الجمعة 12 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

محمد سلماوى: «أوديب فى الطائرة» محاولة لتفسير أحداث «٢٥ يناير».. والتاريخ لا يكتبه المؤرخون فقط وإنما الكتّاب أيضًا

محمد سلماوى
محمد سلماوى

 

كتب الروائى والكاتب الصحفى محمد سلماوى روايته الأخيرة «أوديب فى الطائرة» عن «طيبة»، تلك البلدة العظيمة، التى يحكمها «أوديب». بعد أن وصل للحكم على أعناق الشعب.. لكن الأحوال تتبدل وتحل اللعنة على «أم الدنيا» وينتشر الطاعون فى البلاد، ويخرج الناس إلى الشوارع يهتفون مطالبين برحيل الملك.

لكن «أوديب» لا يصدق ما يحدث، كيف يخرج الناس ضد بطلهم المغوار، وفى البداية ينكر، ثم يقاوم.. وتحت الضغط يضطر للتنازل عن العرش.. ثم يتبين أنه هو سبب اللعنة!

فى هذه الرواية مقارنة ما جرى فى ثورة ٢٥ يناير ضد الرئيس حسنى مبارك.. بل إن «سلماوى» قد انطلق من مشهد رفض «مبارك» النزول من الطائرة لدخول السجن أو بالأدق مستشفى سجن طرة.

لكنه فى النهاية كما «أوديب»، يضطر للنزول، وينتهى زمنه، وتبدأ رواية جديدة.

عن «أوديب فى الطائرة» و«٢٥ يناير» يتحدث محمد سلماوى عن أحدث إبداعاته.

■ كيف بدأت التفكير فى رواية «أوديب فى الطائرة».. وما هى الأمور التى كنت تحرص عليها أثناء كتابتها؟

- الحقيقة أن هذه الرواية هى محاولة لتفسير الأحداث الأخيرة التى مرت علينا خلال ثورة ٢٥ يناير من عام ٢٠١١، والتى أدت لسقوط النظام السابق بقيادة الرئيس مبارك، ومثل هذه الأحداث الكبرى فى تاريخ الأمم بالتأكيد تحتاج إلى إعادة نظر كل فترة من الزمن، لأنه مع مرور الوقت نظرتنا لهذه الأحداث تتغير سواء بالاكتمال أو إعادة التقييم أو غيره.

التاريخ لا يكتبه المؤرخون فقط وإنما الكتّاب، لأن الأدب هو إحدى وسائل تفسير الأحداث الكبرى فى حياتنا، وكثير من الكتاب كتبوا فى التاريخ وكانت لهم تفسيراتهم التى تقدم ما لا تقدمه كتب التاريخ لأنه كما تعلم كتب التاريخ تتركز فى الأساس حول الوقائع التاريخية بينما الأدب يدلف إلى الوجدان وإلى الدوافع الشخصية التى أدت فى النهاية إلى وقوع أحداث التاريخ.

■ هناك الكثير من الإسقاطات والتقنيات الجديدة المستخدمة فى الرواية مثل تواجد عناصر بعينها تشير للعصر الحالى مثل الكاميرا والطائرة نفسها والكثير من الإشارات والدلالات التى ضمها العمل وغيرها وهذا أسلوب مغاير لما تتم به كتابة الرواية فى مصر؟

- فى الحقيقة هذا أسلوب معمول به فى الخارج وهو الدمج بين الواقع المعاش واستجلاب واقعة قديمة لتفسير حدث آنٍ يضفى على هذا الحدث بُعدًا تاريخيًا إضافيًا، وقد شهدنا فى الخارج مسرحيات تاريخية لكتاب كبار مثل شكسبير وجوته وغيرهما، ويتم تقديمها بشكل عصرى فتدخل عليها أحداث وأشياء من الواقع المعاش الذى لم يكن قائمًا وقت حدوث هذه القصة.

