مرة فى القطارات ما بين أسيوط والقاهرة وفى كل مرة لم يكن يغيب الكتاب عن جلسته

منذ أن عرفته فى أواخر الثمانينيات وهو شعلة مضيئة، يحاول استكشاف المواهب الجديدة ويشعلها، له أيدٍ بيضاء على المثقفين والأدباء، من عرفوه وعرفهم، سواء عملوا معه، أو ارتبطوا به بصداقة متينة، له الفضل فى إحياء دواوين شعرية لشعراء راحلين من أسيوط، كاد الصمت والنسيان يلفهم، وقام بطباعة أعمالهم، وهو جهد كبير، وبعضهم له صوت شعرى يتغلب على كثير من المعروفين من شعرائنا الحاليين، وأعلم أنه قاسى كثيرًا فى سبيل الحصول على أصول ومخطوطات قصائدهم المنشورة ببعض الصحف الصادرة فى أسيوط، رغم استحالتها، فى ذلك الوقت، بعد وفاة أصحابها:

ولد الشاعر سعد عبدالرحمن بقرية نجع سبع مركز أسيوط فى ٣ يناير ١٩٥٤، وانتقل مع والديه عام ١٩٥٨ إلى قرية موشا جنوب مدينة أسيوط، حيث حصل على الشهادتين الابتدائية والإعدادية.

ولأنه وحيد لوالديه، فقد ظهر اهتمام والده به، من حيث إتاحة الفرصة له لتعلم القراءة والكتابة، وبدأ سعد عبدالرحمن مرحلة القراءة مبكرًا، مما كان لها أكبر تأثير فى حياته العملية والإبداعية، ولما كانت جذوره العائلية سوهاجية، لذا فقد عانى منذ صغره إحساسًا حادًا بالوحدة والغربة، نظرًا لوجوده فى مجتمع قروى وقبلى يقدس العائلة، إذ إنه وجد فى القراءة وسيلته السحرية للتخفيف من إحساسه بالوحدة والغربة، ولأن والده كان مؤمنًا بأهمية التعليم، وأنه الفرصة الذهبية لابنه التى يمكنه أن يحصل من خلالها على مستقبل أفضل، فحرص حرصًا شديدًا على تعليمه، وكان قاسيًا عليه فيما يتعلق بالانتظام فى الدراسة، وكان يلحقه خلال كل إجازة صيفية إبان المرحلة الابتدائية بكُتَّاب القرية، وفى الُكتَّاب حفظ سعد عبدالرحمن بعض أجزاء من القرآن الكريم، وبخاصة الأجزاء الثلاثة الأخيرة منه: «عم، تبارك، قد سمع» التى تضم قصار السور. 

بدأت رحلة القراءة عند سعد عبدالرحمن فى مرحلة مبكرة، وفى مكتبة المدرسة التى كان لا يفارقها، فى الصف الثانى الابتدائى عندما اكتشف شخصيات الكاتب كامل كيلانى، ومحمد أحمد برانق، ومحمد سعيد العريان، ومحمد عطية الإبراشى، وإبراهيم عزوز، وعبدالحميد جودة السحار، وسلسلة المكتبة الخضراء للأطفال، وسلسلة أولادنا، وأساطير العالم وغيرها.

كان سعد عبدالرحمن يقرأ كل ما يقع تحت يديه من كتب، وكان تركيزه فى البداية على الأدب والشعر، إلا أن تيار القراءة جرفه إلى مجالات أخرى كثيرة ومتنوعة، كالتاريخ والتراجم والفلسفة والتصوف، فكان يترك نفسه لسجيتها، حيث يقرأ كل ما يقع فى يده، فى المرحلة الثانوية، قرأ على هامش السيرة لطه حسين، وأنا والقانون والفن لتوفيق الحكيم، ومحمد الرسالة والرسول لنظمى لوقا، وللكاتب نظمى لوقا قصة مع هذا الكتاب، كتبتها فى كتابى الملف القبطى. المنشور عن دار الثقافة المصرية عام ٢٠١٥، واشتراكية الإسلام للدكتور مصطفى السباعى وآخرين، إلا أن كاتبه المفضل كان الأستاذ عباس محمود العقاد، الذى قرأ له فى هذه المرحلة المبكرة بعضًا من عبقرياته كعبقرية محمد، وعبقرية عمر، وعبقرية خالد، كما قرأ وبخاصة فى المرحلتين الثانوية والجامعية عشرات الروايات والمجموعات القصصية والدواوين الشعرية العربية والمترجمة.

وكما بدأ سعد عبدالرحمن القراءة مبكرًا، حيث بدأ بكتابة الشعر والقصة القصيرة مبكرًا، أيضًا فقد عالج كتابه هذين الفنين منذ كان فى المرحلة الإعدادية، ولكن موهبته لم تنضج وتستوى على عودها لتعلن عن نفسها بحق، إلا فى المرحلة الثانوية، حيث كانت قصائده الأولى تلقى على طلاب المدرسة صباحًا من خلال الإذاعة المدرسية.

