الجمعة 19 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

هواية وصاية

صابرين خضر
صابرين خضر

جدتى لا تجيد صناعة الأطباق «١»، رغم أنها أغلى ثمنًا، لم تكن تعرف وقتما اختارت «الهواوى» «٢» أن أسبوعًا متواصلًا من العمل لا يكفى لشراء الخضار والفاكهة يوم السوق، لا تذهب جدتى لبيع الهواوى فى السوق كما تفعل فاطمة ونعيمة، فالحرفية التى تتقنها جدتى فى صناعة الهواوى كانت كافية أن يبتاعها كلها العم أحمد بجنيهين ونصف الجنيه للزوج، أى بزيادة نصف جنيه على زوج «هواوى» سيدات النجع.
عم أحمد رجل طيب، طويل القامة، نحيف الجسد، لم ينادنى باسمى قط رغم ثرثرته المتواصلة معى والتى لم أفهم منها شيئًا، وهو رجل سوق يعرف جيدًا أنه سيكسب ضعف ما دفعه وهذا ما يجعله يأتى باكرًا يوم الثلاثاء قبل أن تأتى سيدات المعبد ليشترين هواوى جدتى.
يوم نجاحى قررتْ جدتى أن تصنع لى «هَواية وصاية»، سحبتْ «جرباحة» «٣» مستقيمة ونظيفة، أتتْ بسكين «حاند» «٤» يفصل جسد الجرباح دونما شقوق، حدَّتها «٥» بتؤدة ثم اختارت من الصوف الفوشيا والأزرق لعلمها بحبى لهما، ساوت عصيان الجرباح، وأخذت تشقها بالخيط نصفين بالعرض، قبيل العصر كانت قد انتهتْ من التحدية متجاهلة تلك الشوكة اللئيمة التى أرادت أن تفسد علينا اليوم، لكن جدتى لم تلق لها بالًا، أزاحتْ الهواية جانبًا بعد أن أصبحتْ هيكلًا منتظرًا خيوط الصوف الملونة، وهمت باختيار بكرات الصوف من الرف الأعلى من الدولاب- دائمًا ما تخبئها هناك بعيدًا عن يدى- شاركتُها اختيار الصوف وعمل «الرهط» «٦» بعد أن ربطتْ لى الخيط بين «رجلين سرير الصالة»، حبل الرهط طويل سيصلح لعمل زوجين من الهوايات، أكملتْ ملء فراغات الجرباح بالصوف لترسم صورة لأربع جِمال صغيرة فى برواز واحد كبير، لم يجهدها العمل، ربما لم تشعر به وهى تتبادل الحديث مع جارتنا على مصطبة الدار.
المغرب جاء سريعًا اليوم وهى لم تُكمل هوايتى، الليل طويل فى قريتنا وأنا أنتظر الصباح لتكتمل هديتى، رأيتُ فى المنام عم أحمد وهو ينادى باسمى لأول مرة مبتسمًا، يمد يده ليأخذ هوايتى، لكننى أمسكتُ عليها وقلتُ غاضبة «دى بتاعتى» واستيقظتُ على ذات الجملة لأسمع جدتى تقول مفيش «تفتة» «٧»، أسرعتُ قائلة «هروح أجيب من كابوجا»، قالت جدتى «هاتيها حمرا إوعى يديهالك لون تانى».
الجد كابوجا ابن عم جدتى، رجل عجوز يتكئ على عصا متآكلة، دكانه الصغير يفوح بروائح عطرة، فهو أول عطار بالقرية، تساءلتُ كثيرًا لمَ يبيع لنا الصبغة بنقود كالغرباء؟! انتظرتُه فى لهفة حتى تعكز من الديوان المقابل لدكانه، طيب هو لا ينسى اسمى ولا أن يرسل السلام لجدتى.
علىَّ أن أنتظر جفاف الصبغة التى غيرت لون بنطالى القطنى القديم للأحمر لكسوة الهواية والجريدة «٨»، الشمس ساعدتْ فى جفاف القماش سريعًا، ها هى «هوايتى» قد بدت ملامحها تتضح فى نعومة وانسجام، «الرهط» كثيف يخبئ نسمات باردة رغم حرارة الجو، الباب يُطْرَق، تُرى من صاحب النصيب أن يرى هوايتى، إنه العم أحمد، هذا هو صوته ولهجته المميزة التى لا أفهم منها شيئًا، أسرعتُ أُريه إياها، من مثله سيقدر قيمتها ويدهشه تناسقها، لأول مرة يبتسم حين يحدثنى، لكنه أيضًا لم ينادنى باسمى، يطلب منى الهواية ليريها لأصحاب البازارات، أمسكُ عليها كالحلم تمامًا وبذات الغضب أقول له: «لا.. دى بتاعتى» لترد جدتى «سيبهالها هعملك واحدة توريهالهم بس دى الجوز منها بـ٥ جنيه».
تمر هند- صديقتى وبنت العم عمران من نبتاع منه الجرباح- أناديها أُريها 
هديتى، نادتها جدتى قائلة «هند.. قولى لأبوكى وين الجرباح».. 
قالتها جدتى وهى تغلق الباب بعد رحيل العم أحمد، هكذا كانت تستعد لأسبوع جديد من العمل وقد بدأ بـ«هواية وصاية».

«١» الأطباق: تصنع من الجرباح والخيط، الحجم الكبير منها يُغطى بها صوانى الطعام والحجم الصغير منها يُعلق على الحائط.
«٢» الهواوى: تصنع من الجرباح والخيط والجريد تستخدم للتهوية أو الرقص فى الأفراح أو تُعلق على الحائط.
«٣» الجرباح: جزء من النخل.
«٤» حاند: حاد
«٥» التحدية: تقطيع الجرباح إلى عيدان صغيرة ومساواتها ببعضها البعض وربطها من المنتصف بالخيط بطريقة معينة.
«٦» الرهط: يقص الخيط الصوف ويوضع على خيط طويل كحبل بطريقة معينة ثم يُخيط فى الهواية من الناحية اليسرى للمساعدة فى التهوية.
«٧» التفتة: الصبغة. 
«٨» الجريد: جزء من النخل، يوضع فى الهواية من الناحية اليمنى ليتمكن الشخص من مسك الهواية.