وقد شاهدت على سبيل المثال مسرحية «الملك لير» لشكسبير، وكانت تقدم بشكل عصرى، حيث إن الممثلين كانوا يرتدون الملابس العصرية مثل بنطلونات الجينز وخلافه ويدخنون السجائر ويستخدمون التليفونات المحمولة، بينما كل هذا لم يكن موجودًا وقت أحداث المسرحية، ومثل هذا الدمج يستطيع الأدب أو بالأحرى لا يستطيعه إلا الأدب لأن كاتب التاريخ يلتزم بالصيغة التاريخية للحدث بينما هدف الأديب هو ربط الماضى بالحاضر ومن ثم تفسير الماضى فى ضوء الحاضر وهو ما لا يفعله التاريخ، ومن هنا كان هذا الدمج بين أسطورة أوديب القديمة وبين أحداث معاصرة عشناها جميعًا.

■ معنى ذلك أنك تؤمن بأن الأدب لا تحده حدود ولا قيود وكلمة إبداع يندرج تحتها أى شىء؟

- صحيح جدًا، لأن هناك مجالًا يختص به التاريخ ومجالًا آخر يختص به الأدب، فلا يجب أن نعامل الأدب كأنه كتاب فى التاريخ، فهنا تحدث مشاكل إذا فعلنا ذلك، كما حدث مع «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ حين عوملت ككتاب تاريخى ففُسرت تفسيرات أضرت بها، وحادت بها عن الهدف الذى من أجله كتبها نجيب محفوظ، إنما ما دفعنى لهذا الأسلوب للدمج بين الحاضر وعالم الأسطورة القديم هو وجود أشياء مشتركة بين الاثنين، فما بين قصة أوديب وما ارتكبه من إثم أدى لوقوع اللعنة على بلاده وما بين قصة الرئيس السابق محمد حسنى مبارك الذى أسقطته ثورة ٢٥ يناير لما ارتكبه فى حق البلاد من أفعال أدت بالبلاد إلى حالة وكأنها وقعت تحت اللعنة، فهنا تشابه واضح بين الاثنين، ثم أن أوديب لم يكن يدرك أنه ارتكب خطأ جسيمًا، وكذلك حال الرئيس مبارك الذى حتى اللحظة الأخيرة من حياته لم يكن يدرك ما ارتكبه من خطأ فى حق البلاد، ومن هنا لم يقبل بفكرة دخوله السجن، والحقيقة أن ما دفعنى أو ما ألهمنى لكتابة هذه الرواية هو واقعة شاهدتها فى التليفزيون فى حديث مع مدير السجن الذى كان ينتظر وصول الرئيس مبارك ووصلت الطائرة التى كانت تحمله بالفعل إلى أرض المطار، لكنه فوجئ أن الرئيس مبارك يرفض النزول من الطائرة، وهنا كان عليه أن يحاول إقناعه بشتى الطرق حتى اضطر إلى أن يستحضر أبناؤه من سجنهما لكى يحاولا إقناعه بضرورة النزول من الطائرة، ورفضه النزول هو لأنه حتى النهاية ظلت رؤيته لما فعله بالنسبة للبلد تختلف تمامًا عن رؤية الشعب لأفعاله، وهذا التباين فى الرؤى بين الحاكم وبين الشعب هو موضوع هذه الرواية وهو الذى أدى إلى الثورة، فى الحالتين الثورة ضد أوديب والثورة ضد مبارك فى تاريخنا الحديث.

■ أشرت إلى نقطة مهمة هى رفض مبارك النزول من الطائرة، يقابلها فى الرواية رفض أوديب النزول من الطائرة، كما يقابل تريسياس الذى أقنع أوديب أبناء مبارك.. والكلمة التى قالها تريسياس لأوديب «يجب أن تنزل لتنتهى الرواية» فكان الواقع يقول إنه يجب أن ينزل مبارك ليبدأ عصر جديد؟

- بالضبط بداية عصر ونهاية عصر هو نهاية رواية وبداية رواية، رواية تاريخية انتهت بقيام الثورة ونزول مبارك عن الحكم، ودخوله السجن، لا شك أنه انتهت رواية تاريخية فى حياتنا وبدأت رواية أخرى، ومن هنا كانت ما أصبحت تعرف الآن باسم الجمهورية الجديدة، الجمهورية الجديدة بدأت منذ هذا التاريخ.