ولأن سعد عبدالرحمن قد حباه الله بذاكرة قوية، فقد كان قادرًا على حفظ كل ما يعجبه ويتأثر به من قصائد وأبيات شعرية، ولذا فهو يعد بين شعراء جيله من «حفظة التراث»، ويبلغ محفوظه من القصائد الكاملة وأجزاء القصائد والمقطوعات والأبيات الشعرية المفردة الآلاف من الأبيات من مختلف عصور الشعر العربى، بدءًا من العصر الجاهلى وحتى العصر الحديث.

ليلتحق بعد ذلك بكلية التربية التى تخرج فيها عام ١٩٧٩. وعُين مدرسًا فى مدارس أسيوط. 

وفى الثمانينيات التحق بالهيئة العامة لقصور الثقافة.

سافر للخليج، حيث عمل مدرسًا، وبعد سبع سنوات عمل بالخليج فى دولة الإمارات العربية «١٩٨٤- ١٩٩١»، وعاد إلى أسيوط ليصل ما انقطع بسفره.

أعاد تنظيم دورة جديدة من مؤتمرات الاحتفال بأبناء أسيوط من الأدباء الكبار، وكانت دورة عام ١٩٩٣ عن الشاعر محمود حسن إسماعيل، الملقب بشاعر الكوخ، وقد أقيم المؤتمر إبان شهر مارس، تحت إشراف أ. صلاح شريت، أطال الله بقاءه وعطاءه، مدير عام ثقافة أسيوط آنذاك.

شغل سعد عبدالرحمن منصب رئيس قسم الثقافة العامة بفرع ثقافة أسيوط وتدرج فى وظائفها، حتى عمل مديرًا لإدارة الخدمات الثقافية بإقليم وسط وجنوب الصعيد، ثم أمين عام إقليم وسط وجنوب الصعيد الثقافى، ثم نقل إلى القاهرة مديرًا عامًا لإدارة العامة للثقافة العامة، ثم رئيس الإدارة المركزية للشئون الثقافية، ثم رئيسًا للهيئة العامة لقصور الثقافة. 

سعد عبدالرحمن عضو اتحاد كتاب مصر، وأحد شعراء معجم البابطين للشعراء العرب، وأمين عام مؤتمر أدباء مصر بدورته العشرين، وعضو أمانة مؤتمر أدباء مصر لعدة دورات متتالية، وعضو المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، وممثل لوزارة الثقافة فى مؤسسة الثقافة العمالية، وممثل لهيئة قصور الثقافة فى لجنة الثقافة العلمية بالمجلس الأعلى للثقافة.

ترأس تحرير سلسلة الأعمال الكاملة، بالهيئة العامة لقصور الثقافة، ورئيس مجلس إدارة جمعية رواد قصر ثقافة أسيوط، التى قامت برعاية الكثير من المواهب الشابة فى أسيوط، وأشرف على تنفيذ وتخطيط أكثر من خمسين فعالية ثقافية.

فى أثناء عمله فى الهيئة العامة لقصور الثقافة، حصل على عدة دورات، منها دورة إعداد القادة الثقافيين، دورة الاتجاهات العلمية والعملية فى مجال الإدارة، الولايات المتحدة الأمريكية، دورة برنامج لإعداد لشغل الوظائف القيادية من درجة مدير عام ووكيل وزارة، كما حصل على دورة تدريبية فى مجال تأمين المعلومات والأفراد والمنشآت، معهد العلوم الاستراتيجية بالجزيرة.

وحصد سعد عبدالرحمن العديد من الجوائز، منها جائزة يوسف السباعى، فى القصة القصيرة بعام ١٩٧٥، وجائزة عيد الفن والثقافة الأول فى عام ١٩٧٩، وجائزة أفضل دراسة نقدية، فضلًا عن ذلك للشاعر سعد عبدالرحمن العديد من الإصدارات، منها ٣ دواوين شعر، بعناوين «حدائق الجمر» و«النفخ فى الرماد» و«المجد للشهداء، وكتاب بحثى بعنوان «التعليم المصرى فى نصف قرن»، وله عدة أعمال مخطوطة منها: «نزيف الكمان» و«إشكالية المنهج فى علم الأدب» و«مقالات متنوعة»، و«وصف القصور فى شعر البحترى»، كما له العديد من الكتب التى أعدها وقدم لها تتجاوز عشرين إصدارًا متنوعًا بين أعمال فكرية، وبحثية ومجالات التاريخ والاجتماع فضلًا عن الآداب والشعر.

شاعر وكاتب صدر له العديد من الدواوين الشعرية منها:

حدائق الجمر 

النفخ فى الرماد 

ومن الكتب المهمة التى أصدرها:

التعليم المصرى فى نصف قرن، «تاريخ تعليم». 

عباس محمود العقاد، «كتيب للأطفال عند مشارف الشباب».

الموسيقى والغناء فى حياة العقاد وفكره، المجلس الأعلى للثقافة ٢٠٢٢.