■ كان أوديب يعيش على ذكريات الماضى من قتله الوحش الأسطورى هل كان هذا مبعث اتجاهك لأسطورة أوديب فى الميثولوجيا الإغريقية لتشابهها مع الحاضر؟

- هذا هو مجال الأدب، لتمسكنا فقط بالوقائع، وقلنا مبارك فعل كذا وكذا وأوديب فعل كذا وكذا أما الأدب فيعنى بالدوافع الشخصية والرؤى الشخصية وكيف ينظر الإنسان لنفسه، ليس فقط لما فعله الإنسان وإنما إلى نظرته لنفسه وتقييمه لما فعل، وهذه هى القوى الحقيقية التى تحرك التاريخ، هذه الدوافع التى تحرك الأحداث وتخلق التاريخ، بينما كتب التاريخ تركز على الوقائع، نحن نركز على الرؤى، رؤية أوديب لنفسه أنه البطل المغوار الذى لا يهاب أحدًا ويهابه الجميع، ورؤية مبارك أنه أحد أبطال أكتوبر وصاحب الضربة الجوية وكل هذا، وظلت هذه رؤيته حتى النهاية، هنا مجال الأدب لأن هنا نتحدث عن رؤية الإنسان لنفسه، وهذه الرؤية التى تتحكم فى أفعاله، ماهية الكتابة التاريخية وليس نقلًا للتاريخ، نحن نكتب إبداعًا وليس تاريخًا.

■ هل قصدت فى كتابك توجيه الرؤية لإشكالية الكتابة التاريخية وما يحاوطها من مصطلحات عدة تؤطر للعديد من الرؤى المختلفة وتوضيح ذلك من خلال سياق الرواية؟

- هذا فهم دقيق وصحيح للرواية، لأنها فعلًا تعالج التاريخ بأدوات الأديب وليس بأدوات المؤرخ.

■ استخدام اللغة فى الرواية وكيف أنها لا تنتمى لحقب ولا تحمل المفردات التى تشير إلى مكان بعينه وإنما لغة فى مجملها كانت حالة خاصة تناسب العمل؟

- هذا صحيح، هناك اهتمام بلغة خاصة فلو قارنت هذه الرواية برواياتى الأخرى لوجدت اختلافًا كبيرًا، الأجواء تاريخية بها فمكتوبة بلغة مختلفة عن رواياتى الأخرى التى تعالج أحداث عصرية، فلو قارنت بينها وبين لغة «أجنحة الفراشة» مثلًا سوف تجد اختلافًا كبيرًا، «أجنحة الفراشة» تدور عن الثورة لكنها تعالجها من منظور معاصر، وليس بها هذا البعد الأسطورى الموجود فى هذه الرواية، وهذا البعد الأسطورى استلزم نوعًا خاصًا من اللغة فيها بُعد بلاغى يناسب الأسطورة، ولو قارنت بها وبين رواية «الخرز الملون» التى تدور حول أحداث فلسطين لوجدت بينهما اختلافًا، هذا بالنسبة للغة.

■ التقنية المستخدمة فى كتابة الرواية وكأنك تمسك بعين كاميرا فأنت ترصد والقارئ شريك فى الرؤية؟

- هذا صحيح، وهذا أسلوبى فى الكتابة وقد يكون منبعه أننى كاتب مسرحى، وفى المسرح لا يخرج المؤلف ليقول أو ليشير على إحدى الشخصيات، ويقول إن هذا الرجل غضب وإنما يصور لرجل فى غضب، فالمسرح يعتمد على تصوير الوقائع وليس على وصفها من جانب المؤلف، وأنا التزمت بهذا الأسلوب فى هذه الرواية، ومشاهدها جميعًا تعبر عن حدث دون أن يتدخل الكاتب بالوصف والسرد وتعتمد على التصوير الواقعى وليس سردها من جانب المؤلف.

■ منذ بدء الخليقة والتاريخ يعيد نفسه، هل ترى أننا لا نحسن قراءة التاريخ؟

- أنا لا أؤمن بهذا ولكن أؤمن بأن التاريخ وسيلة هامة جدًا فى تفسير الحياة وفى إلقاء الضوء على الأحداث التى نعيشها ويعيشها كل عصر، والمثال واضح لأن أسطورة أوديب كانت وسيلة لتفسير جانب من جوانب ثورة يناير كما حدث، فهنا التاريخ وسيلة لفهم الحاضر، وكلما أمعنا فى دراسة التاريخ كلما استطعنا أن نتعامل مع الواقع بشكل أفضل.