مقالات قصر الدوبارة، الهيئة العامة للكتاب، ٢٠٢٢، يتضمن الكتاب بين دفتيه المقالات التى كتبها الشيخ على يوسف، صاحب جريدة «المؤيد» الشهيرة، عن السير إيفلين بارنج، المعروف باللورد كرومر، المعتمد البريطانى.

قليلًا من الأدب، دار النسيم، ٢٠٢٢ الكتاب يتضمن بعض المقالات، منها: عبقرية بيرم التونسى بين العقاد ومشرفة، المناظرة القاتلة «عن المناظرة النحوية التى كانت بين الكسائى وسيبويه وكانت سببًا فى موت سيبويه»، معارضة يا ليل الصب فى عيد الميلاد، وهى عن قصيدة لنصر لوزا الأسيوطى، أشهر شاعر قبطى فى القرن العشرين.

التحديق فى الظلال، حفريات فى زوايا أدبية مهملة، دار النسيم، ٢٠٢٢، جاء على غلاف الكتاب «لكثير من الشخصيات الأدبية لا سيما الشعراء عدة وجوه، اشتهروا بوجه، أو أكثر منها، ومن قسمات ذلك الوجه أو تلك الوجوه ألفناهم وارتبطنا بهم، لكن فى الواقع لكل منهم وجه واحد أو أكثر غير معروف، وكذلك لكثير من الظواهر الأدبية.

من وحى كورونا، الهيئة العامة لقصور الثقافة، وقد صدر فى يونيو ٢٠٢٣، بعد شهور من وفاته، بعد أن كتب على صفحته مناشدًا قيادة الهيئة التدخل لنشر الكتاب لمرور أكثر من سنة على وجوده فى الهيئة. 

فى مديح الهامش، أسيوط نموذجًا.

تأملات فى الجهل، مطالعات أدبية ورؤى ثقافية دار النسيم ٢٠٢١.

توفى سعد عبدالرحمن فجأة فى ٢٥ فبراير ٢٠٢٣، فأحدثت وفاته صدمة بين أصدقائه وزملائه ومحبيه، فقد كان يتمتع بصحة جيدة، ولم يكن يعانى من شىء.

معروف عنه الصدق والاستقامة، يتمتع بروح الدعابة بين أقرانه وأصدقائه، وفى جلساته الخاصة كانت له روحه المميزة التى تميزه كمثقف وكاتب، وملم بتاريخ بلاده إلمام المتخصصين، وذلك لفرط رغبته وحبه الشديد فى القراءة.

قابلته أكثر من مرة فى القطارات ما بين أسيوط والقاهرة، وفى كل مرة لم يكن يغيب الكتاب عن جلسته. كانت لديه مكتبة ضخمة فيها الكثير من الكتب النادرة والمخطوطات التى اقتناها، وجمع فيها أكثر من عشرة آلاف كتاب، ولا أعرف مصير تلك المكتبة. 

فى أغسطس ٢٠٢٣ أعلنت جمعية رواد قصر ثقافة أسيوط عن إطلاق الموسم الثالث لجائزة الشاعر سعد عبدالرحمن فى شعر الفصحى، والتى يتاح التقدم إليها لجميع المصريين بمختلف المحافظات، كما تتاح فرصة المشاركة لجميع الجنسيات المقيمة داخل مصر، وذلك فى إطار أهداف الجائزة نحو تبنى المواهب وتعزيز الإبداع الشعرى كصوت للضمير الإنسانى، وفى الوقت ذاته الاعتزاز باسم صاحب الجائزة، وما كرسه من جهود للحياة الثقافية والإبداعية.

كلمة أخيرة أضيفها عن المثقف والشاعر الراحل سعد عبدالرحمن، أن صفحته الشخصية على الفيسبوك، ووسائل التواصل الاجتماعى تعتبر امتدادًا طبيعيًا، لثقافته وكتبه ومشروعه الثقافى، فهى صفحة شاملة ومفيدة لكل من الباحث والقارئ والمثقف ومن يبحث عن معلومة جادة، إذا دخلتها فهى تشدك بموضوعاتها الشيقة النادرة، وعروض الكتب، ومعارفه، وخلاصة قراءاته، ومنها مقال فى مجلة العربى عن طه حسين الشاعر ومؤلف الأغانى، قصيدة السويس لأمل دنقل بإلقاء سعد عبدالرحمن.» بدايات الشاعر الرومانسى الكبير على محمود طه المهندس: قصيدة بعنوان «لقاء» منشورة بعدد ١٥ فبراير ١٩٣٣ من مجلة «الرسالة» لصاحبها ورئيس تحريرها أحمد حسن الزيات، وقد كتبت المجلة تحت عنوان القصيدة عبارة «للشاعر الشاب على محمود طه المهندس»» وغير ذلك من الموضوعات الشيقة التى تعنى عشاق الأدب والمؤرخين للأدب فى مصر وفى الصعيد.